نور محمد

منذ أكثر من عقد، وسوريا غارقة في دوامة من العنف الذي لم يكن مجرد نتيجة لحربٍ أهلية، بل كان سياسة ممنهجة استخدمها النظام والجماعات المتطرفة لفرض السيطرة عبر تفتيت المجتمع وتغذية الأحقاد الطائفية. اليوم، نشهد تصاعدًا خطيرًا في هذا النهج، خاصة في الساحل السوري وبانياس، حيث يتم استغلال الطائفية كأداة لإعادة ترتيب موازين القوى في ظل الصفقات الدولية والإقليمية، وسط تجاهل تام لإرادة المجتمع السوري.
إن أحد أبرز معالم هذه السياسة كان تنصيب أحمد الشرع (المعروف بأبي محمد الجولاني) نفسه كـ”رئيس أمر واقع”، بمباركة دولية وعربية، في مشهد يكشف كيف يمكن أن يُحوَّل شخص من إرهابي إلى “حمامة سلام” بقرار سياسي، متجاوزًا بذلك كل ما مر به السوريون من دمار ومعاناة. هذا النهج لم يكن جديدًا، بل هو استمرار للعبة القذرة التي تُدار فيها المصائر بعيدًا عن إرادة الشعوب، والتي تهدف إلى فرض سياسة الأمر الواقع على السوريين دون أي اعتبار لمطالبهم أو حقوقهم.
لكن الطائفية ليست مجرد أداة لإعادة ترتيب السلطة، بل هي سلاح يُستخدم ضد الطبقة العاملة والمجتمع بأسره، حيث يُدفع العمال والعاملات إلى أتون المعارك، وتُستغل النساء بأبشع الصور، سواء عبر العنف المباشر كالقتل والاغتصاب، أو من خلال الاستعباد الاقتصادي والاجتماعي، ليصبحن وقودًا لصراعات لا ناقة لهن فيها ولا جمل.
إننا اليوم، لا نواجه فقط خطر استمرار الطائفية داخل سوريا، بل نخشى امتداد هذه الفتنة إلى دول الجوار، حيث يتم تصدير هذا النموذج كأسلوب لإعادة تفكيك المجتمعات وضرب أي إمكانية لقيام حراك تحرري بديل. العراق ولبنان واليمن ليست سوى أمثلة على كيف يمكن للطائفية أن تتحول إلى سرطان ينهش الدول، ويبقيها في حالة دائمة من الفوضى، ليظل الاستبداد والاستغلال الاقتصادي هو الحاكم الفعلي.
إن الخلاص من هذا المصير لا يكون عبر تبديل الطغاة أو استبدال نظام بآخر يحمل نفس الأدوات، بل من خلال تحالف حقيقي بين القوى العمالية، النسوية، وكل الفئات المقهورة، لرفض كل مشاريع الطائفية والاستغلال، وفرض مشروع تحرري قائم على العدالة والمساواة. من يحرر يقرر، ولا يمكن أن يكون هناك تحريرٌ حقيقي في ظل أنظمة صنعت من الطائفية سلاحًا للبقاء.

Social Links: