هيفاء الحاج حسين

حين كنت في الجامعة صادقت كل الجنسيات لأنني بطبعي أحبّ الاختلاف، وكان للأفارقة نصيب كبيرٌ منها، أحدهم أذكر من غينيا واسمه “كامارو” يدرس اللغة العربية ويتقنها جيداً، ببشرةٍ كليل مغرق السّواد، وابتسامة تشرق في وجهه كقمرٍ في غاية السحر.
في أحد الأيام حضرت معه فيلماً في سينما الكندي، ثم تجوّلنا في الأسواق، وتحدّثنا، وتناولنا الهمبرغر بكل صفاءٍ لم يعكّره سوى صدمتي بتعاطي الناس معنا، كانت النظرات إلينا مملوءةً بالاستهجان والإدانة، بعضهم أسمعنا كلاماً جارحاً استطاع صديقي أن يتجاهله ويمتصّه إلى أن بلغ السيل الزبى حين تناولني صعلوكٌ عابرٌ بالإساءة والكلام الذي يحطّ من إنسانيتي وأنوثتي، وتهيّأ “كامارو” للانقضاض عليه بقبضته الرّهيبة التي لو كان سدّدها إلى جدار لأوقعه! تدخّلت، وتدخّل بعض الطيبين فكتب للشاب عمرٌ جديد.
“كامارو” هذا كان رقيقَ المعشر، أنيقً الحضور، مثقفاً ومناصراً لكل قضايا الشعوب، ولو كنت أحببته لما تردّدت لحظة بالزواج منه، والاستقرار معه في غينيا، ضاربةً عرض الحائط استنكار الناس وإدانتهم.
لم أعرف عن العنصرية والتمييز بين الناس قبل انتقالي إلى دمشق، واحتكاكي المباشر بالناس الذين يختلفون في المدن الكبرى عنهم في القرى والمدن الصّغيرة، في المدن الكبرى يتوحش الإنسان، ويعادي فطرته، ويشعر بالتفوق من لا شيء، وهذا يسري على ابن القرية الذي ينتقل فجأة للعيش فيها أيضاً.
في لبنان ينعتون السوري بالـ “النوري” مع أنهما لا يختلفان، ذات التخلف عن ركب الحضارة، وذات الموروث الجاهلي، سوى أن اللبناني يستحي اقتناء سيارة موديل قديم بينما السوري يقتنيها بحكم الضرورة، وذاك يدخل في لهجته كلماتٍ فرنسيةٍ وأجنبيةٍ دخيلة بينما السوري حافظ على لهجته الخاصة.
كلاهما لم يرفدا البشرية باختراعٍ ينتشلها من معضلةٍ ما، ككلّ عربي نعيش عالةً على الغرب الذي يجهد بإنجازاتٍ علمية مقابل نفطنا وتسخيرنا كأسواقٍ مستهلكة!
نعيش خارج التاريخ ونتقن فناً وحيداً:
فنّ التلامز الساخر والاقتتال.
يا له من فنٍ وضيع!
Social Links: