لطيفة زهرة المخلوفي
اسهام الكاتبة والناشطة السورية رغدة حسن، في سرديات السجن، كتعبير عن معارضتها للنظام السوري في عهد حافظ الأسد، ثم عهد الأسد الابن. وعبرت عن ذلك من خلال التزامها السياسي ونشاطها النضالي. الذي بدأ في عمر العشرين، عبر حضورها رفقة شقيقاها ورفاقهم في أحد البيوت لفهم وتحليل ما يجري في سوريا، ليطوروا بعدها عملهم إلى توزيع المنشورات المعارضة لنظام الأسد. توسع نشاط المجموعة، وأصبحت تعرف باسم “حزب العمل الشيوعي”.
ردا على مواقفها السياسية ومعارضتها للديكتاتورية، اعتقلت رغدة أول مرة سنة 1992، وجاء اعتقالها ضمن حملة شنها الرئيس حافظ الأسد على أحزاب المعارضة بما فيها حزب العمل الشيوعي. عاشت رغدة حسن تجربة الاعتقال للمرة الثانية عام 2010 على يد قوات النظام السوري، في عهد بشار الأسد. وثقت رغدة ليلة اعتقالها بأسلوب سردي بارع في الوصف وفيما يلي مقطع من هذا الحدث :
“كنت نائمة بغرفتي في بيت مجمع، نعيش به عدد من أفراد حزب العمل، لم نكن نستطيع العيش في بيوت مستقلة بسبب الملاحقة الأمنية والأسماء الحركية، فكنا نعيش كمجموعات. كانت الساعة الثالثة صباحا، وشعرت بشيء بارد على وجهي، فتحت عيني لأرى نحو عشر مسدسات مصوبة نحوي، وفكرت؛ ما الجريمة الشنيعة التي ارتكبتها ليتم انتهاك حرمة غرفتي بهذا الشكل الهمجي؟. يعني بلحظة واحدة يتم استباحة حياتك بأكملها ! طبعا كنا جميعا نعد نفسنا لهذه اللحظة، لم يكن أمرا غير متوقع، لكن لم تكن لدي فكرة أنها ستكون بهذه الصعوبة. أخذوني وأخذوا أحمد، تم دفعنا إلى مكان تحت الأرض، وفور دخولي رأيت أجساداً لرجالٍ عرايا معلقة على الأبواب، وجسدا لامرأة، وفور أن ألقيت نظرة ربطوا عصابة على عيني، وكنت قد خرجت من المنزل مكبلة اليدين والقدمين بالأصفاد، ثم أدخلوني إلى غرفة مغلقة، وتركوني. جلست واسترقت السمع لأصوات التعذيب بالخارج، أناس يصرخون ويتوسلون لإيقاف التعذيب..”
من وحي تجربتها الحياتية، وقناعاتها السياسية خاضت رغدة غمار الكتابة، فنشرت عددا من الكتابات، منها رواية “نجمة الصبح”، وهي بمثابة سيرة ذاتية، كشفت من خلالها مسار حياتها من الطفولة الى المراهقة ثم النضال في صفوف الحزب الشيوعي السوري وصولا الى موضوع إقامتها في مخيم اليرموك ثم اللجوء الاضطراري لفرنسا.
أبدعت رغدة في استثمار تجربة اعتقالها، لتحولها الى نصوص شفافة ودقيقة تختزل من خلالها كل انفعالاتها وأحلامها، وهو ما عبرت عنه في اسهامها الثاني في أدب السجون بعنوان رواية “حيث لا دمشق هناك”.
في أثناء اشتغال رغدة على رواية جديدة، هزم رغدة حسن فترجلت عن صهوة الإبداع والنضال بتاريخ 23 مارس من سنة 2021 بمقر اقامتها بفرنسا.
إن تعقب مسار كتابة رغدة حسن لتجربة نضالها وسجنها وما أعقبه من تهجير قسري، ينقل بشفافية ودقة مرارة واقع مصادرة الحرية. وما تخلفه من ندوب.
كتبت رغدة عن أول تجربة اعتقال قائلة :
“كنا مجموعة من الشباب الحالمين، حين اعتقلنا الأمن السوري في أواسط التسعينيات بسبب نشاطنا السياسي. توقف الزمن في تلك اللحظة، اعتقلوني مع أخواي. لا أستطيع أن أنسى لحظة واحدة ذلك الموت. أنا في زنزانة، وأخي الكبير في زنزانة، وأخي الآخر في زنزانة ثالثة. كنت أموت في كل لحظة حين أسمع أصواتهما. كان جزء أساسي في التعذيب، أن يسمعونا أصوات تعذيب أصدقائنا. وحتما كانوا هم يسمعون أصوات تعذيبي، وفي الاعتقال الثاني صادر الأمن السوري روايتي أيضا، ليكون لديه دليل على نشاطي المعارض، تأخر اصدار روايتي “الأنبياء الجدد” كثيرا، وحين حصلت على الحرية من جديد، عدت لكتابتها ثم أطلقت سراحها”.
قبعت رغدة في سجن “دوما” للنساء خلال فترة الاعتقال الثاني، وتوصلت بخبر اعتقال زوجها وابنها وضياع ابنها الصغير.
وفي سياق حديثها عن الكدمات التي أحدثتها التجربة، استحضرت رغدة العذاب الآخر، ممثلا في رحلة أمها لزيارتهم كل شهر، ةمن سجن “دوما” للنساء بالقرب من دمشق العاصمة، إلى سجن دمشق المركزي، ثم سجن “المزة” في أطراف دمشق.
وفي كل زيارة تتوسل الأم السجانين أن يسجنوها مع أولادها، لكي لا تعود البيت وحيدة فلا تجد بانتظارها سوى أمل تسهر على تربيته.
توثق رغدة هذه العذابات من خلال تذكر حديث أمها في إحدى زيارتها لها حيث خاطبتها قائلة:
“الآن زرت الولد الثاني لي، ولا أعرف إذا كنت سأبقى على قيد الحياة حتى أتمكن من زيارة الولد الثالث”.
“كانت سوريا بلد الممنوعات”، تقول رغدة، وتضيف: “ممنوع حتى الحلم، كنا نحلم بشكل سري بسوريا خالية من القهر. صناعة الوطن كانت تعني لي أن أخرج من تجربة السجن المؤلمة تلك، حتى أستطيع أن أرى الأشياء بمنظور واقعي. ولما كنت أتخلص من نفق الاعتقال السياسي الأول، اعتقلوني للمرة الثانية وكنت أما لطفلين، كان وجود طفلين لي، هو التعذيب الأشد قسوة من كل سياط السجانين”، تقول رغدة. “لم يتعرف ولدي الصغير علي في الزيارة الأولى في السجن، وبقي يسأل طيلة فترة الزيارة: أين أمي؟”.
عبرت رغدة عن مشاركتها السوريين حلمهم من داخل سجنها. حيث كانت تسمع هتافات الناس من خلف جدران المعتقل، وترددها معهم بكل حماس فالشوارع امتلأت بالمحتجين والمحتجات، والحلم بالحرية والكرامة بسوريا لم يعد ممنوعا.
قضت رغدة حياتها وهي تناضل، وتقاوم بعزم قوي لسوريا مشرقة وحرة، وهو ما برز في بوحها بجراح المطاردين داخل أوطانهم و المطرودين خارجها إن هم حلموا بغروب استبدادها واشراق عدالتها.

Social Links: