مساء من آذار دمشق

مساء من آذار دمشق

نوار نوره البحره

!..وقفت كنده خلف صديقتها هبه، وهي تنظر إلى رفاقها يقادون بعيداً، للمرة الأخيرة في حياتها، فيما تحاول الصبيه الصغيرة عبثًا، الصعود إلى الميني باص المحتشد بالصبايا والمراهقات، فقد شَلَّت الرعشةُ التي انتابتها من أخمص قدميها، حتى قمة رأسها، قدرتها على الحركة، أو حتى على التفوه بأي حرف، حينما أدركت كنده المتماسكة نوعاً ما، أن صديقتها عاجزة تماماً عن التحرك، حينما لكزها العنصر بكوعه، في منتصف ظهرها تماماً، فهمت بها وساعدتها على الصعود بصعوبه!في اليوم الثالث من هذا المساء المشؤوم، خرجت هبه بطريقة ما، من الغرفة الصغيرة ذات الستة أمتار مربعه، تلك التي حشرت فيها أكثر من عشر مراهقات، في ذلك اليوم من اذار عام ٢٠١٣!وبقيت كندة التي قضت أكثر من عشرة أيام زيادة عن هبة التي ذهبت ولم تعد، في الغرفة مع الفتيات الأخريات، وقد ساقها العناصر عدة مرات للاستجواب، نالت فيها إهانات وصفعات قاسية، لم تتوقع يوماً ما أنها قد تتعرض لها!حينما سِيقت مع عدد منهن إلى شاحنة المحكمة، حيث وجهت لها فيما بعد، تهمة لم تتوقعها على الإطلاق:إغواء قاصر بالدعارة!!!ماذا؟؟؟لم يكن ذلك بحسبانها هي أو بحسبان هبة ذاتها، حينما دعاهما صديقان لتناول كوب من الشاي، إلى سهرة مسائية في أرض الديار، التابعه لغرفة يستأجرها الأخوان، مع عدة أصدقاء وصديقات آخرين، من غرفات البيت العربي، المشغول بطلاب وطالبات جامعه، من عدة كليات، في حي باب توما!….لكن عناصر أمن مدنيين، اقتحموا البيت، وساقوا الجميع من غرفهم، وهم يكيلون الصفعات والشتائم، بتهمة المشاركة في مظاهرة ضد النظام، يوم الجمعه الفائت، وحشروهم كيفما اتفق في سيارات وشاحنات وباصات الأمن، التي كانت تزحم الحارة الضيقة!…استطاع أبو هبة، الرجل النافذ، تحرير ابنته، مزيفاً أسباب احتجازها، بأن كندة، التي مر أسبوع واحد، على بلوغها الثامنة عشرة من عمرها، قد أغرتها، بداعي عرضها على أصدقائها الشبان، مدعية أنها تصحبها الى جلسة عيد ميلاد صديقة مشتركة ما!فقد ارتأى أن تعريض سمعة ابنته القاصر للقيل والقال، أفضل من اتهامها بالمشاركة في مظاهرة ضد النظام!على الرغم من براءة الفتاتين، من كلي الاتهامين المزيفين!لكن كندة، التي تمكن والدها هي الأخرى، من إخراجها من السجن بكفالة، بحجة انها لاتمتلك سوابقاً، غادرت دمشق، منذ صباح اليوم التالي لإطلاق سراحها، دون علم والديها، ولجأت إلى السفارة الأميركية في بيروت، طالبةً حمايتها كمواطنة تمتلك الجنسية الأميركية، ومساعدتها في العودة إلى الولايات المتحدة، حيث تقطن مازالت خالتها، بعد أن قصَّت على موظفي السفارة، ماتعرضت له في دمشق، تلك التي أعادها والدها اليها، هي وإخوتها الصبيان التسعة، رغماً عنهم، لأنه خشي على مستقبلها من امتلاك حريتها، وقد قاربت على بلوغ السن القانوني، الذي يسمح لها بالاستقلال عن العائلة في أمريكا، بموجب القانون الأميركي!حينما دخلت إلى العيادة النسائية، في مدينة برلين، فوجئت تمامًا بأن الطبيبة الشابة، التي حجزت موعداً في عيادتها، لم تكن إلا كندة ذاتها، صديقة ابنتي الذي رأيتها آخر مرة، في اليوم السابق لاحتجازها، ذات مساء سبت، في دمشق!بعد رحلة طويلة اكتسبت خلالها شهادة الطب وتخصصت في أميركا، ثم انضمت إلى عائلتها، التي غادرت إلى أوكرانيا، هرباً من التجنيد الإجباري للصبيان التسعة، على الرغم من جنسياتهم الأميركية، لينزحوا ثانية إلى ألمانيا بعد الغزو الروسي لأوكرانيا…..حكت لي، أن الأخوين اللذين دعياهما، هي ورفيقتها هبه لشرب الشاي، ذلك المساء، لم يُعرف عنهما خبر منذ ذلك اليوم!كأنما انشقت الأرض وابتلعتهما.

  • Social Links:

Leave a Reply