الملكية ومولدات والانتماء الوطني

الملكية ومولدات والانتماء الوطني

جلال مراد

الحلقة الرابعة الحقيقة والوهم في الانتماء الوطني . مفهوم الشخصية:أحد تبديات الحرية الإنسانية تكمن في قدرة الإنسان التعبير عن إرادته في شخصيته الممتدة.هناك حالين يتعلقان بالملكية الشخصية، الأول أن يتم التنازل عن ملكية للشخص بإرادته عبر البيع أو الهبة أو غير ذلك من الأمور التي يقوم بها المالك بإرادته الحرة. أما الحاله الثانية فهي سلب ملكية من شخص دون مشاركة إرادته الحرة عن طريق النصب، أو السرقة، أو الاحتيال، أو الغصب. بالنسبة للحالة الثانية التي تعنينا في بحثنا هذا نلاحظ أن هناك تغيرين اثنين حصلا نتيجة الغصب، وكسر الإرادة الحرة للشخص : المتغير الأول: نقصان في المعامل النقدي للملكية سواء أكانت أرض أو عقار أو آلية أو غير ذلك.المتغير الثاني: نقص في حدود الشخصية، فكما سبق وبينا أن حدود الشخصية تمتد خارج إطار الجسد لكي تُحيط بالمملوكات الشخصية، فالشعور المرافق عند سلب ملكية من شخص هو شعور الحنق، الظلم الغبن… الخ.إن المتغير الثاني يختلف اختلافاً شديداً عن المتغير الأول، فحتى لو قدم الطرف الآخر كمية من النقد تعادل قيمة الملكية دون رضى وقبول وإرادة الطرف المالك فإن شخصية المالك تبقى تحت شعور الظلم والحيف. إن حصول هذا الأمر يعني القيام بانتهاك اتجاه الشخص، ونقضاً لمبدأ الحق المتموضع في الشخصية. الشخصية كمفهوم لها خاصية الامتداد خارج الحدود المادية للجسد، تتعين تلك الحدود من خلال نفوذية الإرادة الذاتية في المملوكات، هنا بالذات يمكن التعرف على خاصية جوهرية من خواص الشخصية ألا وهي الامتداد، أو ما سندعوه لاحقاً الشخصية الممتدة. لنلاحظ أن مفهوم الشخصية لا يتعلق بالفرد الإنساني فقط، فكل اتحاد بشري منظم له شخصية تُدعى في الحقل القانوني الشخصية الاعتبارية، والشخصية الاعتبارية لها ما للشخصية الفردية من حقوق وعليها ما على الشخصية الفردية من واجبات، فالشخصية الاعتبارية لها هوية وإرادة واندفاع وهدف، وتُحاكم قانونياً محاكمة الشخصية الفردية، الشركات والمنظمات والدول والهيئات تعتبر شخصيات. تاريخ العالم هو تاريخ صراعات على الملكيات وعلى نفوذية الإرادت للشخصيات الفردية والشخصيات الاعتبارية، تاريخ العالم حرب ضروس بين الإرادات. حالة التعدي التي يمارسها القوي دوماً تتحلى بتنحية وتقليص إرادة الآخر،وامتداد لإرادته، إن كل زهوة نصر لدى القوي عندما تتسع حدود شخصيته عبر نفوذ إرادته لمناطق الغير يقابلها حقد وغبن وحيف عند من يضطر لسحب حدود شخصيته خطوات للخلف مترافقاً مع انحسار إرادته وتقلصها. بالمقابل فإن السلطة المطلقة للأب في الأسرة، والسلطة المطلقة للأب القائد في الدولة يقابلها اضمحلال بل انعدام الشخصيات بالنسبة للأولاد في الأسرة والمواطنين في الدوله. لنلاحظ أن الكم الكبير من الأمثال والحكم الشعبية والأفكار والآراء الدينية والأيديولوجية ما هي إلا مسوغات لمصالح محددة، فإن نزعنا ملابس الأفكار والمعتقدات والايديولوجيات عن جسد الواقع سنرى المصلحة شاخصة أمامنا عارية صريحة، فالمستبد يصل من كل ذلك الركام الفكري الموصف لمقولة ” هكذا هي طبيعة الحياة” والعاجز مضمحل الشخصية، المسلوب الإرادة يقوده واقع تعويض العجز إلى كم كبير من المقولات والتصورات التي تؤكد أيضاً ” هكذا هي طبيعة الحياة”. بالعودة لتجسيد هذا التصور في التاريخ القريب نجد أن ما حصل في العراق طبيعي تماماً فحين امتدت إرادة الحاكم ( الأب القائد ) لتَنْفُذ إلى كل تفصيل ومفصل في العراق عبر تشريع ذلك بالقوانين العرفية المعلنة منها والمخفية نشأت شخصية ممتدة حدودها كامل العراق أرضاً وشعباً ومقدرات انحسرت بالمقابل إرادة المواطنين، وانحسر معها احساسهم بالانتماء للموجودات والمقدرات الوطنية وباتت حدود شخصيتهم ضيقة جداً تكاد تنحصر في أشياء ذاتية بسيطة. إن عدم مشاركة إرادة القاطنين في العراق بإدارة مرافق الدولة ورسم سياستها جعلهم في حالة من اللامبالة الفعلية في كل ما يحصل وما المشاعر والقصائد الحزينة إلا تعبير عن واقع العجز المنتشر في أصقاع العراق. الفصائل والمنظمات والأحزاب لم تكن تعبر عن إرادة الشعب فهي بكليتها مُسيرة من جهات خارجية وتعبر عن مصالح اقليمية وعالمية.الحرب التي انتهت من أيام هي فعلياً حرب بين النظام الحاكم وقوى خارجية أمريكية أو إيرانية أو غيرها لتحقيق مصالح لهذه الجهات عبر ذرائع مختلفة منها إسلامية ومنها ديمقراطية ومنها تدعي تحرر الشعب لكن في كل الحالات فإن الشعب العراقي بقي خارج دائرة الفعل نتيجة ما سقناه عن اضمحلال شخصية مواطنيه وانكسار إرادتهم، وبات حالهم كحال المثل الشامي ( كالأطرش في الزفة ) رغم أن كل المجازر والمصائب كانت تصب على رأسه من كل حدب وصوب. وإحساس كل فرد كان لا ناقة لي ولا جمل طالما الأمر بعيداً عني وهذا حقيقي لأن انتماءه بات محصور في دائرة ضيقة جداً تتلخص في بيته وأسرته وما قل من الأشياء التي تخضع لإرادته وضمن نطاق شخصيته الممتدة . الشخصية في الحقل الحقوقي و الحقل النفسي:الشخصية في المفهوم الحقوقي ليست إلا تعبير عن كون الإرادة، من لا إرادة له لا شخصية له. في الحقل النفسي تبرز الشخصية من خلال تحصيل كل القوى النفسية باتجاه سلوك موجه إلى الخارج للحصول على احتياج ذاتي. القوى الغريزية والدوافع والمطالب الأخلاقية والتوجهات الذاتية تجتمع بسلوك موجه للخارج، هذا السلوك يدلل على وجود الإرادة وكونها. هناك حالين مختلفين بشكل نوعي لهذه الإرادة: حال يعبر عن إرادة حرة منبعها ذات عاقلة. وحال يعبر عن إرادة مقيدة منبعها ذات غفلة مستلبه.الحال الأول للإرادة: منطلقها ذات عارفة بما تريد، قصدية الفعل، مدركة لمآل السلوك، إن ما يصدر عن هذه الذات يقع في نطاق الأفعال القانونية المسؤولة.الحال الثانية للإرادة: تعبر عن أفعال وسلوكيات منطلقة من إرادة مقيدة وذات غفلة مستلبة. أفعالها لا تقع ضمن النطاق القانوني، ولا يتحمل الفرد، أو الاتحاد البشري مسؤولية قانونية نتيجة الفعل الصادر عنهما. إن الحدث أو الطفل غير الناضج لا يتحمل مسؤولية قانونية لأفعاله، والشخص الناضج المريض بمرض عقلي أو خاضع لمسكر أو مخدر غير مكلف قانونياً وأفعاله لا تعبر عن حقيقة إرادته الحرة وشخصيته، الشخص الذي يقوم بسلوك شائن نتيجة التغرير به وتضليله شخص لا يقدر الأفعال التي يقوم بها فقد يعتقد أن ما يقوم به الخير الكامل والشهامة التامة بينما يتضح أن هناك تغرير به وتحريض له بمعلومات كاذبة من شخص آخر لديه مقاصد أخرى. أيضاً كثير من المتحدات البشرية والتي تشكل شخصية اعتبارية قد تخضع لعمليات شحن وتضليل ونصب من قبل جهة ما فتقوم بأفعال لا تعبر عن نواياها ومقاصدها الحقيقية ( علينا الربط دوما بين الشخصية والشخصية الاعتبارية في كامل البحث) . أيضاً الأفعال التي يقوم بها شخص أو شخص اعتباري نتيجة الإكراه والقسر كالأعمال التي يقوم بها الجنود مثلا أو الأشخاص الذين لا يمتلكون حرية وإمكانية الاختيار وغير ذلك من الحالات المشابهة كلها أفعال لا تندرج ضمن نطاق المسؤولية القانونية.في اليوم الثاني من صلب الحلاج سُمِعَ عنه الدعاء التالي : اللهم أغفر لهم فلو كشفت لهم ما كشفت لي لما فعلوا بي ما فعلوا، ولو حجبت عني ما حجبت عنهم لما ابتليت بما ابتليت. هذه إشارةً من الحلاج تفيد بأن غير المدرك لمآل سلوكه المدفوع بشحن وتغرير لا يخضع لاستحقاقات القانون الألهي أو الوضعي أيضاً. أصل المسؤولية القانونية هي القصدية، والإرادة الحرة، والذات العاقلة. يمر الفرد بمراحل متعاقبة من النمو فهو في طفولته المبكرة يدرك الأشياء المحيطة به مجرد إدراك لا غير ، في الطفولة البشرية أيضاً كان البشر في وقت من الأوقات يدركون الأشياء لكن دون فهمها أو وعيها وعقلها. في رحلة نمو الفرد يبدأ بفهم الأشياء، والفهم مرحلة متطورة من الوعي تحتوي ادراك الموجودات المحيطة بالفرد وفهم حاجاتها ودلالاتها هذه المرحلة تكون بالنسبة للفرد ما قبل وأثناء فترة المراهقة حيث يكون الفرد غير مكلف قانونياً بعد ولم تتشكل شخصيته المتمايزة وبالتالي تكون أفعاله مثلومة من ناحية القصدية والإرادة. يوازي هذه المرحلة عند الفرد مرحلة نمو الإنسان بشكل عام عبر التاريخ، فترة الوعي الإسطوري حيث كان يُفْهَمُ المطر والشمس والخصب والأرض والموجودات لكن دون ربط بين هذه الموجودات، نقول ربط أي عقل وفعل عقل يعني من أحد معانيه ربط وأوجد العلاقة بين شيئين أو أكثر ، تتميز هذه المرحلة بتعدد الآلهة نظراً لأن الفهم غير قادر على ربط وتوحيد المفهومات في بنية واحدة معقولة مما أدى لوجود آلهة متعددة. في هذه المرحلة لم يضهر القانون بعد بكونه تعبير عن روح الحق فقط هناك تابوات ومحرمات ذات طابع غيبي مُجزء لا يشكل بنية قانونية متماسكة وواضحة وموحدة.تضهر مرحلة الوعي عند الفرد لتعبر عن النضج وتجاوز مخاضات المراهقة، عندها يعي الفرد هويته ويعي أيضاً هويات الآخرين، يدرك الحدود ويعي مآل خرق الحدود وتتحرر إرادته بكونه قائم على نفسه ووصي واع لسلوكياته. الأمر عينه يحصل في الاتحادات البشرية فتنشأ المدن والقانون المسير للجماعة وتترسخ فكرة الحدود في الجماعة وتتحول الاتحادات إلى شخصيات اعتبارية لها واجبات وعليها حقوق تخضع للقانون بوصفه الضمير العام وقد تبدى بحدود قانونية واضحة.إن نمو الشخصية في الجانب النفسي، ونموها في الجانب القانوني يشبه نمو الشجرة باعتبار أن الأرض هي الجانب النفسي والسماء هي الجانب الحدودي القانوني، فكل تقدم للجذور في الأرض يكافئها نمو في غصون وفروع للشجرة، وكل امتداد للغصون في السماء يكافئها ولوج للجذور أعمق في التربة.علينا التركيز على هذه الجزئية فهي مهمة لفهم سياق البحث مع ربط التنامي الموضح للمراهق بالتنامي الذي يعتري المجتمع نفسه، ففي مرحلة المراهقة يتم اكتشاف الكون ووعيه في الخارج، كلما تقدم المراهق خطوة في وعي المحيط كلما تقدم خطوة في وعي نفسه، في نهاية هذه المرحلة يتحول المراهق إلى شخص راشد أي الشخص المدرك لمبدأ الحق في المحيط الذي ينتمي له، يدرك محدوديته الداخلية كشخص ( بعد ان كان يعيش في المطلق) بالتوازي مع ذلك يدرك الحدود الخارجية التي هي عينها الحدود القانونية، هنا في انتهاء هذه المرحلة يصبح الفرد شخص، وتكون ولادة الشخصية قد اكتملت من رحم ومخاض المراهقة

  • Social Links:

Leave a Reply