نجمالدينسمّان
بينما عبَرَ صالة المطار.. تفصِلُهُ ثلاثُ ساعاتٍ عن رحلته إلى باريس؛ كان يُحاول أن يُحصِي المطارات والموانئ ومحطات القطار التي سافر عبرها بعد هجرته القسريّة من بلده.
ثمّ لا يعرف لماذا التفتَ فجأةً إلى الوراء.. فرآها بينما كانت ترصد شاشة إقلاع الطائرات.
قال في نفسه: – يخلق من الشَبَه أربعين.
مُقَارناً بين صورتها قبل خمسةٍ وعشرين عاماَ وبين ما رآه:
- من الطبيعي أن تتغيّر ملامح أيّ شخص بعد رُبع قرن.
ثم أردف بينه وبين نفسه: – لكنها هي.
صرخ غير آبهٍ بالناس في الصالة: – سهير.
فالتفتت نحو مصدر صوته.. تجمدت وهي تنظر إليه؛ قالت بينها وبين نفسها: – هذا هو.. حتى لو غزا الشيب شعره وشاربيه؛ لا يُمكن أن أخطئه.
اقتربت منه.. اقترب منها.. كلاهما يجُران حقيبةَ سفره.
سألته: – إلى أين؟.
ابتسم: – إلى مربط خيلنا: باريس.
ضحكت: – لا تتخلَّى عن سخريتك حتى عندما تراني بعد ربع قرن.
سألها: – وأنتِ.. إلى أين؟.
أجابته: – أتيتُ من فرانكفورت وذاهبة إلى دمشق.
أشار لها: – تعالي لنجلس في هذه الكافتريا؟.
فهزت رأسها بالمُوافقة.. بينما تتذكر عندما كان مديرها في دمشق يتعامل مع الجميع كأبٍ وكأخٍ كبير وكصديق؛ وأنها حين جاءها خبرُ وفاة والدها انهارت مُستندة إلى كتفه؛ فمضى بها على الفور في سيارته إلى قريتها البعيدة لتُلقي نظرة الوداع على والدها قبل جنازته.
جلس إلى الطاولة قبالتها: – ماذا تشربين؛ هل أنت جائعة؟.
تأملته.. لم تتغير لهفته.. لم يجف حنانه.. اهتمامه بالآخرين.
لكنها سألته: – أين زوجتك؟.
أجاب باقتضاب: – رحلت. - ماتت.. أنا آسفة لك جداً.
- بل رحلت إلى رجل آخر.
تجمدت الحروف في حلقها.. لم تعرف ماذا ستقول؛ فتابع: - بعضُ الناس يموتون بالنسبة لنا حتى لو كانوا على قيد حياتهم.
- تركتكَ في باريس؟.
- في بيروت.. بعد أسبوع من مُغادرتنا لدمشق؛ وحسناً فعلت.
- تعيش وحدَكَ إذا ؟!َ.
- أعيش مع نفسي في باريس؛ وأنتِ.. ماذا كنت تفعلين في فرانكفورت؟.
- كنت في زيارةٍ لأختي.
- أختك الصغيرة.. تلك التي اختارت سائق سيرفيس؟.
- ثمّ ندمت بشدة؛ وحين حوّل سيارته إلى وكرٍ للمُعفشين هربت بطفليها إلى بيروت ومن هناك بطلب لجوء إلى ألمانيا.
- حسناً فعلَت؛ وأنتِ.. ماذا تفعلين في دمشق؟.
- تركتُها وعدت إلى قريتنا بجانب أمي؛ حالياً أعيش وحدي.. رحلت أمي أيضاً مُلتحقة بزوجها في السماء.
- الله يرحمها.. كانت امرأة طيبة جداً.
تابع يسألها: – كيف هي الأوضاع في دمشق الآن؟. - سيئة.. وربما هذه الكلمة لا تكفي لوصف أحوالنا.
- لماذا لا تلتحقين بأختك في فرانكفورت؟.
- أوصتني أمي بالبيت وبالبستان.. وأنا لن أخذلها.
- كان لديكم بستان حمضيات كبير.. كما أتذكر.
- وما يزال.. أوزع من محصوله على جيراننا؛ صار كثير من السوريين على حافة الجوع.
- إذا لم تعودي.. ماذا سيحلّ بالبستان؟.
ابتسمت: – سيقطف الجيران ثمارَهُ وينتفعون بها. - كان لديكِ أخ.. أليس كذاك؟.
- كان..
- ماذا حصل؟.
- تطوَعَ من أجل الزعيم.. وقُتِلَ من أجل الزعيم؛ أغلب شباب قريتنا قُتلوا من أجل الزعيم؛ عاد منهما شابان فقط.. أحدُهما برِجلٍ يُمنى مقطوعة؛ والثاني برجلٍ يُسرى مقطوعة؛ أراهما يجلسان دائماً معاً؛ أو يتمشيان على مهلٍ معاً؛ كأنّهما يُعوضان بعضهما عمّا فقداه.
حاول تغيير مسار الحديث.. فسألها: – ماذا تأكلين.. ماذا تشربين؟. - أيّ شيء.
- أما تزالين تُحبين الأجبان.
فابتسمت عائدةً إلى حديث الأشجان السورية: – أعرف بأنك تكره الزعيم؛ أحسِدُك لأنك غادرتَ لتُجَاهِرَ بكراهيته. - كيف لعاقلٍ أن يُحِبَ الديكتاتور.. أو يعشقَ القتلة؟!.
وحين جاءها بشطيرة جُبنٍ وفنجان شاي.. قال: – والدتك كانت تُحب الجُبنة البلدية كثيراً. - ثم صارت ترى في ليلها كوابيساً.. بأنّ بلدنا سيصير رماداً؛ كانت تلك النبوءة السوداء.. هي التي أودَت بها.
- كلّ ليالي السوريين.. صارت كوابيس.
فسألته: – متى سنخرج من هذا القبر الواسع.. والمفتوح؟!. - لا مَخرجَ.. إلا بسقوط الديكتاتور.
- وإلى متى سيستمرّ هذا؟!.
- حتى يفقد الصابرون صبرَهُم؛ والصامتون صمتًهُم؛ وينفض الرماديون رمادَهُم عن أرواحهم؛ ويصير التواطؤ عبئاً على المُتواطئين أنفُسِهم؛ وحتى ينهض الجائعون من استكانتهم؛ ويصرخ الناس: لو أن الجوعَ رَجُلٌ.. لقتلناه؛ ويقتنع السوريون جميعُهُم.. بأنه لم يعُد لديهم ما يخسرونه.
تنهدت سُهير.. وهي تتأمله؛ فقال: – دعينا نُغيِر هذا الشَجَن.
لكنها سألته: – ألا تُفكر بالعودة إلى دمشق؟.
هز رأسه بحسرة: – وكيف أعود.. خَونني النظام وصادر بيتي. - ألا تحنّ إلى مدينتك الأولى.. مسقط رأسك ؟!.
- وهذه أيضاً لا أستطيع العودة إليها وهي تحت سيطرة ميليشيا كفّرتني وصادرت بيت عائلتنا؛ يحتله الآن زعيم صغير مع زوجاته الأربع.. وما ملكت يداه.
وحين صمتت.. تأملها وهي تقضم من شطيرة الجبن وترتشف الشاي فسألها: – مازلتِ في الأربعين من عمرك.. فتشي عن رجل مناسب.
تنهدت: – رحل الرجال المحترمون..
فتساءل: – جميعُهُم.. رحلوا؟!.
نظرت في عينيه: – سترحل أنتً أيضاً.. بعد ساعتين.
فهزّ رأسه: – يبدو بأنّ رحلات تغريبتنا لن تتوقف إلا في العربة الأخيرة حين سيصعد ملاكُ الموت ليُفتش بطاقات أعمارنا. - بعيد الشر عنك..
مدت يدها نحوه.. تتلمس أصابعه: – ما رأيك أن نُلغي تذاكرنا؛ أو نُؤجلها على الأقل أسبوعاً؟.
فاجأته بهذا الاقتراح؛ وحين رأت علامات ارتباكه.. ضحكت مثل مُراهقةٍ اكتشفت تبَرعُمَ ثدييها للتو؛ فأردفت: - سنكتشف برلين معاً.. ما رأيك؟.
أردفت: – يحتاج كلانا.. لإجازةٍ من كوابيسنا السورية.
وحين لم يُجِبها.. تابعت: – ولكن.. لن نذهب إلى شارع العرب.
فابتسم: – كيف لعاقلٍ أن يختصرَ عاصمةً في شارع واحد.
وفي الطريق إلى أقرب فندق.. سألها: – كيف خطرت لك هذه الإجازة؟! - هذا بتأثير هرمونات امرأةٍ عانت كثيراً من الوحدة؛ أنت أيضاً وحيد جداً في غربتك؛ أمّا الأصعب فأن تكون وحيداً في بلدك؛ تنتظر براعم الليمون والبرتقال ثم تأتي عاصفةٌ هوجاء فتشلعُهَا عن أغصانها؛ وترميها بعيداً.
فتحت حقيبتها.. أخرجت تذكرة السفر.. مزقتها إلى قطع ناعمة جداً؛ فتحت شبّاك التكسي؛ طارت القطع مثل فراشات ملونة في سماء برلين.
بيزانسون – فرنسا 2024

Social Links: