سورية: مقاربات ورؤى أولية

سورية: مقاربات ورؤى أولية

د جمال الشوفي

فرضية التغيير والتحول الديمقراطي، محتوى الثورة الشعبية سياسيًا ووطنيًا، بمعناها العريض هو التحول إلى دولة وطنية عصرية، عنوانها الجمهورية الثالثة، والتي تعني دولة المواطنة بلا توصيفات قومية أو اشتراكية أو إسلامية وغيرها، هي دولة الحريات والحقوق الدستورية على شاكلة ما ورد في أدبيات العصر الحديث لدى دول ديمقراطية مستقرة تحترم الدستور، وتكفل الحقوق المدنية والدينية والتعبيرية بجذرها الليبرالي الحر، مع حقوق التمثيل والانتخاب السياسي بمحدداتها الديمقراطية العريضة، وليس فقط، بل دولة تحترم كرامة البشر وتلتزم بالشرعة الدولية لحقوق الإنسان، وتسعى للسلم العالمي.
هذا الفرض الضمني الذي راكمته موضوعتي المدنية والمواطنة على الصعيد الثقافي، شكّل دليلًا ورائز عمل للكثير من السياسيين والمفكرين السوريين لاعتقاد سلاسة وسهولة نجاح الثورة -نسبيًا- على الشاكلة التونسية أو المصرية، فكانت المفاجأة الكبرى في سورية، ولربما الكارثة المدقعة بتجلياتها كلّها: نمو في التطرف، واستدعاء لكافة قوى الشر الإرهابي والتطرف الديني والمذهبي، وأيضا تدخل دولي روسي كثيف ومتغول بعد التدخل الإيراني الأول والتركي لاحقًا، بينما العالم الغربي، المفترض أن تحاكي ثورات الربيع العربي ليبراليته في نموه واستقراره، شبه متفرج إن لم يدير اللعبة من بعيد، هذا إن لم يشارك أيضًا فيها بشكل استثماري سيّء!
هنا كان سؤال الصيرورة والإمكان بعيدًا عن الرغبات، بما فيها الوهم وبالضرورة الخذلان، بغية توخي الدقة والموضوعية في التحليل والبحث عن الحقيقة في المبدأ:
إذا كانت ثورات الربيع العربي تنحى منحى الدول القومية الحديثة والعصرية، فأين كانت تلك الدول منها؟

سعت الكثير من الدراسات السياسية والفكرية في البحث بمآلات الربيع العربي عامة، والسوري خاصة من بوابات عدة، كل بوابة تحاول إضاءة نقدية مرة، وتوصيفية في أخرى، وتحليلية أو تفكيكية، وتحاول جميعها تلمس مجريات المرحلة ومساراتها. المرحلة التي تحولت من مسارات ثورات شعبية عارمة وهادرة، والتي كان يمكن لأقلّها في أي من دول العالم المتقدم أن تغير حكومته، وتعيد إنتاج بيئته أو نظامه السياسي من أساسه، إلى جملة من الاستعصاءات والكوارث والتداخلات الإقليمية والدولية.
وحيث يتقصى المجهود الفكري والبحثي التدقيق في مجريات المرحلة إيجابيًا وسلبيًا، انجازاتها وكوارثها ونكباتها، هزائمها وفوراتها، تقدمها وتراجعها.. لكن من الضرورة القول: إن غالبية الجهود تلك تحاول إلقاء الضوء على زاوية من زواياها، غالبًا تغلب زاوية على أخرى، وقلما تبحث في كل المسار وصيرورته وممراته الطوعية منها والإجبارية.
وقبل الخوض في التفسير والتقصي ومحاولة تلمس مفردات التغيير الممكنة في واقع اليوم ولحظة العالم الحالي، من المفيد التذكير، أنه غلبت الرؤى النقدية السياسية/الفكرية على مجريات المرحلة، لاسيّما في المسألة السورية على قراءة أخطائها الجسام وكوارثها ومسبباتها في محطاتها المختلفة من قبيل:

النظام الامني ومسؤولية حلفائه روسيا – ايران

طبيعة سلطة النظام الحاكم المستبد والأمني ومسؤوليته وحلفائه العسكريين الإيرانيين والروس بشكل رئيس في مجريات الحدث.
افتقاد القرار الوطني الداخلي والارتهان للخارج وسطوة حلوله الجزئية بكل صنوف المسألة السورية، معارضة ونظام حكم.

اسلمة وعسكرة الثورة

اعتبار أسلمة الثورة حقيقة مكتملة أدت لتقويضها وتفريغ محتواها المدني والعلماني، في استباق رؤية مشروع وطني لم تكن حوامله كاملة التوصيف، وتنصل القوى العلمانية والمعارضة بصنوفها كلّها من تحمل مسؤولية المسألة وتركاتها أو المشاركة بجزء منها، وتحميل معظمها لموضوعة الأسلمة وفصائلها فقط.
اعتبار عسكرة الثورة سبب لا نتيجة، وعامل رئيس في تقويض سلمية الثورة ومدنيتها، وطول الخلط بينهما، السبب والنتيجة، جعل المسألة النقدية تذهب بلا المرور في طيات الحدث وعبر ذاكرة قصيرة لا تتحمل مسؤولية الربط والتتبع الزمني.
والكثير من الأسباب والتحليلات سواء كانت مفردة أو مرتبطة ببعضها في فقرات، وهنا يقول عبد الرحمن ابن خلدون: “إن الحوادث في عالم الكائنات سواء كانت في الذوات أو من الأفعال البشرية أو الحيوانية، فلابد لها من أسباب متقدمة عليها، بها تقع في مستقر العادة وعنها يتم كونه وكل واحد من هذه الأسباب حادث أيضًا، فلابد له من أسباب أخرى” (ابن خلدون، ص 458).
وعليه كل الموضوعات التي ذهبت لتقصي الأسباب المذكورة جميعها معًا أو فرادى، تناست معضلتي، التأخر التاريخي وعمق تغوله في الذهنية العربية عمومًا، وتغوّل منظومة العولمة العالمية بمصالحها البراغماتية وسباقات الهيمنة وتقاسم النفوذ العالمي “المعوّلم” وعودة الصراع الجيوبوليتيكي على خارطة المنطقة بعمومها، مع افتقار وعجز ظاهر للبعد الكوني في قدرة منظمات حقوق الإنسان والمنظمات الدولية الحقوقية والمدنية في تحقيق خطابها وخطها الفكري والحقوقي عن الانتصار لحقوق الإنسان والشعب بعامةٍ، مكتفية بالتوثيق من دون القدرة على الفعل، كما أشرنا إليه أعلاه.

الثورات الشعبية

الثورات الشعبية الوطنية التي اجتاحت دول المنطقة في دول ما سمي بالجمهوريات ذات النظم الرئاسية والقابلة للتوريث فعلًا، و/أو إمكانًا، تكريسًا لديكتاتورية أوليغاريشية، تضرب على كل أوصال المجتمع بقبضة أمنية عسكرية حديدية، تلك التي أطلق عليها واسيني الأعرج “الجملكيات” في روايته “رمل الماية”، والتي تعني الجمع بين النظام الجمهوري بما يفترضه من أطر محض نظرية حديثة للدولة مع النظام الملكي التوريثي بصيغة تملكيه تعسفية ديكتاتورية، كما حددها خلدون حسن النقيب بالدولة التسلطية في كتابه “الدولة التسلطية في المشرق العربي المعاصر” “التسلطية هي التعبير المعاصر للاستبداد التقليدي، وهي وليدة القرن العشرين، حيث نجح العسكر في تحالفهم مع التكنوقراط في تكوين نخبة حاكمة ومسيطرة على الدولة والاقتصاد والمجتمع” (النقيب، ص 335- 337) .
ثورات الربيع العربي هذه، هدفت في مضمونها المبدئي والأولي وعبر روافعها المتحركة على أكتاف وأحلام الشباب في ساحات التظاهر السلمي، وما تلاه من تبعات جُزاف طوال سنين مضت؛ هدفت الوصول إلى التغيير الوطني، واسترداد الدولة من أنظمة العسكر وحكوماتها الأمنية وليس فقط، بل دخول بوابة العصر والدولة العصرية، دولة الحقوق والمواطنة والعيش الكريم والحر، الذي يحقق لأبناء المجتمع الرفعة والتقدم، بحيث يصبحون كأقرانهم في باقي دول العالم المتقدم أيضًا، وأن تجد لها مكانًا بين الأمم يليق بحضورها التاريخي وبتطلعاتها لمستقبل عصري حديث.
مسارات الثورات هذه وانعطافاتها وتعدد مراحلها وتأخر حسمها السياسي، لا بل استعصائه ومغالبته التعثر والهزيمة، جعلها مجال تأويل وتفنيد متعدد الأوجه، من جلد الذات النفسي والسلوكي، لنقد البنى المجتمعية شكلًا ومضمونًا، لتحميل المسؤوليات الجسام لواقع متخلف ولترهل أمةٍ وعجزها عن المضي في سبل الحضارة والإنسانية، إلى الكثير من طُرف المؤامرة ومشاريع الممانعة والمقاومة الزائفة التي باتت سيمفونية صنوف الموالاة أو المصفقين لسلطات الأنظمة.
وقد يبدو هذا كلّه صحيحًا، منفردًا أو جماعة، ويبدو محطات نقد وتفكيك متعددة سنأتي عليها في موقعها، لكن المسار الأوضح والأعم خاصة في المسألة السورية، في أنها تحولت من موضوعة ثورة سورية محلية لمحط تنازع إقليمي في العام 2013 بتدخل واضح لحزب الله والميليشيات الطائفية الإيرانية، ومن ثم دولي ذو طابع عالمي متداخل منذ التدخل العسكري الروسي في 30/8/2015 على كامل الأرض السورية، وما نتج عنه من كوارث ونكبات كبرى وتعدد في محاور المسألة السورية واستقطابها الإقليمي والدولي؛ يعكس في طياته ملامح أزمة عالمية في قيمها العليا المعلنة من حريات عامة وخاصة سياسية ومدنية، وحقوق وقوانين عامة، خاصةً تلك المتعلقة بحقوق الإنسان وحق التعبير وحق تقرير المصير للشعوب، وفي مرجعياتها المسندة الاقتصادية والعسكرية والسياسية.

حضور الثورة السورية عالميا

الثورة السورية باتت مسألة عالمية فوق سورية، وحضورها السياسي اليوم هو مسألة دولية كبرى كموضوعة صراع بالأدوات بين نظامي العولمة بقطبيّته الأمريكية الوحيدة، والقوة المفرطة الجيوبوليتيكا الروسية العائدة للساحة العالمية بقوة، تتكثف في سورية وعلى حساب شعبها بطرق سياسية معقدة ومتوازية؛ لتقف مواقع جنيف المتعاقبة، خاصة تلك المنبثقة عن مؤتمر جنيف-1 في 30/6/2012 (راجع الملحق الأول المتضمن نص البيان الختامي لـ “مؤتمر جنيف” في 30/6/2016) بمرجعيته الأممية الدولية؛ وموقعة سوتشي بمرجعيته الروسية (راجع الملحق الثاني المتضمن نص البيان الختامي لـما سمي بـ “مؤتمر الحوار الوطني” في سوتشي بدايات العام 2018)؛ وتتحول لمحطة صراع سياسي كبير ينذر شرًا على أي خرق في خطوط التوازن الممكنة بينهما، أو ما أسماه ألكسندر دوغين – المنظر الأكبر للنزعة “الأوراسية” الروسية وصاحب مؤلفات عدة في هذا السياق- توازن الرعب العالمي من خلال خطر الحرب المباشرة بين الدول الكبرى العالمية التي قد تؤدي لحرب نووية تفني الجميع، ما جعل إمكان فرض حلول سياسية ممكنة ما دونه، بواقع كبير من التغوّل في العنف، لاسيّما حينما تتدخل قوة عظمى في منطقة حتى لو لم يرض الطرف الآخر عنه، هذا ما فعلته أمريكيا سابقًا في أفغانستان والعراق وأماكن أخرى عالمية، وتحاوله اليوم روسيا في سورية.
يقول فرانكو موريتي في ديالكتيك الخوف: “هي إنذار بنهاية ثقافة القرن التاسع عشر الثقافية، فلم تكن ولادة أدب الرعب إلّا من رعب مجتمع منقسم، ومن الرغبة في مداواته على وجه التحديد، وهذا هو السبب في أن دراكولا و فرانكنشتين لا يظهران معًا، إلا في حالات استثنائية ونادرة، وإلا لبلغ التهديد والرعب حدًا رهيبًا، فهذا الأدب وقد أحدث الرعب فلابد أيضًا أن يبدده ويحدث السلام”، وعليه هل عودة روسيا البوتينية لموقع الصراع العالمي المباشر، في ظل هيمنة عالمية أحادية القطب وظهورها المجاور لنظام العولمة الاحتكاري في زمن الثورة السورية، يعيد ثقافة الرعب العالمي.. تلك التي سادت في نهايات القرن التاسع عشر، وأدت لحربين عالميتين كارثيتين، تشي اليوم بما يشبه الأمس، ويكرس ثقافة الرعب من جديد بدلًا من ثقافة الحرية والسلام! وهل يستمر السوريون بدفع الثمن الأكبر في ذلك؟ أم ثمة مسارات أخرى ستأخذها إليها الجيوبوليتيكا الروسية الصاعدة في مسارات العولمة والعالم الجديد؟

  • Social Links:

Leave a Reply