عندما تُصبح السماء قفصًا

عندما تُصبح السماء قفصًا


فاطمة سليمان محمد

في قلب كل طفل، كان هناك حلمٌ صغير خفياً يحمله في قلبه
ورقةً بيضاء كانت عوالمه،
وألوان الشمع كانت جناحيه،
يرسم عليها وطنًا يَشِعُّ بحياةٍ بلا حروب،
شمسًا تدفئ الأرواح لا تجرحها،
سماءً تظلّ صافية، لا يعكرها غيمٌ ثقيل،
وجبالًا تظلُّ واقفة، لا تُسقطها الرياح.
ذلك كان وطنه…
ليس وطنًا تُحَدّده الحدود، بل وطنًا تُحدّده الأحلام،
وطنٌ لا يسكنه الخوف، ولا تخنقه القيود.
وطنٌ لم يكن على الخريطة، بل كان على ورقة الصغيرة،
مُلَونًا بكل الألوان.
لكن، لم نكن نعلم،
أن تلك الورقة التي كانت مرسومة بالحب،
ستُصبح يوماً ما أكثر من مجرد حلم…
ستُصبح الذكرى الوحيدة التي لا نستطيع أن نمسكها.
أُغلِقَت السماء في وجهنا، وكُتِمَ الصوت في الحلق،
وسُلب منا كل شيء…
حتّى الحلم نفسه.
في وطني، لم تُصادر الكلمات وحسب،
بل اختُطِفَت الطفولة،
وضاعت معها أحلامنا البسيطة.
أُلْغِيَت الأقلام التي كانت تكتب الأمل،
وطُويت تلك الورقة التي كانت مرسومة بوطنٍ هارب،
لم نعد بالإمكان أن نرى شمسًا غير تلك التي في ذاكرته،
ولا سماءً غير تلك التي رآيناها في أعماق الحلم.
لكن، رغم كل شيء،
بقينا نحتفظ بالورقة…
خفية بين جوانب القلب،
محفوظة في خزائن روحٍ مرهقة.
أحيانًا نخرجها في الليل،
نرسم عليها شمسًا ضئيلة…
أو نتركها فارغة،
فقد تاهت ألوانها،
نخاف أن يُمحي منها كل شيء.
وكلما حاولنا أن نحلّق،
نتذكّره السماء…
أنها ليست لنا،
أن الرياح لا تحملنا،
أن حلمنا الكبير كان مجرد بضع خطوطٍ في قلوبنا
التي أصبح من غير الممكن رؤيتها في السماء.
وهكذا…
ظلّ الوطن، كما رآيناه لأول مرة،
حلمًا شفافًا،
لوحةً مرسومة على ورقة،
أمنيةً تعيش في الزمان والمكان،
ولكن دون أن تكتمل.
وطنٌ ليس في الجغرافيا،
بل في الذكريات،
وفي تلك اللحظات التي كانت تحمل في طياتها أملًا لن يُكتب له أن يُعاش.
وربما كان الوطن مجرد تلك الورقة،
التي طُويت مرارًا،
ثم نُسيت في الزمان،
لكنه لم يُنسَ في القلب.
نحن نتذكّر…
نتذكّر أننا يوماً ما،
كنا نحلم بوطنٍ نرسمه،
فنحلق فيه مع الطيور…
نكون فيه أحرارًا…
ولم نكن نعلم
أن أجمل أحلامنا
كانت فقط…
رسمة طفل، لم يُكملها أحد.

  • Social Links:

Leave a Reply