د جمال الشوفي
التفرد الأمريكي في النظام العالمي وتقهقر روسيا الدائر في فلكه، والتي جعلتها تسعى بنظريتها الجيوبوليتيكية الرابعة في السياسة كما سنأتي عليه لاحقًا؛ يقود بالضرورة لإلقاء الضوء على الدور الأمريكي في بناء هذه المنظومة العالمية وحيدة القطبية وتمهيدها للأسس الجيوبوليتكية عمليًا قبل روسيا. فمنذ نهاية الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي فرضت الولايات المتحدة الأمريكية شروط اللعبة العالمية وحيدة القطب فيما وصف أعلاه بنظام العولمة الكبير، لتدير دفة العالم بطريقتها الوحيدة وتتراجع روسيا، خليفة الاتحاد السوفييتي السابق، إلى موقع الدائر في فلك النظام العالمي ولكنه الباحث له عن استعادة دوره العالمي من جديد.
ترافقت القطبية الوحيدة العالمية هذه مع ثورة التكنولوجيا العالمية بأبعادها التقنية والثقافية والاقتصادية، فالكون بات قرية كونية صغيرة، وهذا ما انعكس على السياسات العالمية وعلى ادوار الشغل فيها، فهل بقيت روسيا قانعة بدورها الطرفي في المعادلة العالمية؟ وهل تصمت الولايات المتحدة عن استعادة روسيا مكانتها العالمية مجددًا اليوم بعد صعودها الكبير على أثر تدخلها المباشر في المسألة السورية وفرضها شروطها العسكرية والسياسية أم يتم ترويض فورة الدب الروسي في سياق منظومة العولمة ذاتها بعد تغيير قوانينها الداخلية؟ أسئلة أولى ستكون فاتحة فصل جديد قادم في سورية، وفي هذا العمل، في موضوعة الجيوبوليتيك الروسية وأدوار العالم اليوم.
في التاريخ، وبعد إعلان تفكك الاتحاد السوفييتي، وعقب انهيار جدار برلين في 9/11/1989 بدأت منظومة حلف وارسو بالانهيار وانحلال الاتحاد السوفييتي جمهورية تلو الأخرى. وبالضرورة سرعان ما استفردت الولايات المتحدة الأمريكية في إدارة المسألة العالمية مستفيدة من:
- انشغال الروس في لملة جراح تفكك الاتحاد السوفييتي
- د جمال الشوفي
- الخلفية التاريخية للصراع العالمي
- التفرد الأمريكي في النظام العالمي وتقهقر روسيا الدائر في فلكه، والتي جعلتها تسعى بنظريتها الجيوبوليتيكية الرابعة في السياسة كما سنأتي عليه لاحقًا؛ يقود بالضرورة لإلقاء الضوء على الدور الأمريكي في بناء هذه المنظومة العالمية وحيدة القطبية وتمهيدها للأسس الجيوبوليتكية عمليًا قبل روسيا. فمنذ نهاية الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي فرضت الولايات المتحدة الأمريكية شروط اللعبة العالمية وحيدة القطب فيما وصف أعلاه بنظام العولمة الكبير، لتدير دفة العالم بطريقتها الوحيدة وتتراجع روسيا، خليفة الاتحاد السوفييتي السابق، إلى موقع الدائر في فلك النظام العالمي ولكنه الباحث له عن استعادة دوره العالمي من جديد.
- ترافقت القطبية الوحيدة العالمية هذه مع ثورة التكنولوجيا العالمية بأبعادها التقنية والثقافية والاقتصادية، فالكون بات قرية كونية صغيرة، وهذا ما انعكس على السياسات العالمية وعلى ادوار الشغل فيها، فهل بقيت روسيا قانعة بدورها الطرفي في المعادلة العالمية؟ وهل تصمت الولايات المتحدة عن استعادة روسيا مكانتها العالمية مجددًا اليوم بعد صعودها الكبير على أثر تدخلها المباشر في المسألة السورية وفرضها شروطها العسكرية والسياسية أم يتم ترويض فورة الدب الروسي في سياق منظومة العولمة ذاتها بعد تغيير قوانينها الداخلية؟ أسئلة أولى ستكون فاتحة فصل جديد قادم في سورية، وفي هذا العمل، في موضوعة الجيوبوليتيك الروسية وأدوار العالم اليوم.
- في التاريخ، وبعد إعلان تفكك الاتحاد السوفييتي، وعقب انهيار جدار برلين في 9/11/1989 بدأت منظومة حلف وارسو بالانهيار وانحلال الاتحاد السوفييتي جمهورية تلو الأخرى. وبالضرورة سرعان ما استفردت الولايات المتحدة الأمريكية في إدارة المسألة العالمية مستفيدة من:
- انشغال الروس في لملة جراح تفكك الاتحاد السوفييتي اقتصاديا وسياسيا وعسكريا ما أضعف حلف وارسو وروسيا معه أيضًا.
- استثمار فائض القوة العسكرية لديها ولدى حلف الناتو للسيطرة المباشرة على مواقع تقهقر الاتحاد السوفييتي السابق وتحديد جغرافيتها السياسية.
- استثمار التفوق التقني المواكب لثورة الاتصالات والتكنولوجيا.
استفاد حلف الناتو من هذا الفراغ والنزاعات الداخلية التي نشبت في دول هذه المنظومة، لتبادر الولايات المتحدة الأمريكية في الانفراد في إدارة المسألة العالمية وفق سلسلة متتالية من الحروب والعمليات العسكرية المتتالية.. استطاعت القوة العسكرية الأمريكية بتفوقها التقني والاقتصادي إخلاء الروس من مواقع عدة عالمية، مستثمرة نزاعات الدول الضعيفة وحركاتها الداخلية مقدمة عدة مبررات وأسباب معلنة لتلك الحروب كانت تخفي السعي الأمريكي الحثيث والمتسارع لفرض شروطها العالمية في الإدارة والتفرد، فكانت: - بعد الخلاف العراقي الكويتي والذي نجم عنه احتلال العراق للكويت، حشدت الولايات المتحدة الأمريكية تحالفا من 34 دولة، بعد أخذ إذن الأمم المتحدة، وشنت ما سمي بحرب الخليج الثانية على العراق في 17/1/1991 أو ما سمي وقتها عاصفة الصحراء أو حرب تحرير الكويت، والتي أدت إلى انسحاب العراق من الكويت وفرض منطقة حظر جوي عليها حتى عام 2003.
- الحملة الجوية التي قادتها الولايات المتحدة على صرب البوسنة في آب 1995 عقب مذبحة سربرنيتشا والتصفيات العرقية وحرب الإبادة الجماعية وقتها، وكانت البوسنة قد تقدمت بشكوى لمحكمة العدل الدولية، والتي أقرت بأن الحرب ليست دولية ولكن الحكومة الصربية فشلت في منع جرائم الإبادة ومحاسبة قادة القوات الصربية المتورطين فيها بين عامي 1992-1995.
- حملة حلف الناتو العسكرية على يوغوسلافيا سابقا في 24/3/1999 وذلك بعد رفض حكومة يوغسلافيا قوات حفظ السلام الدولية الخارجية لفض النزاع بين حركة تحرير كوسوفو والجيش اليوغسلافي، كان مجلس الأمن قد أصدر قرارًا بحظر بيع الأسلحة للفرق المتحاربة ولم تلتزم به أطراف الصراع: بلغاريا، كوريا الشمالية، بولندا، أوكرانيا، رومانيا وروسيا.
- الحرب على طالبان والقاعدة في أفغانستان في كانون ثاني 2002 وذلك بعد هجمات 11/9/2001 على برج التجارة العالمية في نيويورك، والتي اتهمت القاعدة وأسامة بن لادن بالتخطيط والتنفيذ لها، قادت العمليات الجوية كل من الولايات المتحدة وبريطانيا لما سمي بقوات المساعدة الدولية لإرساء الأمن في أفغانستان (إيساف). حلف الناتو استند في عملياته العسكرية على مرجعية قرارات مجلس الأمن: 1267 و1333 في 1999 و2000 الصادرة بحق حكومة طالبان والمتضمنة عقوبات اقتصادية وتهديدات عسكرية لحث طالبان على تسليم ابن لادن.
- على خلفية تقرير يفيد بامتلاك العراق لأسلحة دمار شامل، والذي اعتذر مؤخرًا عن خطئه توني بلير/وزير خارجية بريطانيا حينها، قادت الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا تحالفًا عسكريًّا في 19/3/2003 لما سمي بحرب الخليج الثالثة أو عملية غزو العراق التي انتهت بإنهاء النظام العراقي والاحتلال الأمريكي المباشر له كما وصفه قرار مجلس الأمن رقم 1483 عام 2003.
- في الثورة الليبية، وبعد قرار مجلس الأمن رقم 1973 في 17/3/2011 المتضمن عقوبات على ليبيا وفرض منطقة حظر جوي عليها تحفظت روسيا عليه، وذلك عقب استخدام القذافي القوة المسلحة بما فيها الطيران ضد الثورة الليبية خاصة في بنغازي، فرضت الولايات المتحدة وحلف الناتو حظرًا جويًا على ليبيا، إلا أنها تراجعت عن قيادة العمليات العسكرية وسلمتها لكل من فرنسا وإيطاليا.
- وبين هذه وتلك عملت الولايات المتحدة منفردة وحلف الناتو من خلفها، في العديد من نقاط التوتر العالمي مستخدمة تفوقها التقني والعسكري الجوي خاصة، كما في الصومال واليمن وغيرها.
بالمقابل روسيا حاولت مرارًا التمسك بمواقع امتدادها السياسي بمواقع عدة خاصة فيما كان يسمى بدول أوروبا الشرقية التي ابتدأت بالانفكاك عنها واحدة تلو الأخرى:
فبعد فشلها في حرب الشيشان الأولى بين عامي 1994 و1996، في حرب خسرت فيها القوات الروسية الكثير وأدت لاستقلال الشيشان كلية عنها وعاصمتها غروزني. إلا أن روسيا عادت في 26/8/1999 واجتاحت الشيشان متهمة لواء خطاب الإسلام بتلقيه التدريب على يد متمردي الشيشان. حينها، وقبل دمار المدن السورية، دمرت مدينة غروزني بنسبة 95% وسوتها أثرًا بعد عين، وصفتها الأمم المتحدة وقتها بأنها المدينة الأكثر دمارا على وجه الأرض، وقبل مدينة هيروشيما اليابانية التي دمرتها القنبلة النووية في الحرب العالمية الثانية. - كما واجتاحت قواتها البرية جورجيا ردًا على هجومها على مقاطعتي أوسيتيا وأبخازيا في 8/8/2008، والتي استمرت لثلاثة أيام أدت لانسحاب القوات الجورجية من أوسيتيا، مع استياء وتحذير عالمي وأوربي من عدم تكافؤ القوة بينهما.
- أتى انفصال شبه جزيرة القرم باستفتاء شعبي بلغ 95% عن كييف عقب الثورة الأوكرانية عام 2014 على بانكوفيتش، في إثر تعليقه توقيع الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، ليقال بعدها من منصبه بتصويت البرلمان في إثر استخدامه القمع الأمني للمتظاهرين، في 2/3/2014 فوض مجلس الاتحاد الروسي بوتين التدخل العسكري في القرم، ما أدى لنشوء أزمة القرم المستمرة لليوم، والتي فرضت في إثره كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي عقوبات اقتصادية على عدد من الشخصيات والمؤسسات الروسية المساهمة بشكل مباشر فيها، كان أهمهم سيرجي شيميزوف رئيس مجموعة روستك المملوكة للحكومة الروسية، و روس اوبورون إكسبورت الروسية المتخصصة ببيع السلاح في روستك، حسب موقع الدفاع والأمن العربي.
في المقارنة بين العمليات العسكرية التي قادتها الولايات المتحدة بين عامي 1990-2011 والروسية، وشكل المفارقة الدولية بين إرساء قواعد النظام العالمي وحيد القطب بقيادة أمريكيا وآليات خرقه بالمقابل الروسية يمكن أن نستخلص: - العمليات العسكرية الأمريكية كانت بمرجعية قرار من مجلس الأمن، وعلى الأقل بتفويض من الأمم المتحدة، ما يبرز الإدارة الأمريكية بفرضها شرعية عالمية على عملياتها تلك، بحيث ترسخ منظومة العولمة وحيدة القطب لا عسكريًا وفقط بل سياسيًا وقانونيًا.
- العمليات العسكرية الروسية، عمليات محدودة من دون أي مرجعية عالمية قانونية، ما أظهر الروس كقوة خارجة عن القانون الدولي تعتمد مفهوم البلطجة العالمية.
- العمليات العسكرية الأمريكية كانت عمليات توسع وهيمنة في مناطق تراجع الاتحاد السوفييتي السابق، بينما الروسية كانت عمليات تعويض ودفاع عن خسارة إستراتيجية لموقعها العالمي.
- ترافقت العمليات العسكرية الأمريكية بعمليات اقتصادية ومالية كرست الهيمنة والتبعية الاقتصادية في نظام العولمة العالمية، كان أوضحها انهيار البورصة العالمية عام 2008، فيما سمي حينها بحرب عالمية ثالثة، والتحكم برفع وخفض أسعار سوق البترول والطاقة العالمي.
- جهدت موسكو لتعويض خسائرها الاقتصادية بالارتباط بأوروبا تقنيًا وتجاريًا، إلا أنها لم تستطع تحقيق ذلك كلية بسبب تدخلها العسكري في قلب أوروبا خاصة بالمسألة الأوكرانية مؤخرًا، وطفو مشكلة خط الغاز الروسي الأوربي بعد المسألة السورية وخطوط نقل الغاز الخليجي والقطري عبرها، ما جعل الأوروبيين حذرين جدًا من جدية التفاهمات الروسية السابقة.
تبدو هذه الاختلافات أنها جذرية بالمطلق، لكنها في العمق هي إرهاصات لظهور الصراع العالمي السوفييتي الأمريكي السابق بين منظومتي الرأسمالية والشيوعية السابقة، وما مسألة حسمه لمصلحة نظام العولمة وحيدة القطب بعد انهيار المنظومة الشيوعية سوى مرحلة مؤقتة، اتفق الكثير من المحللين على عدم إمكانية استمرارها - اقتصاديا وسياسيا وعسكريا ما أضعف حلف وارسو وروسيا معه أيضًا.
- استثمار فائض القوة العسكرية لديها ولدى حلف الناتو للسيطرة المباشرة على مواقع تقهقر الاتحاد السوفييتي السابق وتحديد جغرافيتها السياسية.
- استثمار التفوق التقني المواكب لثورة الاتصالات والتكنولوجيا.
استفاد حلف الناتو من هذا الفراغ والنزاعات الداخلية التي نشبت في دول هذه المنظومة، لتبادر الولايات المتحدة الأمريكية في الانفراد في إدارة المسألة العالمية وفق سلسلة متتالية من الحروب والعمليات العسكرية المتتالية.. استطاعت القوة العسكرية الأمريكية بتفوقها التقني والاقتصادي إخلاء الروس من مواقع عدة عالمية، مستثمرة نزاعات الدول الضعيفة وحركاتها الداخلية مقدمة عدة مبررات وأسباب معلنة لتلك الحروب كانت تخفي السعي الأمريكي الحثيث والمتسارع لفرض شروطها العالمية في الإدارة والتفرد، فكانت: - بعد الخلاف العراقي الكويتي والذي نجم عنه احتلال العراق للكويت، حشدت الولايات المتحدة الأمريكية تحالفا من 34 دولة، بعد أخذ إذن الأمم المتحدة، وشنت ما سمي بحرب الخليج الثانية على العراق في 17/1/1991 أو ما سمي وقتها عاصفة الصحراء أو حرب تحرير الكويت، والتي أدت إلى انسحاب العراق من الكويت وفرض منطقة حظر جوي عليها حتى عام 2003.
- الحملة الجوية التي قادتها الولايات المتحدة على صرب البوسنة في آب 1995 عقب مذبحة سربرنيتشا والتصفيات العرقية وحرب الإبادة الجماعية وقتها، وكانت البوسنة قد تقدمت بشكوى لمحكمة العدل الدولية، والتي أقرت بأن الحرب ليست دولية ولكن الحكومة الصربية فشلت في منع جرائم الإبادة ومحاسبة قادة القوات الصربية المتورطين فيها بين عامي 1992-1995.
- حملة حلف الناتو العسكرية على يوغوسلافيا سابقا في 24/3/1999 وذلك بعد رفض حكومة يوغسلافيا قوات حفظ السلام الدولية الخارجية لفض النزاع بين حركة تحرير كوسوفو والجيش اليوغسلافي، كان مجلس الأمن قد أصدر قرارًا بحظر بيع الأسلحة للفرق المتحاربة ولم تلتزم به أطراف الصراع: بلغاريا، كوريا الشمالية، بولندا، أوكرانيا، رومانيا وروسيا.
- الحرب على طالبان والقاعدة في أفغانستان في كانون ثاني 2002 وذلك بعد هجمات 11/9/2001 على برج التجارة العالمية في نيويورك، والتي اتهمت القاعدة وأسامة بن لادن بالتخطيط والتنفيذ لها، قادت العمليات الجوية كل من الولايات المتحدة وبريطانيا لما سمي بقوات المساعدة الدولية لإرساء الأمن في أفغانستان (إيساف). حلف الناتو استند في عملياته العسكرية على مرجعية قرارات مجلس الأمن: 1267 و1333 في 1999 و2000 الصادرة بحق حكومة طالبان والمتضمنة عقوبات اقتصادية وتهديدات عسكرية لحث طالبان على تسليم ابن لادن.
- على خلفية تقرير يفيد بامتلاك العراق لأسلحة دمار شامل، والذي اعتذر مؤخرًا عن خطئه توني بلير/وزير خارجية بريطانيا حينها، قادت الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا تحالفًا عسكريًّا في 19/3/2003 لما سمي بحرب الخليج الثالثة أو عملية غزو العراق التي انتهت بإنهاء النظام العراقي والاحتلال الأمريكي المباشر له كما وصفه قرار مجلس الأمن رقم 1483 عام 2003.
- في الثورة الليبية، وبعد قرار مجلس الأمن رقم 1973 في 17/3/2011 المتضمن عقوبات على ليبيا وفرض منطقة حظر جوي عليها تحفظت روسيا عليه، وذلك عقب استخدام القذافي القوة المسلحة بما فيها الطيران ضد الثورة الليبية خاصة في بنغازي، فرضت الولايات المتحدة وحلف الناتو حظرًا جويًا على ليبيا، إلا أنها تراجعت عن قيادة العمليات العسكرية وسلمتها لكل من فرنسا وإيطاليا.
- وبين هذه وتلك عملت الولايات المتحدة منفردة وحلف الناتو من خلفها، في العديد من نقاط التوتر العالمي مستخدمة تفوقها التقني والعسكري الجوي خاصة، كما في الصومال واليمن وغيرها.
بالمقابل روسيا حاولت مرارًا التمسك بمواقع امتدادها السياسي بمواقع عدة خاصة فيما كان يسمى بدول أوروبا الشرقية التي ابتدأت بالانفكاك عنها واحدة تلو الأخرى:
فبعد فشلها في حرب الشيشان الأولى بين عامي 1994 و1996، في حرب خسرت فيها القوات الروسية الكثير وأدت لاستقلال الشيشان كلية عنها وعاصمتها غروزني. إلا أن روسيا عادت في 26/8/1999 واجتاحت الشيشان متهمة لواء خطاب الإسلام بتلقيه التدريب على يد متمردي الشيشان. حينها، وقبل دمار المدن السورية، دمرت مدينة غروزني بنسبة 95% وسوتها أثرًا بعد عين، وصفتها الأمم المتحدة وقتها بأنها المدينة الأكثر دمارا على وجه الأرض، وقبل مدينة هيروشيما اليابانية التي دمرتها القنبلة النووية في الحرب العالمية الثانية. - كما واجتاحت قواتها البرية جورجيا ردًا على هجومها على مقاطعتي أوسيتيا وأبخازيا في 8/8/2008، والتي استمرت لثلاثة أيام أدت لانسحاب القوات الجورجية من أوسيتيا، مع استياء وتحذير عالمي وأوربي من عدم تكافؤ القوة بينهما.
- أتى انفصال شبه جزيرة القرم باستفتاء شعبي بلغ 95% عن كييف عقب الثورة الأوكرانية عام 2014 على بانكوفيتش، في إثر تعليقه توقيع الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، ليقال بعدها من منصبه بتصويت البرلمان في إثر استخدامه القمع الأمني للمتظاهرين، في 2/3/2014 فوض مجلس الاتحاد الروسي بوتين التدخل العسكري في القرم، ما أدى لنشوء أزمة القرم المستمرة لليوم، والتي فرضت في إثره كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي عقوبات اقتصادية على عدد من الشخصيات والمؤسسات الروسية المساهمة بشكل مباشر فيها، كان أهمهم سيرجي شيميزوف رئيس مجموعة روستك المملوكة للحكومة الروسية، و روس اوبورون إكسبورت الروسية المتخصصة ببيع السلاح في روستك، حسب موقع الدفاع والأمن العربي.
في المقارنة بين العمليات العسكرية التي قادتها الولايات المتحدة بين عامي 1990-2011 والروسية، وشكل المفارقة الدولية بين إرساء قواعد النظام العالمي وحيد القطب بقيادة أمريكيا وآليات خرقه بالمقابل الروسية يمكن أن نستخلص: - العمليات العسكرية الأمريكية كانت بمرجعية قرار من مجلس الأمن، وعلى الأقل بتفويض من الأمم المتحدة، ما يبرز الإدارة الأمريكية بفرضها شرعية عالمية على عملياتها تلك، بحيث ترسخ منظومة العولمة وحيدة القطب لا عسكريًا وفقط بل سياسيًا وقانونيًا.
- العمليات العسكرية الروسية، عمليات محدودة من دون أي مرجعية عالمية قانونية، ما أظهر الروس كقوة خارجة عن القانون الدولي تعتمد مفهوم البلطجة العالمية.
- العمليات العسكرية الأمريكية كانت عمليات توسع وهيمنة في مناطق تراجع الاتحاد السوفييتي السابق، بينما الروسية كانت عمليات تعويض ودفاع عن خسارة إستراتيجية لموقعها العالمي.
- ترافقت العمليات العسكرية الأمريكية بعمليات اقتصادية ومالية كرست الهيمنة والتبعية الاقتصادية في نظام العولمة العالمية، كان أوضحها انهيار البورصة العالمية عام 2008، فيما سمي حينها بحرب عالمية ثالثة، والتحكم برفع وخفض أسعار سوق البترول والطاقة العالمي.
- جهدت موسكو لتعويض خسائرها الاقتصادية بالارتباط بأوروبا تقنيًا وتجاريًا، إلا أنها لم تستطع تحقيق ذلك كلية بسبب تدخلها العسكري في قلب أوروبا خاصة بالمسألة الأوكرانية مؤخرًا، وطفو مشكلة خط الغاز الروسي الأوربي بعد المسألة السورية وخطوط نقل الغاز الخليجي والقطري عبرها، ما جعل الأوروبيين حذرين جدًا من جدية التفاهمات الروسية السابقة.
تبدو هذه الاختلافات أنها جذرية بالمطلق، لكنها في العمق هي إرهاصات لظهور الصراع العالمي السوفييتي الأمريكي السابق بين منظومتي الرأسمالية والشيوعية السابقة، وما مسألة حسمه لمصلحة نظام العولمة وحيدة القطب بعد انهيار المنظومة الشيوعية سوى مرحلة مؤقتة، اتفق الكثير من المحللين على عدم إمكانية استمرارها

Social Links: