عبدالرحمن ربوع
أكثر من ست سنوات انقضت منذ أن انطلق مسار أستانة لحل الأزمة السورية برعاية روسية تركية إيرانية، عبر إجراءات خفض التصعيد وإعلان الهدن وإجراء مفاوضات أثمرت عن حلّ الكثير من فصائل المعارضة، وإجراء مصالحات بين عناصرها وقوات النظام، وتفريغ العديد من المناطق السورية من المعارضين سواء كانوا مدنيين أو مسلحين.ورغم الطبيعة الإقليمية لهذا المسار الذي استمر على مدى عشرين جولة من الاجتماعات، إذ بدأ أول اجتماع له في الثالث والرابع والعشرين من كانون الثاني/يناير 2017، عقب توقيع اتفاق وقف إطلاق النار بين قوات النظام وفصائل المعارضة في العاصمة التركية أنقرة في التاسع والعشرين من كانون الأول/ديسمبر 2016؛ فقد شارك في أعماله ممثلون عن الأمم المتحدة بما فيهم المبعوث الأممي إلى سوريا، بالإضافة إلى مندوبين من الأردن ولبنان والعراق بصفة مراقبين، كما انضم إليهم في بعض الاجتماعات والجولات مندوبون عن جامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي، ما أكسبه صفة الدولية وسمح له بتحقيق الأهداف التي كان يتوخاها، وهي تفريغ الساحة السورية من مظاهر التسلح وحصرها في جيوب محددة، ليكون بالإمكان إنجاح الجهود الدبلوماسية لإيجاد “حل سياسي” لـ”الأزمة السورية”، بعد أن يخفت صوت السلاح، وتنتهي ذرائع وجود مجموعات متطرفة مسلحة غير مسموح لها بالتواجد على طاولة التفاوض.ورغم الاعتراض المعلن من كل فصائل المعارضة على هذا المسار بسبب رعايته من داعمَين رئيسيين للنظام هما روسيا وإيران، فيما لا يدعم فصائل المعارضة إلا تركيا، وهو دعم مشكوك فيه ومتقطع ونسبي ولا يقارن أبدًا بالدعم الروسي والإيراني؛ إلا أن معظم فصائل المعارضة شاركت بمندوبين أو وكلاء، وقد ضم وفد فصائل المعارضة في أول اجتماع أربعة عشرة من قادة الفصائل الكبرى بالإضافة إلى 21 مستشارًا سياسيًا وعسكريًا وإعلاميًا.من جهتها كانت قوات النظام ممثلة بقادة عسكريين وأمنيين ودبلوماسيين، ولم تُبْدِ أي ممانعة أو رفض للمشاركة لإيقانها أن هذا المسار الذي استضافته العاصمة الكازاخستانية أستانة أو نورسلطان، والبعيد نسبيًا عن مسار الأمم المتحدة في جنيف، يخدم أجندتها في استعادة السيطرة على المناطق التي تسيطر عليها فصائل المعارضة بأقل كلفة ممكنة وبرعاية قوية وسخية من روسيا وإيران.ولم يتخلف أو يُقصى عن اجتماعات مسار أستانة إلا قوات سوريا الديمقراطية “قسد” وجيش سوريا الحر في بادية التنف وهيئة تحرير الشام “هتش” وتنظيم الدولة الإسلامية “داعش”. ولاحقًا نجحت “قسد” في الانتصار على تنظيم داعش والقضاء عليه بمساعدة التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، فيما تقلص حضور وانتشار “هتش” في إدلب وعفرين بموجب اتفاقات غير معلنة كانت من نتائج مسار أستانة، حيث تم السماح لعناصر “هتش” بالانتقال من القنيطرة ودرعا ودمشق وحمص إلى إدلب. وحافظ جيش سوريا الحر على تموضعه في بادية التنف إلى جوار قاعدة متقدمة لقوات التحالف الدولي على الطريق الواصل بين بغداد ودمشق لمراقبة أي أعمال تقوم بها خلايا متفرقة لتنظيم “داعش”، وللحد من الإمدادت العسكرية الإيرانية لقوات النظام عبر العراق.أما فصائل المعارضة المشاركة في مسار أستانة فقد تم تفكيكها وإعادة تجميعها تحت مسمى الجيش الوطني، ونشرها في مناطق ريف حلب الشمالي تحت حماية ومراقبة وإدارة الجيش التركي، لتنضم لاحقًا لمشروع أنقرة بإنشاء منطقة عازلة بين سوريا وتركيا تتواجد فيه فصائل المعارضة جنبًا إلى جنب مع الجيش التركي، بذريعة حماية الأمن القومي التركي من هجومات متوقعة من قوات سوريا الديمقراطية التي تصنفها تركيا كمنظمة إرهابية لارتباطها عقديًا وفكريًا بحزب العمال الكردستاني المحظور في تركيا.ومع أن مسار أستانة قد حقق معظم أهدافه بداية سنة 2019 بخفض التصعيد، وتقليص رقعة المناطق المتوترة والساخنة، وحلّ الفصائل المتطرفة، وإعادة دمج عناصرها في قوات النظام سواء الجيش العربي السوري أو الأجهزة الأمنية والمخابراتية، إلا أن جائحة كورونا ثم الحرب الروسية على أوكرانيا أخّرتْ أو باطأتْ المسار قليلا لتكون اجتماعات “أستانة 20” التي عقدت خلال يومي عشرين وواحد وعشرين حزيران/يونيو الفائت في العاصمة الكازاخستانية نورسلطان، تتويجا لهذا المسار بالشروع ببناء استراتيجية جديدة، وتناول خيط جديد من خيوط الأزمة السورية، بالتعامل مع الوقائع التي فرضتها قوى السيطرة والتدخل الأجنبي في سوريا.ففيما حققت روسيا وإيران أهدافهما بالقضاء على فصائل المعارضة لصالح النظام في معظم الجغرافيا السورية وحصرها في إدلب وحلب في مساحة لا تتجاوز خمسة بالمئة من مساحة البلد، جاء الدور على تركيا لتحقق غرضها في التعامل مع قوات سوريا الديمقراطية وإبعادها عن الحدود مسافة كافية، تقدرها أنقرة بثلاثين كيلومتر، أو القضاء عليها نهائيًا بحسب ما تُمني به نفسها لولا الدعم الأمريكي والأوروبي والعربي لهذه القوات التي أثبتت أنها شريك يُعتمد عليه لإرساء استقرار مفتقد في منطقة الجزيرة السورية شرقي نهر الفرات، ولتثبيت استتباب الأمن ومكافحة التنظيمات المتطرفة وعلى رأسها تنظيم داعش، والشروع ببناء مؤسسات إدارة ذاتية مجتمعية وخدمية تشاركية في المنطقة.وبناءًا على الرفض التركي لما أسماه بيان اجتماع أستانة الأخير بـ”مبادرات غير شرعية للحكم الذاتي تحت ذريعة مكافحة الإرهاب”، أكدت الدول الراعية لمسار أستانة بالإضافة إلى حكومة النظام في دمشق على مجابهة “الأجندات الانفصالية الرامية لتقويض وحدة سوريا التي تهدد الأمن القومي للدول المجاورة”، في إشارة إلى تركيا، “بما في ذلك الهجمات عبر الحدود وعمليات التسلل”، سواء شرق الفرات أو غربه.ومع إعلان نورسلطان إنهاء استضافتها لـ”مسار أستانة”، برزت توقعات باستئناف المسار في دول ومدن أخرى لعل أبرزها العاصمة العُمانية “مسقط”، بعد رفض النظام استضافة العاصمة المصرية “القاهرة” لهذه الجهود، ورفض المعارضة عقد أي اجتماعات في هذه المرحلة في دمشق بناءًا على طلب النظام وحلفائه الروس والإيرانيين.وتبدو مسقط الأقرب لاستضافة أي اجتماعات حول القضية السورية لعدة أسباب منها قربها من النظام السوري وحيادها تجاه المعارضة، وتكريمًا لدورها في إنجاح الاتفاق السعودي الإيراني لخفض التصعيد في اليمن، وهو مسار موازٍ للمسار السوري، حيث تمت مقايضة سوريا باليمن بحيث تتوقف إيران عن دعم مليشيا الحوثي مقابل توقف السعودية عن دعم المعارضة السورية، وهو ما قامت والتزمت به السعودية بالفعل على مدى أكثر من خمس سنوات، ويُتوقع أن تفعل طهران المثل، بحيث يتمكن اليمنيون من بناء سلامهم الخاص في بلدهم بعيدًا عن الدعم الإيراني اللامحدود للحوثي. وقد لعبت الدبلوماسية العُمانية دورًا فاعلا في التقريب بين دول الخليج وإيران في اليمن، ويُنتظر أن تلعب دورًا مماثلًا في التقريب بين أنقرة ودمشق على حساب فصائل المعارضة، وعلى حساب قوات سوريا الديمقراطية على نحو أدق.كما يمكن لمسقط قيادة ضغوط عربية على الولايات المتحدة الأمريكية لتخفيف دعمها السياسي والعسكري لقوات سوريا الديمقراطية “قسد”، بالتوازي مع ضغوط دولية على النظام في دمشق للقبول بتسوية مع الإدارة الذاتية التابعة لـ”قسد” ترسي هدنة مفتوحة وسلامًا مع النظام، وضغوط على تركيا لوقف دعمها للجيش الوطني تمهيدًا لدمجه مع قوات النظام وتحويل الحكومة المؤقتة إلى إدارة ذاتية في أرياف حلب والرقة الشمالية، وخروج الجيش التركي من مناطق سيطرة “هتش” في إدلب يسهّل اتفاقًا يُنهي الوضع القائم لتتحول حكومة الإنقاذ التابعة لـ”هتش” بدورها إدارة ذاتية أخرى، تمهيدًا لحل واسع بين كل هذه القوى المسيطرة على الأرض يقرّ ويرسي إدارات ذاتية في عموم سوريا تسمح بتوفير الخدمات الضرورية للمواطنين وعلى رأسها خدمات الأمن والاستقرار والسلام وإعادة الإعمار وعودة اللاجئين والنازحين.وفيما استغرق مسار أستانة ست سنوات ونصف قبل أن ينجح في تصفية فصائل المعارضة السورية المسلحة وإعادة دمجها وتجميعها سواء في الجيش الوطني أو قوات النظام؛ لا أحد يستطيع التنبؤ كم سيستغرق “مسار مسقط”، أوأيًّا كان اسم هذا المسار تبعًا للعاصمة التي ستستضيفه، الذي يفترض أنْ يحل معضلات أصعب بالتوفيق والتقريب بين قوى سياسية شديدة التنافر، والذي يُتوقع أن يبلور حلًا سياسيًا فشلت الأمم المتحدة في تسهيله وتوفير البيئة اللازمة له بسبب حدة التجاذبات الدولية، وتعدد الأطراف المتدخلة.وفيما نجح مسار أستانة في حصر القوى المتدخلة في سوريا بثلاث هي روسيا وإيران وتركيا، ووقفت الولايات المتحدة والدول العربية على الحياد تراقب وتبارك الخطوات المتوَصَّل إليها؛ يُتوقع أن تستمر واشنطن والعواصم العربية لعب دور أكثر إيجابية يحقق لها أهدافُها بمنع سوريا من التحوُّل إلى بؤرة لجذب ونمو ودعم الإرهاب الذي يهدد الأمن والسلم في المنطقة، ويوقف مساعي النظام لتحويل سوريا إلى أكبر منتج ومصدر للمخدرات في العالم، ويسهل عودة طوعية آمنة للاجئين السوريين خصوصًا المتواجدون منهم في لبنان والأردن والعراق وتركيا.

Social Links: