نوار نوره البحره
..عشت سبع سنين، مع قطة، لم تكن قطتي أساساً، فقد اشتريتها بناءاً على رغبة ابنتي، التي كانت صبية صغيرة، ووحيده مع امها(انا)، في بيت يتناغم مهتزاً، مع أصوات المدافع والقصف المستمر، مخلفاً في نفوسنا، هلعاً لايوصف، في مكان لايبعد أكثر من كيلومتر واحد، في دمر البلد، القريبة من سكننا في مشروع دمر!.لكن القطة الجميلة (لونا) لم تكن لطيفة على الإطلاق، كانت شرسة غيورة، وقد اتخذتني أماً، منذ أشرفت على طفولتها، التي لم تبلغ الشهر الأول بعد، حينما مدت يدها من القفص، وأمسكت كم سترة ابنتي، وشدتها اليها:-تبنوني!.كانت مثل أي رضيع صغير، تصاب بالاقياء، ماإن تتناول رضعتها، أو بالاسهال، أو يسيل المخاط من خطمها الوردي الصغير، أو الدموع من عينيها العسليتين، ساحرتي الجمال، فتخدش يدي الممدودة لها، بقطعة قماش قطنية نظيفة، مبللة بمحلول معقم لطيف، يصلح للرضع من كل الكائنات، ممدد بماء دافئ:لأمسح لعابها أو المخاط، أو انظفها من الاقياء، او من اية فضلات علقت بفروها الابيض الناصع، لكن نوبة الغضب والبربرة العصبية المحتشدة بالشتائم، التي تزمجرها، محاولة التخلص، من قبضتي الامومية القوية، سرعان ماكانت تنقلب، الى نوبة لعق وتنظيف، لجروحي الدقيقة، التي تسببت بها لي بأظافرها الصغيره الناعمة، لتظهر امتنانها المتوحش، ممن ظنتها امها، لتتحول ثانيةً فجأة، الى عراك ورفس وعض، لايسبب لي الاذى، داعية لي بقفزاتها الجانبية المضحكة، الى نزال يعزز طاقاتها الهجومية، باللعب المتوحش المضحك، لهريرة بحجم قبضة اليد!.كانت لونا الصغيرة الجميلة، قطةً برية بإهاب ساحر، ومن أنا: لأحاول ترويض هذه الشرسة الصغيرة ، التي أوقعتني في غرامها، بدون أي شفقة، واصطفتني لها وحدها، دون شريك، متخذة قرار الزود عن ملكيتها لي، بكل وسيلة زودت بها، لتبعد عني كل من يحبني، أو أحبه، بداية من هذه الصبية الساحره، التي ظنتها اختها المشاكسة: ابنتي الوحيده!.غادرنا سوريا، وتوجهنا الى وطننا الاخير(ألمانيا)، يرافقني قفص هذا الوحش الجميل، كأنه زائدة دودية إضافية، ابتليت بها، كامتداد لقلبي المدمّى، رغم كل معارضات ابنتي، التي أمنت لها عائلتين بديلتين محتملتين في دمشق، سرعان ماوقعن في غرام الجميلة المتوحشة، ماإن قفزت تستعرض وحشيها، وقد ضخَّمت حجمها التافه، باستعراض عضلات مضحكة، بمشية مائلة، وعيون غاضبة، لم تكن الا لتزيدها فتنةً وجمالاً، على جمالها البري الساذج!…لكنني رفضت بكل اصرار، التخلي عن من كانت تعتبرني امها، ممتنعة عن كسر قلبها الصغير، بتسليمها، لأي أحد لايمكنه أن يحبها أكثر مني!.فقد أسرتني هذه القبضة البيضاء، من الفرو النافش، كما لو كنت عبدة منزوعة القلب! .سرعان ماغادرت ابنتي بيتنا الجديد، هاربة من تنافس الوحش الجميل، على أم لم تعد رفقتها، تفي بمتطلبات الصبية الفتية، بوجود هذا الحارس الجني، وتطلعات المستقبل الناجح لصبية واعدة، في مدينة أكبر، ومحتشدة بفرص النجاح، لابنتي المثابرة، الموعودة بحياتها المقبلة!واحتفظت لونا بأمها، رهينةً لبنوتها البرية، تتحول الى ملاك أبيض صغير، ماإن تغلق علينا باب وحدتنا، وتنام بهدوء على أي وسادة دافئة، لائذة بي، كأني مرساة لحياتها كلها!.مضت الأعوام السبع كأنها حلم قصير، وغادرت القطة الجميلة، رفقتي الى قوس قزحها المؤبد، وتركت المدينة، التي كانت تحتوي بيت الصغيرة الجميلة، غير آسفة على مفارقة اي مما يذكرني، بقطيطة صغيرة بيضاء، كانت تنتظرني على النافذة، كلما رجعت اليها!

Social Links: