سمير طوير
لقد كان عام 1989 عاما مميزا في التاريخ الإنساني حيث فاق العالم على ماسمي إنهيار الاتحاد السوفيتي وسقوط الشيوعية وتفكك القوة العظمى الثانية في العالم. ولكن الأمور غير ذلك. حيث كان الاتحاد السوفيتي يمر في أزمة تحول وانتقال من مرحلة إلى مرحلة جديدة. لقد حقق الاتحاد السوفيتي المرحلة الاشتراكية وديكتاتورية البروليتاريا في عام 1989. وهو الآن أمام مرحلة أخرى لم يستطع تحديد معالمها للانتقال إلى المرحلة الشيوعية المثلى التي تكلم عنها ماركس ووصفها بأنها المرحلة الأخيرة للمجتمع البشري وفيه تنتفي الدولة والعسكر والحكومة. ولمح ماركس في كتبه عن الديمقراطية وضرورتها في عملية الانتقال التاريخي. وهنا برز القائد السياسي والعبقري ميخائيل غورباتشوف لكي يقدم الحل لهذه الأزمة ويرسم معالم الطريق الجديد في الثورة الخضراء وتفكيك الاتحاد السوفيتي إلى دول ديمقراطية مستقلة تسير في المرحلة الديمقراطية الاشتراكية نحو المرحلة الشيوعية المثلى. وكان غورباتشوف قد راقب التحولات السياسية التاريخية في أوروبا الغربية باتجاه الديمقراطية الاشتراكية في منتصف السبعينات والثمانينات. كما رأى غورباتشوف أن انفتاحه على الغرب وامريكا سوف يساعد روسيا الاتحادية في عملية الانتقال إلى المرحلة الديمقراطية الاشتراكية. ونظرية التطور التاريخي والحتمية التاريخية التي كتب عنها ماركس إنما تحضره في هذه الفترة من نهاية الثمانينات لكي يسير العالم كله باتجاه الديمقراطية الاشتراكية. وكان لا بد من إحداث السلام بين القطبين العالميين أمريكا والاتحاد السوفيتي وانهاء الحرب الباردة وعقد مؤتمر عالمي لحل القضية الفلسطينية. وهذا ما تم تحقيقه في عام 1992 في مدريد/اسبانيا. كل هذا كان يسير على مايرام ماعدا أن القوى المعادية لنهج غورباتشوف في روسيا الاتحادية كانت تعمل في الخفاء حتى تمكنت من الإنقلاب عليه في عام 1993. حيث جاء العسكر إلى الحكم. ودفعوا بمرشحهم إلى مقعد الرئاسة وكان يلتسن الذي كان سكيرا ولم يفهم المرحلة التي كانت روسيا الاتحادية في صددها. وكانت علاقته مع الغرب وامريكا جيدة. وفي ذلك الوقت كان فلاديمير بوتين رئيساً للمخابرات الروسية وكان يتربص بالرئيس يلتسن ويتجسس على محادثاته الشخصية مع الرئيس الأميركي بيل كلينتون. وعمل بوتين على تحضير ملف خاص للرئيس يلتسن يستطيع فيه أن يهدده ويأخذ منه تنازلات مهمة وحصل مااراده بوتين في عام 1999 حيث تم تعيينه نائبا للرئيس ثم ضغط على يلتسن بالاستقالة بعد عام. حيث اعتلى بوتين إلى منصب الرئاسة في روسيا الاتحادية عام ٢٠٠٠. ومنذ صعود بوتين إلى سلم الحكم قام بحرف النهج السياسي لروسيا الاتحادية باتجاه الديكتاتورية الفردية وحكم المافيا وتصفية المعارضين له. وبقى في الحكم إلى الآن. لقد اوقف بوتين عجلة التطور الطبيعي والتاريخي لروسيا الاتحادية وعزلها عن الحركة الديمقراطية العامة التي كانت تتجه بها دول أوروبا الغربية وامريكا وكندا واستراليا ثم جاء الرئيس باراك أوباما إلى الحكم في عام 2009 وكان ثورة بحد ذاته في امريكا. وقام بتصفية أسامة بن لادن ثم الإنسحاب الكامل من العراق في عام 2011. وجاءت ثورات الربيع العربي في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا في عام 2011 أيضا. وكانت أمريكا من أوائل الدول في العالم لكي تشجع وتدعم هذه الثورات العربية. وكون أن هذه الثورات قامت من أجل الحرية والديمقراطية فقد لاقت دعماً وتأييدا من قبل إدارة الرئيس أوباما. في ذلك الوقت كان بوتين يفكر بالتوسع فقام بغزو جزيرة القرم وشرق أوكرانيا في عام 2014. ولم تعترضه امريكا في ذلك الوقت لانشغالها في الاتفاق النووي مع ايران. وفي عام 2015 قام الروس بالتدخل العسكري في سوريا. وفي نفس العام أنجز الرئيس أوباما الاتفاق النووي مع ايران و5+1 مع بقية دول العالم المهمة. ولكن هذا الاتفاق النووي لم يصمد كثيرا حيث قام الرئيس ترمب بإلغائه فور استلامه الحكم في امريكا في عام 2017. وفي ذلك الوقت توغل بوتين بشكل أكبر في سورية محدثاً دماراً وقتلا في سورية وبالشعب السوري إلى هذا اليوم. وفي 24 شباط من عام 2022 قام بوتين بغزو أوكرانيا ولايزال يحتل جزءًا لاباس به من أوكرانيا إلى هذا اليوم. إن توجه بوتين الاستعماري في سورية والقرم وأوكرانيا هو توجه بعيد كل البعد عن طريق الديمقراطية الاشتراكية ودعم الحركات التحررية في العالم. ولابد لقوى العالم كله أن تقف مع نضال الشعب السوري والشعب الأوكراني من أجل الحرية والديمقراطية.

Social Links: