سياسات هيمنة وعوالم متوازية

سياسات هيمنة وعوالم متوازية

د جمال الشوفي

في ملاحظات أولية على التوجه العالمي المعوّلم والانتقال من قطبين عالميين إلى استفراد عالمي للولايات المتحدة الأمريكية على قمة الهرم العالمي في النظام العالمي الجديد فيما سمي بالتحول إلى وحدة عالمية تحت شعار العولمة، أو النظام العالمي الجديد، والتي يمكن تفنيدها منفردة لكنها جميعا مترابطة مع بعضها البعض في سياق تحولات عالمية كبرى وصفها صموئيل هنتنجتون بالتحولات الجوهرية على مستويي الثقافة والحضارة كما العلاقات السياسية الدولية فـ “خلال العقد الماضي “أواخر ثمانينات القرن العشرين” تغيرت السياسة العالمية جوهريًا من ناحيتين: أولًا، أعيد تشكيلها على أساس مسارات ثقافية وحضارية، وثانيًا، تتغير العلاقات الدولية على أساس أن السياسة العالمية تدور حول القوة والصراع”؛ وهذا ما يمكن وضعه وتحديده مبدئيًا بنقاط عدة:
محاولة إرساء ثقافة الديمقراطية الليبرالية بصفتها ثقافة عالمية واحدة، حسبما افترضها فوكوياما فالديمقراطية الليبرالية هي “أرض الميعاد” حسب قوله في نظريته لنهاية التاريخ “وإذ تقترب البشرية من نهاية الألف الثانية بعد الميلاد، نتبين أن الأزمة المزدوجة في الشمولية وفي التخطيط المركزي الاشتراكي لم تترك غير متنافس واحد في حلبة المصارعة، باعتبارها الأيديولوجيا التي يمكن أن يقتنع العالم كله بصلاحيتها ألا وهي الديمقراطية الليبرالية ومبدأ الحرية الفردية وسيادة الشعب” (فوكوياما، ص 54). حيث تمثل الليبرالية الحقوق الثلاث:
الحقوق المدنية الفردية الشخصية والعامة والمكفولة بالقانون والمستقلة عن الحكومة ومركزيتها.
حقوق الاعتقاد والاعتناق الديني وممارسة العبادة والشعائر الدينية في أماكنها.
حق التعبير وإبداء الرأي وممارسة النقد المستقل عن الحكومة بما فيها حق الصحافة، مضافًا لها الديمقراطية المتمثلة بحق الاقتراع العام سياسيًا.
ترسيخ مفهوم الدولة الوطنية بمؤسساتها وقوانينها الوضعية والحقوقية، والتحول معها لترسيخ ثقافة حقوق الإنسان العامة من خلال الشرعة الدولية لحقوق الإنسان بالتشارك مع العديد من المنظمات الدولية في ذات المجال، ومنها على سبيل المثال: (Human Rights Watch “HRW”، منظمة العفو الدولية “AMNESTY”، الأورومتوسطية لحقوق الإنسان “Euromedrights” وغيرها) ومفاهيم وآليات عمل منظمات المجتمع المدني الحكومية منها والمستقلة (Non-Governmental Organization “NGO” )، كما وحرية تداول السلطة وحق الاقتراع العام، ووضع جداول السلامة العالمية لحرية الصحافة وانتهاك حقوق الإنسان وتصنيف الدول في مجالات التعليم والصحة ونزاهة العدالة وغيرها من المفاهيم الإنسانية العامة في كونية ثقافتها العلمية والمعرفية.
الانتقال في سياسات السوق العالمية إلى الشركات العالمية متعددة الجنسيات، على أرضية النيوليبرالية التي أسس لها الاقتصادي الأمريكي، والحاصل على جائزة نوبل، ملتون فريدمان، في شكل وحدات مالية تتجاوز حدود القارات والدول، بما تفرضه من شروط اقتصادية على دول العالم جميعها، ما أسس لاتفاقات حرية التجارة العالمية والجمركية “الجات- GATT”، وفتح الأسواق العالمية للتنافس الحر، وهذا ما ترافق مع التقدم التقني الهائل على أرضية الثورة العالمية في التكنولوجيا والاتصالات، والذي أرست قواعدها الجديدة النيوليبرالية الجديدة والعولمة الناشئة على أرضية اقتصادية مفادها الخمس الثري المتحكم باقتصاد العالم وفق قاعدة مفادها “”ما يفرزه السوق فهو صالح، أما تدخل الدولة فهو طالح”، وهو ما اتخذته الحكومات الغربية منارًا تهتدي بها في سياساتها”؛ ليصبح عدم تدخل الدولة وتحرير التجارة وحرية تنقل رؤوس المال وخصخصة المشروعات والشركات الحكومية، أسلحة استراتيجية في ترسانة الحكومة المُؤمنة بأداء السوق، كما وفي ترسانة المؤسسات والمنظمات الدولية المسيرة من قبل الحكومات والمتمثلة في مجموعة البنك الدولي WBG وصندوق النقد الدولي IMF ومنظمة التجارة العالمية WTO، حسب بيترمارتين ذاته.
العالم الذي استقر لزمن طويل على مثنوية عالمية (مانوية)، على قطبين متنافرين في حرب طويلة باردة يخشى حرب عالمية ثالثة كبرى، حبس أنفاسه حين أرست العولمة عالمًا واحدًا باتت تنظّر له منذ ذلك الوقت حيث تم التحول من إدارة الصراع العالمي جيوبوليتيكيًا بين إمبراطوريات كبرى متنافسة، إلى انفراد قوة عظمى وحيدة به هي الولايات المتحدة الأمريكية.
سارعت الولايات المتحدة الأمريكية لفرض شروطها الدولية على المنظومة العالمية سياسيًا وعسكريًا من خلال حروبها المتتالية في أماكن متعددة من العالم، على شكل تحالف دولي كبير تقوده بنفسها على تركة الاتحاد السوفييتي السابقة (المشار لها أعلاه) ، ولكن هذا لم يجعل العالم أحادي القطب كلية في شقه السياسي والاقتصادي، فإضافة للتفاوت الكبير بين منظومة العالم المتقدم تكنولوجيا وما يسمى بالعالم المتأخر والمستهلك، بقيت هناك أحلاف أخرى تدور في فلك المنظومة ذاتها وتسعى لحجز مكان لها على خارطة العالم، كان أهمها محاولات الاتحاد الأوروبي وصراعها البيني والضمني مع الولايات المتحدة من جهة؛ وروسيا من جهة أخرى، الدولة الوريثة للاتحاد السوفييتي السابق، التي تسعى لاستعادة مكانها بالعالم، ما جعل إمكانية حل المشاكل العالمية بطرق سياسية ودبلوماسية مع استخدام العقوبات الاقتصادية في الترويض والتحكم، بعيدًا عن فكرة الحرب المباشرة، والابتعاد الكلي عن موضوع الصراع العالمي المباشر الذي ينذر بحرب لا تحمد عقباه.
نمو ثورة التكنولوجيا والاتصالات بشكل متصاعد، وما رافقها من قوة الإعلام وهيمنته على وسائل الاتصال، والتي تطورت مع الشبكة العنكبوتية العالمية، وما بات يسمى اليوم بوسائل التواصل الاجتماعية Social Media. هذا النمو الكبير رسخ ما تنبأ به العالم الكندي “مارشال ماكلوهن” مبكرًا في تحول العالم لكون صغير أو قرية كونية الكترونية”Global Village” صغيرة تحاول أن تشكل ثقافة عالمية واحدة ، لكنها لم تستطع أن تحقق ذلك لليوم، وكانت ثورات الربيع العربي والثورة السورية خاصة أكبر محطات هذه الثقافة ووضعها تحت المحك في فشلها باستيعاب ثوراتها في سياق التحرر الوطني وحق تقرير مصير الشعب، والموقف المستثمر في ربيعها دون الوقوف على مصلحة الدولة الوطنية المنشودة فيها. ففي مسألة استخدام السلاح الكيماوي السوري المحرم دوليًا، والذي يعتبر خرقًا واضحًا للقانون الدولي وما تبعه بالصفقة المشبوهة التي أتمها جون كيري، وزير خارجية الولايات المتحدة، وسيرجي لافروف، وزير خارجية روسيا تحت عنوان تسليم ترسانة السلاح الكيماوي السوري مقابل عدم معاقبة نظامه عسكريًا، حسبما زعم باراك أوباما حينها. هذا بينما كان توني بلير، رئيس وزراء بريطانيا أثناء غزو العراق 2003، بعد عدة سنوات من غزوها واحتلالها يعترف ويعتذر بخطأ ما فعلوه أيامها بحجة امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشاملة، وذلك على خلفية تقرير شيلكوت الذي نشر تحت عنوان “The Chilcot report: Iraq’s grim lessons” في 6 تموز/يوليو 2016 الذي جاء فيه “شاركت بريطانيا في الحرب على العراق في عهد حكومة توني بلير العمالية، هذا القرار لم يكن شعبيا ورئيس الوزراء الأسبق متهم بخداع الشعب بتأكيده وجود أسلحة للدمار الشامل، لم يثبت يومًا، لكن السيد بلير كان مستعبَدًا لبرنامج زمني عسكري وضعه جورج دبليو بوش، وللوعد الذي كان رئيس الوزراء قد قطعه له في تموز (يوليو) من ذلك العام بأن “نكون معكم مهما كلف الأمر””، ما يفسر بوضوح لا يقبل التشكيك المصالح العميقة للنظام العالمي في بعده المعوّلم هذا بالتعامل وفق مصالحها وشركاتها الاقتصادية، لا وفق منظور ثقافة عصر الأنوار والدولة الحديثة، وذلك حين يصبح التفوق التقني والعسكري أداة سيطرة وهيمنة وتقويض للدول الوطنية خارج حدودها.
العالم اليوم يسير في مسارات معولمة متوازية، تجافي الحقوق الإنسانية والعصرية التي أرستها ثقافة الليبرالية، والتي نظّر لها مثقفو الحداثة بداية، ومن بعد طورها منظرو النيوليبرالية والعولمة بشكلها الجديد، ليقف العالم على حافة الهاوية والانفجار وتتكثف صراعاته الجيوبوليتكية بشكلها المعوّلم الحديث في سورية، فحيث أن سورية اليوم بالنسبة لروسيا ليست كما العراق بالنسبة لأمريكيا وقوى التحالف ذلك الوقت، وإن كان لروسيا أن تتفرد عسكريًا في سورية لكن الأمن الإقليمي منطقة شرق المتوسط هو موضوع ليس لها التفرد به، ما يعني العودة لطرق تقاسم حصص النفوذ وإدارة اللعبة العالمية من جديد، ليتوجه النظام العالمي حديثًا لنموذج إعادة التقاسم والنفوذ ورسم خطوط اللعبة الدولية بشكل متوازي تجنبًا لخطر المواجهات المباشرة الكارثية الدولية. فبعد لقاء القمة “الترمبوبوتيني” بين دونلاد ترامب، رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، وفلادمير بوتين رئيس روسيا، منتصف حزيران/يوليو 2018 في العاصمة الفنلندية، هيلسينكي، وفق عالم من السياسات المتوازية والدوائر المتقاطعة، وعودة النفوذ والتنافس العالمي بين نديين يستحوذان على القوة العالمية هما الروس والأمريكيان.
ومن المفيد التذكير هنا أن هيلسنكي، العاصمة الفنلندية والتي تعتبر دولة محايدة لم تنتمِ لحلف الناتو أو وارسو سابقًا، كما هي ليست المرة الأولى التي تستضيف بها قمة روسية أمريكية، فكانت في عام 1975 بين جيرالد فورد وبريجينيف أيام الاتحاد السوفييتي، وفي عام 1990 بين جورج بوش الأول وغورباتشوف قبيل انهيار الاتحاد السوفييتي، وآخرها في 1997 بين بوريس يلتسن وبيل كلنتون؛ وأيضًا عرفت هيلسنكي باتفاقيتها المشهورة التي أتت كوثيقة للتعاون بين دول الاتحاد الأوربي بعد مؤتمر 1975 كمؤتمر عام للأمن والتعاون في القارة الأوربية بغية تدارس المشاكل العالمية، وكيفية حلها وترسيخ الأمن والاستقرار العالمي، وإيجاد الطرق لتغيير نوع العلاقات الدولية؛ والتي شارك بصياغتها 35 دولة وقتها لتخفيف وطأة الخلاف بين المعسكرين الشرقي -الاشتراكي والغربي–الرأسمالي، وبحضور كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي وقتها.
وهكذا كانت هيلسينكي أواخر عام 2018، فبعد أن كانت روسيا العدو اللدود للولايات المتحدة، يعترف دونالد ترامب ببوتين بأنه منافس قوي على مستوى العالم، ويعترف بالنفوذ الروسي الكبير العالمي، كما ويبرئه، ترامب لبوتين، ومن خلفه الاستخبارات الروسية من تهمة التلاعب بالانتخابات الأمريكية، الموقف الذي وصف بالمشين من قبل صحافة الولايات المتحدة وإعلامها، حيث اعتبرته خارج عن أعراف الدبلوماسية الأمريكية ويعتبر إهانة للقضاء الأمريكي وأجهزة استخباراته؛ لتترسم معها سياسات أكثر وضوحًا في مسارات العولمة ببعدها الجديد وخطوطها المتوازية تمثلت بوضوح شديد في مسائل الربيع العربي وعودة التنافس الجيوبوليتيكي فيه وعليه وفق مفاعيل وأدوات سياسية متأزمة مرة ومتفقة في أخرى، تتيح إمكانية تمرير الصفقات الدولية وترسيم السياسات المتوازية وتقاسم نفوذه التي مُهد لها طوال الأعوام الفائتة،

  • Social Links:

Leave a Reply