جلال مراد
الحلقة الثالثة الحقيقة والوهم في الانتماء الوطني ؟الملكية والانتماء الوطني:” ملكية الشيء هي وضع إرادتي به، امتداد الإرادة خارج الذات عبر الملكية يعني بالضبط أن حدود شخصيتي قد توسعت خارج ذاتي لتشمل المملوكات. أي اعتداء لملكية تنتمي لي هو اعتداء على شخصيتي بشكل مباشر ” .الملكية تكون على أشكال عديدة منها الملكية الكاملة ، ومنها الملكية المتعينة بالاستعمال فقط، منها الحيازة، ومنها الملكية المتعينة بالضمان، منها الإيجار، منها الملكية التشاركية( كأن يكون موضوع الملكية مملوك لأكثر من شخص) …..الخ إذاً هناك تدرج في نفوذية الإرادة في الشيء المملوك حسب نوع الملكية فعندما تكون الملكية كاملة كأن أمتلك منزل مسجل باسمي تكون الملكية كاملة، وعندما أستأجر منزل فهذه الملكية أقل اكتمالاً فيمكنني استعمال المنزل لأجل محدد لكني لا أستطيع تغيير شكله أو بيعه أو رهنه هذا يقود لتحديد وتقييد إرادتي اتجاه المنزل. إن كان هذا المنزل ( أو أي عقار أو شيء ) مملوك لمجموعة من الأشخاص فإن حدود إرادتي ليست ممتدة على كامل الملكية فإرادتي مقيدة أيضاً وبشكل أكبر لوجود شركاء. مقدار نفوذية إرادتي تتحدد بمقدار حصتي في هذه الشراكة فكلما كبرت الحصة كلما كبر مقدار نفوذية إرادتي وبالتالي (وعلى القارئ الانتباه لهذه الجزئية) امتدت شخصيتي وحقي الشخصي أكبر في المنزل.استعرض المفكر أبو علي ياسين في كتيب مهم جداً باسم ( قصة الأرض والفلاح في سورية) نمط الملكية الشائع ما قبل تشكل الحكومات القطرية في سورية. تشكل الزراعة الأساس الذي يقوم عليه الاقتصاد السوري، نمط الملكية الشائع كان ” الحيازة” التي تقوم على اتفاق بين مالك الأرض والمزارع على استعمال الأرض لسنة أو أكثر بحيث يوزع المحصول وفق نسبة يتم الاتفاق عليها وغالباً ما كانت الربع للمالك وثلاثة أرباع للمزارع في المناطق غير المروية، ونصف للمزارع ونصف للمالك في المناطق المروية. هذه الطريقة في إدارة الأرض كانت تطبق أيضاً داخل الأسرة، لكن دون اتفاقٍ عَلَنيٍ لأن هذه الطريقة تنتمي للعرف والعادات بين مالك الأرض الذي هو رب الأسرة وبين الأولاد، تكون ملكية الأرض بالنسبة للأولاد ملكية ناقصة فهم يستطيعون زراعتها وحصادها لكن ليس لهم الحرية في بيعها أو رهنها أو التغيير في بنيتها بمحظ إرادتهم، فهي ملكية عمادها الحيازة ومبدأها الاستعمال فقط. في تلك الفترة كانت الأراضي الزراعية محصورة بيد فئة قليلة من الملاك بالمقابل نستطيع وصف مجمل الكم الأكبر من العاملين الزراعيين بأنهم ينتمون لطبقة الأُجراء. هناك بالإضافة لهذا النمط من الإنتاج نمط آخر من المهم الوقوف عنده وهي الملكية العائدة لله!!!! هذا النمط كان متواجد على الأقل في كل الدول الإسلامية ولم اتحقق من وجوده في باقي الدول التي تدين بديانات أخرى . “ملك العين” هو مفهوم اسلامي يعني أن العقار أو الأرض أو أي شيء قابل للتملك هو ملكية لله ولا يحق لأحد بيع أو رهن هذه الملكية لكن يمكن التصرف فيها بما يفيد المجتمع عبر نظام “الوقفيات”. عبر هذا النظام – الذي كانت تأتي موارده من الحسنات والهبات والأموال المجبية من الأضرحة و المساجد وغير ذلك من المصادر – كان يتم تأمين الخدمات المتعددة التي تفيد المجتمع كالمضافات ( ما يعادل الفنادق ) والمرستانات ( ما يعادل المستشفيات ) و الكتاتيب ( ما يعادل المدارس ) والحسنات المخفية للأرامل والأيتام والمعسرين ( ما يعادل التأمينات الاجتماعية) ، وشق الطرق وحفر الآبار وإنشاء الجسور وإنارة الشوارع ( ما يعادل دوائر الخدمات ). هذا النظام الاقتصادي الأهلي اللامركزي كان معمول فيه ما قبل نشوء الدول القطرية هذا لا يمنع بالتأكيد أن تكون بعض العائلات المتنفذة تستخدم ريع هذا النظام لمصالحها الشخصية في بعض المناطق، ولا يمنع من تمكن الوالي والحاكم ( أمير المؤمنين ) من ممارسة السلطة الأبوية الكلية وفق لبوس ديني. أنصح القارئ المهتم مراجعة كتاب ” الأوقاف والسياسة في مصر” للصديق الدكتور ابراهيم البيومي ذلك الكتاب الذي كلف الدكتور ابراهيم عمل جاد ومتواصل لمدة ١١ عام من خلال مراجعة سجلات كل الوقفيات في مصر وفرز الجداول وكمية الوقفيات وتوزعها واتساعها أو تقلصها، اللافت أن نصف أراضي مصر كانت تحت حوزة الوقفيات في المرحلة السابقة لتولي محمد علي مقاليد الحكم في مصر ، وبدأت الوقفيات تتقلص مع نشوء وزارة الأوقاف في مصر وتحولت وزارة الأوقاف من جهة مانحة للمال للمجتمع إلى جهة تحتاج لتمويل موظفيها من باقي قطاعات الدولة، فنشوء وزارة الأوقاف المركزية أفقدت الناس الثقة بمصير حسناتهم وهباتهم وما يقدمونه، وكان النظام الأهلي اللامركزي أكثر موائمة لثقة المتبرعين من العامة.عودة نحو بدء . ما العقوبة التي تطال مستعمل الأرض أو الأجير الزراعي أو ما كان يدعى بالعبد أو المرابع في بعض المناطق إن خالف إرادة مالك الأرض بمعنى أنه خرج عن أصول الوصاية والقوامية الأبوية؟ بكل بساطة يُبعد عن القرية وهذا يشمل أولاد المالك أو من في حكمهم كالأخوة غير الملاك وهناك جملة كانت متداولة عند بعض مناطق بلاد الشام ( إحمل بابك وارحل) فلم يكن يملك المرابع إلا باب بيته وكلمة ” المرابع ” تعني أن الأجير الزراعي يأخذ ربع المحصول عند نهاية موسم الزراعة. إن هذا النمط الأبوي الاستبدادي الاجتماعي استمر عبر الدول القطرية بفارق أن الحاكم أصبح يمارس دور الأب الملهم المقدس، الأب الراعي الحامي القائد، وتم استبدال طبقة الإقطاعيين والملاك بطبقة جديدة من المتنفذين الذين يمتلكون السلطة الكاملة بالتحكم في المجتمع طالما كانوا مطيعين قابلين لوصاية الأب الحاكم. تم في الدولة القطرية الدكتاتورية توزيع الاستبداد والظلم بالتساوي بين كل المرابعين- المواطنين. بقيت إرادة الكم الأكبر من الناس مقيدة غير نافذة على ملكياتهم الصغيرة، حتى أنها غير نافذة على شخصيتهم العينية وما تحتويه من معتقدات، تعبير عن ذواتهم سواءً بالكلام أو السلوك. بقي نظام الحيازة الذي وصفه المفكر أبو علي ياسين قائماً فمن حق الفرد استغلال واستثمار ملكيته ولكنه غير قادر على بيع هذه الملكية أو رهنها أو تغيير شكلها إلا بموافقة الحاكم عبر الدوائر الحكومية، وقد حرم كثيراً من الذين خالفوا ارادة- ايديولوجية الحاكم من بيع أملاكهم أو شرائها بقرارت أمنية منبثقة من الحاكم وهذا حاصل الآن في هذا التاريخ في سورية والعراق وغيرهما. تحولت عقوبة الإبعاد السابقة ( احمل بابك وارحل ) لعقوبة السجن والإبعاد القسري عن كل المجتمع، وليس فقط المجتمع الخاص بمن خالف مشيئة وإرادة الأب القائد. إذاً لقد استمر نمط الاستبداد الأبوي بلبوس وشكل مختلف عبر الحكومات القطرية، واستمر نمط الحيازة منقوص الإرادة مستمر. فنوعية المزروعات تحدد من الحكومة، الجهة التي ستشتري المحصول محددة من الحكومة، سعر المنتج الزراعي محدد من الحكومة، وقد استبدل نظام الربع بنظام الظرائب الذي يمتد ليشمل كل النشاطات الاقتصاديه كالتجارة والصناعة والتعليم وغيرهم وليس فقط الاقتصاد الزراعي. لقد ضاقت حدود الملكية وانحسر امتداد الإرادة الفردية حتى أنها لا تطال عالم الأفكار والمعتقدات والسلوكيات الفردية فكلها تحت المحاسبة وخاضعة لإرادة الأب القائد، شُرِعَ هذا الاستبداد بالقوانين العرفية وأحوال الطوارئ وما شابهها من قوانين، تلك القوانين المعلنة والمنصوصة في بنود قانونية في بعض الدول أو غير معلنة لكنها سارية المفعول في دول أخرى. لقد استمر الاستبداد الأبوي الاجتماعي الذي يميزه العمامة والكوفية عبر الاستبداد السياسي في الدول القطرية الحديثة التي ارتضت البدلة وربطة العنق أسوة بالدول “المتحضرة” دول الاحتلال.إن التشبيه الذي يسري على لسان المسؤولين في الدول القطرية يفضح ذلك الاستمرار والترابط بين النظام القديم والنظام الجديد فتشبيه الحاكم سواءً كان ملك أو أمير أو رئيس … بالأب تشبيه رائح ومتداول بشكل كبير وهذا يقتضي بالضرورة أن يكون الشعب هو الأسرة والأولاد. الحاكم هو الرأس المدبر والشعب هو الجسد، هذه الأولية تستلزم اقتضآت متعددة تشكل بنية مكتملة فكما يحق للأب التفكير والعمل بما تقتضيه مصلحة الأسرة فإن الحاكم له الحق في التفكير والعمل بما يراه مناسب لصالح الشعب، وكما يحق للأب أن يربي ويُنشئ أولاده بالطريقة التي يراها صائبة يحق للحاكم توجيه الشعب وقيادته نحو الطرق التي يراها مناسبة. وكما يحق للأب استخدام كل الوسائل المتاحة حتى العنفية منها للحفاظ على ترابط وقوام الأسرة، يحق للحاكم الأب الحامي أن يستخدم كل الوسائل والطرق وما يراه مناسب حتى الممارسات العنفية للحفاظ على الوحدة الوطنية والأمن الوطني. توصف الدول المشتركة بنفس النظام الأبوي بالدول الشقيقة والدول التي تحابي هذا النظام بالدول الصديقة، وقد بلغ التماهي مع الاستبداد الأبوي وروح الأسرة درجة جعلت وصف الأراضي المحتلة بالمناطق المغتصبة رغم أن الأرض ليست أنثى وفعل الاحتلال ليس فعل اغتصاب !!!!!.إن هذه المماهاة بين الأسرة والوطن، بين الأب والحاكم أسست لازدواجيه وجدانية عند الشعب حب – كره، تقديس – شيطنة، قبول مطلق- رفض مطلق، طاعة عمياء- تمرد منفلت، ولاء كامل- براء كامل. انظر أن لحظة بسيطة قبل سقوط صدام حسين كان أغلب الشعب العراقي يهتف بالروح بالدم نفديك يا رئيس، وبعد لحظات عند سقوطه انعكس الخطاب العام مئة وثمانين درجة، إن دل ذلك على شيء فهو يدل على تلك الازدواجية الوجدانية الحدية التي تحدثنا عنها. ⁃ ملكية الشيء هي وضع إرادتي فيه، تكون الملكية مكتملة أكثر كلما كان لإرادتي نفوذيه أكبر في الملكية. ⁃ لأنني أضع إرادتي في الشيء المملوك يتحول هذا الشيء ليصبح جزء من شخصيتي. ⁃ الشعور المرافق لهذه العملية هو الانتماء.لتوضح تلك المتلازمات سأستعرض المثال التالي:هناك بستان يحتوي شجر الزيتون وأنت تعمل به، انظر لكمية الحزن التي ستصيبك عندما تموت شجرة فيه لسبب أو لآخر في الحالات الخمسة التالية.أولاً: إن كانت ملكية البستان لشخص ما، وأنت تعمل في البستان لمدة إسبوع أي تضع إرادتك به عبر العمل لمدة إسبوع، وحصل أن ماتت شجرة منه.ثانياً: إن كانت ملكية البستان لشخص ما، وقد تعهدت البستان لمدة سنة كاملة وماتت شجرة منه. ثالثاً: إن كان البستان لشخص ما، وقد احتزت هذا البستان للعمل فيه سنوات طويلة وماتت شجرة منه.رابعاً: إن كانت ملكية البستان بشكل كامل لك، فما كمية الخزن التي ستصيبة إن ماتت شجرة منه. خامساً: افترض أنك رأيت شجرة زيتون ميتة في بستان لا يعنيك ولا تعمل به وليس هناك أي شكل من أشكال الملكية اتجاهه فكيف سيكون شعورك اتجاه تلك الشجرة الميتة؟ نستطيع تبين الإجابات وهي تقودنا لنتيجتين تتعلقان بموضوع الملكية والانتماء:النتيجة الأولى: يزداد انتماء الإنسان للشيء ( بالمعنى الواسع للكلمة) كلما اقتربت ملكية هذا الشيء من الملكية الكاملة. هذه الملكية التي تعبر بشكل جوهري عن حرية الإرادة المتموضعة في الشيء.النتيجة الثانية: لا يوجد شعور انتماء اتجاه الشيء الذي لا يخضع لإرادتنا أي الشيء الذي لا ينتمي لدائرة ملكيتنا.قياس هاتين النتيجتين على الشعوب اتجاه الوطن، وعلى وجه الخصوص (الانتماء الوطني) يزودنا بإجابات واضحة لكل الأسئلة بداية الفقرة. فعندما لا إرادة نافذة للمواطن في مقدرات وموارد الوطن، وعندما تُقصى إرادته عن تقرير مصير مستقبل وطنه فإنه غير مبال بما سيحصل لهذا البستان-الوطن وسيكون لسان حاله ( إذا مت ضمآناً فلا نزل القطر) أو كما يقولونها في بعض بلاد الشام ( تخرب ولا تعمر لجرش).إن الأسوار المنيعة لأي بلد تتحقق عبر حرية النشاط الإنساني و اعتبار أن الملكية حق مقدس للفرد بكونها التعبير الأكمل لحرية الإرادة التي يجب أن يقام الحد عليها، ملكية الإنسان لجسده، لروحه، لعقله، ولمعتقداته ولشخصيته الممتدة عبر أملاكه. لأن هذه الملكية ليست إلا حرية الإرادة الذاتية التي تحول العبد إلى سيد والفرد إلى مواطن.
Social Links: