بقلم: ماجد مرشد
(1 من 4)
من المعلوم أن مقاربة دلالية لمفهوم الخارق للواقع، لا يمكن أن تختزل بنصّ، أو أن يُعبّر عنها بكلمات. وذلك لأن الخارق للواقع لم يشكل جنساً أدبياً، بمفاهيم ومصطلحات دلالية، تضمّ الكم الهائل والمتنوع من القص والسرد، الحامل لما يمكن تسميته بالغرائبي أو العجائبي أو الخارق للواقع، عبر قرون طويلة. وإن عدّه البعض من الباحثين جنساً، تحت مسمّى “العجائبي” أو “العجائبية”، خلط آخرون بين تجنيسه ودلالته. ففي التوصيف لديهم بدا جنساً أدبياً، وفي التطبيق النصي تعاملوا معه كمظهر وأسلوب. مما لا شك فيه، أنه لم يكتب الكثير عن الخارق للواقع، في النقد الغربي والنقد العربي على السواء، وإن كان هناك من أفرد له بحثاً كاملاً، وسعى ليجعله متكاملاً، كرسالة ماجستير أو رسالة دكتوراه…. وبعض البحوث المتفرقة، المنشورة هنا وهناك. لذلك كثيراً ما يكرر، بكثير من التشديد، على أنه يستحيل تعريفه أو تصنيفه، لأنه مسعى غريب ذلك الذي يقتضي كلاماً طويلاً جداً، عن غرض أعلن مسبقاً عدم قابليته للتحديد. وإذا قبلنا جدلاً بوجود جنس أدبي نسميه “الخارق للواقع”، أو “العجائبي” أو “الغرائبي” (كما يحلو للبعض تسميته)، فينبغي أن نقبل في الوقت ذاته، أن تقدم المؤلفات المصنفة تحت هذا العنوان فيما بينها وحدة حقيقية، ذات طابع دلالي وأسلوبي وبنيوي يمذهبها أو يجعلها تياراً مستقلاً، كالرومانسية أو الكلاسيكية أو تيار الوعي أو إلخ. ولو وجدت هذه الوحدة، ينبغي أيضاً أن يكون ممكناً استخراجها، ورسم ملامحها الدقيقة، لتأخذ بيد النص- المنضوي تحت تسميتها- تحت جناحها… وإلا، فإن الحديث عن الخارق للواقع كجنس أدبيّ، أو تيار فكري، أو مذهب عقلي، يعود للكتابة على الهواء.إن أولئك الذين جربوا ذلك قبلنا، وصلوا بشكل محتّم إلى طريق مسدود، أو وقعوا في الخلط، لأن المقاربة الأسلوبية، المؤسسة نظرياً، تصطدم في هذه الحالة المحددة بمشكلات كثيرة يصعب التغلب عليها، أو معالجتها، وهذا ما سنحاول إيضاحه في السطور الآتية ما أمكن، لأن هذا المبحث يحتاج إلى كتابٍ، ولا يكفيه بحث في صحيفة. ما الخارق للواقع ؟لعل من المفيد أن نوجز بسطور قليلة، معنى الخارق للواقع، كمفهوم وليس كجنس، وأهمّ تمظهراته في الأعمال الأدبية، لنسهّل على القارئ فهم النماذج المدروسة، ومتابعة المظاهر الخارقة للواقع من جهة، ومن جهة أخرى، معرفة الأسباب التي تحول دون تصنيف الخارق للواقع جنساً أدبياً قائماً بذاته. نستطيع أن نقول: إن كل مظهر أو تصوير أدبي، أو سرد دلالي، يتجاوز الواقع القائم، ليصف غيبيات أو أساطير أو غرائب، أو عجائب، لا وجود لها إلا في خيال كاتبها، أو في الخيال الجمعي؛ كالوحوش الأسطورية، ومصاصي الدماء، والتقمص، والجنّ، والإلهيات والغيبيات، وصولاً إلى الخيال العلمي…. يمكن أن يُصنف تحت مفهوم؛ الخارق للواقع، أو العجائبي. الدكتور “عبد الهادي صالحة”، عرّف الخارق للواقع بأنه: »مؤلف مبني حول موضوع بروز اضطراب وتشويش ما مفاجئ في عالم الواقع المألوف والعقلاني. ويترافق هذا الاضطراب مع الشك الذي غالباً ما يشترك فيه القارئ والشخصية والذي يبقى دائماً ومستمراً على طول القصة حول طبيعة هذا الاضطراب والتشويش. وهذا العنصر المشوش يمكن أن يكون شبحاً، أو ميتاً حياً، أو تمثالاً يتحرك، أو قريناً، أو أي عنصر ما فوق طبيعي».(1)في حين يعرف “بيير كاستيكس” الخارق للواقع في الأدب بأنه «الشكل المبتكر الذي يأخذه العجيب عندما يستحضر الخيال، بدلاً من تحويل فكرة منطقية إلى أساطير، الأشباح التي يصادفها أثناء شروده المنعزل، هذه الصور ليست سوى تمثيلات مختلفة للشيء ذاته. إن العنصر المشوش لا يحتاج إلى أن يكون منشؤه من عالم ما فوق طبيعي، ولا حتى أن يكون خارجاً عن الشخصية؛ يمكن أن يشكل مع الشخصية كياناً واحداً».(2)وهناك من يفصل بين العجيب المدهش القائم على الخرافة والمعتقدات اللا علمية، وبين الخارق للواقع القائم على البحث عن مفهوم جديد في الحياة، فرضه الواقع المتطور، والاهتمام بتاريخ الحضارات والأديان، الذي غير بعمق المفهوم الذي يحمله الإنسان عن نفسه، فاعتبر الخارق للواقع يرتبط بواقع اجتماعي ثقافي خاص وحقيقي، استمد شرعيته ونظم تفكيره وطروحه من واقع مجتمعات أواخر القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر، خاصة في أوروبا، حين انتشر العلم وسيطر العقل وظهر تراجع ملحوظ بالإيمان الديني، حيث انتظم فيها العالم حسب قوانين وقواعد مفهومة، وثابتة، تنطلق من غزو ما فوق الطبيعي للعالم المنظور، حين انتصرت الوضعية العلمية، من نظريات داروين التطورية، والاكتشافات الفلكية والفيزيائية، ومذهب شوبنهور الفلسفي، ونظريات التحليل النفسي حول اللاوعي والأحلام والهذيان والعبقرية والعامل الوراثي والتنويم المغناطيسي، ومن بنية الذرة إلى الكهرباء والفيزياء والعلوم الحديثة، وابتداءً بالأحياء والجمادات وليس انتهاءً بالمجرات والأفلاك. «حيث يفسر فيه كل شيء بالعقل: من حركة الذرات حتى حركات الكواكب، مروراً بحركات القلب والفكر».(3)
(يتبع)
الإحالات:
1- د. عبد الهادي صالحة، مقال بعنوان “الخارق للواقع.. القلق الوجودي في الأدب”، الملحق الثقافي لجريدة الثورة السورية، بتاريخ 25/9/2012. http://thawra.sy/_print_veiw.asp?FileName=37681762201209250854202-
2- د. عبد الهادي صالحة، المقال نفسه.
3- د. عبد الهادي صالحة، المقال نفسه.

Social Links: