الملكية والانتماء دراسة في مولدات الانتماء الوطني الحلقة الاخيرة

الملكية والانتماء دراسة في مولدات الانتماء الوطني الحلقة الاخيرة

جلال مراد

سعادة الروح:سعادة الروح هي أن ترى صورتها في الخارج الموضوعي متحقق عبر الأرادة الذاتية الحرة.الاغتراب الإنساني عن الطبيعة متضمناً اغترابه عن نفسه بكونه جزء من الطبيعة بعد نشوء الحضارة يزداد مع تقدم الوقت، هذا معطى عام، فكلما خطا الإنسان باتجاه المزيد من الحضارة كلما ابتعد عن نفسه أكثر وانفصل عن وجدانه وجبلته الطبيعية، بالتساوق مع ابتعاده عن الطبيعة، هناك متلازمة واضحة كل أَذى موجه للذات الإنسانية يتناسب طرداً مع الأذى الموجه لأُمنا الطبيعة.كان الحل بالنسبة للفلسفة الشرقية ( شرق آسيا) التي انبثق منها العديد من الديانات كالبوذية والهندوسية في الهند والطاوية في الصين يتلخص بمبدأ ” الفعل بعدم الفعل” العودة نحو الطبيعة والانحلال بها والتماهي معها هذا هو المبدأ الأساسي لفلسفة الزن التي عبر عنها المؤسس لاو تسي بشكل صوفي شاعري، واستأنف شرح هذا المبدأ بمفردات فكرية- فلسفية كنفوشيوس ، وصاغ نفس المبدأ بقصائد وشذرات عميقة طاغور. لقد استمر هذا المبدأ إلى وقتنا الحالي بكونه حل لمعظلة غربة الإنسان عن نفسه والطبيعة عبر الكثير من الدعاة والمنظرين ربما أبرزهم في العصر الحديث هو أوشو ذائع الصيت عبر محاضراته وكتبه التي تُرجمت إلى أغلب اللغات. هذا الحل لم يكن واقعياً ولا عملياً وكان ينفع فقط في بعض الخلوات” الرتريت” وجلسات التأمل، و ” الدرشتي” ويُحْدث بعض التغيرات في الحياة الفردية فيما لا يتعارض مع طبيعة الحياة، فبالنهاية كما يقول ماركس” ليس وجدان الفرد من يحدد وجوده، لكن الوجود الاجتماعي للفرد هو الذي يحدد وجدانه”. فضلاً أن هناك جزء كبير من شخصية الفرد تُصنع أثناء طفولته المبكرة من خلال التربية والتماهيات الاجتماعية كما وضح ذلك فرويد بشكل مفصل جداً، فمجمل الانطباعات والمعايير والسلوكيات والعادات المنبثقة عن الذات مصنوعة في مرحلة لم يتدخل بها الوعي الذاتي بعد. إن عدم صواب مبدأ ” الفعل بعدم الفعل” الذي أساسه فلسفة الزن القديمة التي فرخت العديد والكثير من المدارس يكمن في عاملين: العامل الأول إجرائي عملي: فالكثير من منتجات الحضارة المادية والمعرفية لا يمكن الاستغناء عنها، فحتى المنظر لهذا التيار لا يمكنه الاستغناء عن الكهرباء، وسيستقل سيارة بعد خروجه من المحاظرة، ويعتمد على المنتجات المعرفية الحديثة في توصيل الفكرة واستراتيجيات التغيير، وسينشر دعواته عبر الأنترنت والميديا. عبر عن هذه الجزئية بشكل طريف المفكر محمود عباس العقاد حين أرسلت له مي زيادة رسالة تتضمن قصيدة المواكب لجبران خليل جبران تطلب منه تقييم تجربته الشعرية الجديدة آنذاك. وقصيدة المواكب التي غنت قسم منها فيروز باستهلال ” أعطني الناي وغني وانسى داء ودواء ….. ” تدعو بمجملها للعودة للطبيعة الأم وهجر الحضاره لما تحتويه الحضارة من أزمات وغربة وصراعات، مفترضاً جبران أن الجنة تكمن بالعودة للطبيعة. فكان رد العقاد مختصراً ما معناه ” صاحبنا الشاعر كمن يعاني من وجعٍ في مجموعة من أضراسه فقرر خلع أضراسه كاملة” في دلالةٍ أن للحضارة فوائد لم يعد بالإمكان الاستغناء عنها، رغم وجود منغصات. هذا الأمر ينطبق أيضاً على الزن وما يتفرع عنها من مدارس ومذاهب وتيارات في آسيا وشرقها.العامل الثاني جوهري : يتجسد باستحالة العودة الجمعية لمرحلة ما قبل الحضارة، تلك الاستحالة تشبه استحالة عودة الراشد لأن يعود لرحم أمه حيث لا صراعات ولا احتياجات ولا جهد لتحقيق تلك الاحتياجات. نرى أن هذا النزوع هو نزوع طفولي رغبوي والنزوعات الطفولية دائما ما تكون جميلة ونقية وصافية لكن كل تلك الفضائل لا تلغي كونها طفولية رغبوية تفتقد الدقة الواقعية.حاول كل من ماركس وأنجلس مقاربة تلك العودة بشكل مختلف فما عبر عنه ماركس في ” البيان الشيوعي”، وما نظر له أنجلس في ” أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة” يصبان في تصور واحد وهو استعادة المشاعية القديمة بشكل منظم، كانت هذه اليوتوبيا المحرك القوي لكم كبير من المجتمع الإنساني عقود طويلة من السنين. الشيوعية هي المشاعية المنظمة. لكن رغم استناد انجلس لكتاب “حق الأم” للمتصوف الألماني باخوفن إلا أنه مع ماركس نظرا للمشاعية المنظمة التي تسقط فيها الملكية ويصبح العمل لهو ( وهذه التصور لتحول العمل للهو قدمه جان جاك روسو في موضع آخر) وكل شخص يعمل بحسب رغبته ويأخذ من المنتجات بحسب رغبته دون قيود وواجبات إلا أنهما لم ينتبها إلى أن تلك الأمور لا يمكن أن تحصل عند الذكور . فغريزة الرياسة تستلزم التملك والسيطرة والجبر، وغريزة العدوان الذكرية تساعد غريزة الرياسة الذكرية في إخضاع الناس للمزيد من القمع والسيطرة. وهذا ما حصل فعلياً عند تطبيق تلك الفلسفة في الدول الشيوعية والاشتراكية . الديانات الابراهيمية ببساطة افترضت أن الحياة الدنيا لا يمكن أن تحقق الروح بها السعادة بل إنها مكان لابتلاء الروح وهي أي الدنيا مكان لا يحتمل، وضيع يغص بالظلم والجشع والصراعات الذاتية . وهي لا تطرح كما الديانات في شرق آسيا العودة والانحلال في الطبيعة فهي تدرك استحالة العودة لكنها تطرح أن سعادة الروح تكمن للذات الخيرة في الجنة بعد الموت، لقد أقصت الديانات الإبراهيمية الخلاص الكامل من الحياة الدنيا ووضعتها في حيز ميتافيزيقي، الجنة. كما أن الجاذبية شرط الحركة، فإن القيود التي تفرض على الذات هي شرط نشاطها. سعادة الروح لا تكمن بالنيرفانا ولا يمكن لها أن تحصل في تمام واحد. فالسعادة، سعادة الروح لا تكمن بالهدف لكن بالطريق لتحقيق الهدف. سعادة الروح لن تتحقق بهدف مغترب عن الذات، ولا بالطريق المؤدي لهذا الهدف المغترب، لكنها ستتحرر مع الوقت عندما تجسد شكلها الجواني في الخارج الموضوعي عبر النشاط غير المغترب والإرادة الذاتية. كل تحقيق لجزء من الروح الداخلية الكامنة في الخارج الموضوعي يرافقه شعور بالغبطة والسعادة والحضور. كما إن سعادة البذرة أن ترى نفسها وقد خرجت من كمونها لتصبح شجرة. فإن سعادة الإنسان أن يحقق نفسه أي أن تخرج شخصيته الكامنة لتعلن وجودها في الخارج الموضوعي عبر النشاط الذاتي والإرادة الحرة. المجتمعات الاستبدادية الأبوية تمحق الذات الفردية. تحيل الفرد لمجرد رقم في قطيع متماثل له لون واحد وحركة واحدة. من جهة أخرى قامت المجتمعات الغربية على تمزيق النسيخ الاجتماعي وجعلت الفرد الحر وحيداً مغترباً عن محيطه الاجتماعي والطبيعي بشكل صارخ. بين هذه وتلك هناك حل يضمن للفرد سعادة الروح، وللجماعة الإنسانية الترابط الرحمي الدافئ.رغم توصلي لتصور عن يوتوبيا قد يكون فيها الحل لمشكلة الاغتراب الإنساني، وفيها قدر معقول وممكن لتحقيق سعادة الروح للفرد والاتحادات البشرية لكني أتريث في تقديم هذ اليوتوبيا مفضلاً عليها أن تكون سؤال يفكر به القارئ. انتهى.

  • Social Links:

Leave a Reply