ايمن عبد النور
ترجمة لمقال الواشنطن بوست الذي أثار نقاشات بين السوريين كونه يتحدث عن رفع العقوبات :
ترامب يدرس سحب القوات الأميركية من سوريا في ظل دعم الحلفاء للحكومة الجديدة
بينما يفكّر الرئيس الأميركي دونالد ترامب في سحب القوات الأميركية من سوريا، ويوقف بعض برامج المساعدات الإنسانية للبلاد التي أنهكتها الحرب، يتزايد التوتر بينه وبين الحلفاء في أوروبا والشرق الأوسط الذين بدأوا بدعم الحكومة السورية الجديدة.
تلاشت سريعًا هيمنة إيران وروسيا على ما كان يُعتبر شريكهما الإقليمي الأكثر ولاءً، بعد أن أطاحت قوات بقيادة الرئيس أحمد الشرع – وهو قيادي سابق مرتبط بالقاعدة – بالدكتاتور بشار الأسد في ديسمبر. ورغم أن الشرع هو مجرد زعيم انتقالي رسميًا، إلا أنه مدّ يده إلى الغرب، في خطوة تراها العديد من الدول الحليفة لواشنطن – باستثناء إسرائيل – فرصة لتحقيق مكاسب في منطقة مضطربة.
لكن إدارة ترامب، التي ما زالت تُبقي على العقوبات المفروضة منذ عهد الأسد، لا تزال مترددة.
وقال مسؤول رفيع في الإدارة الأميركية: “ما زلنا نتعامل مع سوريا بحذر كبير”، مضيفًا أن الأمر يتوقف على إثبات الشرع أنه طهّر حكومته من المقاتلين الإسلاميين الأجانب وبقايا تنظيم القاعدة، وأنه قادر على توحيد مكوّنات الشعب السوري.
وأضاف المسؤول: “نحن لا نسعى بالضرورة لإنقاذ سوريا من أجل شعبها”، بل “يهمّنا ألا تعود إيران أو داعش، فهما التهديد الحقيقي للمصالح الأميركية”.
ويرى كثير من الحلفاء والخبراء الإقليميين وأعضاء الكونغرس من كلا الحزبين أن هذا التردد من إدارة ترامب قد يؤدي إلى النتائج التي تحاول تفاديها.
وقال رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، السناتور الجمهوري جيمس ريش، في جلسة استماع في فبراير: “الانخراط المبكر أكثر من اللازم قد يخلق مشكلات أمنية، ولكن الانسحاب أو التردد قد يسمح لروسيا وإيران بالعودة بقوة”.
وأضاف: “الوقت جوهري. الباب مفتوح الآن، لكنه سيُغلق إذا لم نستفد من هذه اللحظة”.
وبعد شهرين، لا تزال الإدارة الأميركية غير قادرة على اتخاذ قرار. وقال دبلوماسي أوروبي: “الأميركيون أوضحوا لنا أنهم للأسف لا يملكون سياسة واضحة تجاه سوريا”.
وفي اجتماع دولي في بروكسل الشهر الماضي، سلّم مسؤول أميركي متوسط المستوى وزير الخارجية السوري الجديد قائمة بـ8 خطوات “لبناء الثقة” يجب أن تتخذها الحكومة السورية للحصول على تخفيف جزئي للعقوبات. وتتضمن القائمة السماح للولايات المتحدة بتنفيذ عمليات مكافحة الإرهاب داخل سوريا ضد أي تهديد تعتبره واشنطن خطرًا على أمنها القومي.
كما تطالب القائمة الحكومة السورية بإصدار إعلان رسمي يمنع جميع الأنشطة السياسية والعسكرية للفصائل الفلسطينية على أراضيها، وترحيل أعضائها لطمأنة إسرائيل.
رغم تفكير الإدارة بسحب معظم القوات الأميركية من سوريا، إلا أن القائمة تطلب أيضًا من دمشق إصدار بيان رسمي يدعم عملية “العزم الصلب” التي تشارك فيها قرابة 2000 جندي أميركي لمحاربة داعش.
ومنذ توليه الرئاسة، نادراً ما تحدث ترامب عن سوريا. وعندما سُئل عن انسحاب القوات، قال إنه “سيقرر ذلك لاحقًا”، وأضاف: “سوريا فوضى، لديهم ما يكفي من المشاكل هناك، ولا يحتاجون لتدخلنا في كل واحدة منها”.
وفي ظل الفوضى الإقليمية، تواصل واشنطن دعم حرب إسرائيل في غزة، وتشن غارات جوية على الحوثيين في اليمن، وتدعم حكومة متزعزعة في لبنان، وتدرس خيارًا عسكريًا ضد إيران.
وبينما لا يُتوقع انسحاب كامل، إلا أن مسؤولًا في البنتاغون قال إن هناك تخطيطًا لتقليص القوات و”إعادة تمركزها”. وأضاف: “هناك تحركات فعلًا، لكنهم لن يعلنوا شيئًا قبل انتهاء مفاوضات إيران”.
ويتوقّع مسؤول أميركي آخر تقليص عدد الجنود إلى “الحد الأدنى”، وربما إلى نقطة تمركز واحدة صغيرة في شمال شرق سوريا.
لكن لم يتضح بعد كيف ستؤثر الأحداث الميدانية على خطط الانسحاب، خاصة مع تصاعد هجمات تنظيم داعش في شرق سوريا، مستغلًا الفراغ الذي خلفه انسحاب روسيا واحتمال مغادرة القوات الأميركية.
ومن أبرز الأهداف المحتملة معسكرات الاحتجاز التي تديرها قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في شمال شرق سوريا، والتي تضم نحو 9,000 مقاتل من داعش و40,000 من أفراد أسرهم. وتعمل قسد بدعم استخباراتي وتسليحي أميركي.
ويعبّر الحلفاء عن قلقهم الأوسع. كثير منهم يشكك في قدرة الشرع على بناء دولة مركزية شاملة وديمقراطية، ويدعون إلى نهج تدريجي لاختبار نوايا الحكومة الجديدة. لكن، كما قال مروان المعشر، نائب رئيس مؤسسة كارنيغي ووزير الخارجية الأردني السابق، “من دون رفع تدريجي للعقوبات، لا يستطيع الشرع تقديم شيء لشعبه”.
وأضاف: “الكهرباء لا تتوفر إلا لبضع ساعات يوميًا… الاقتصاد منهار. ما لم يُرفع جزء من العقوبات، لن يتمكن من تحقيق أي تقدم”.
ورغم أن إدارة بايدن أزالت مكافأة الـ10 ملايين دولار التي كانت معروضة لمن يأتي بمعلومات عن الشرع، إلا أن تصنيف سوريا كـ”دولة راعية للإرهاب” لا يزال قائمًا.
ومع استمرار العقوبات التي تشل جهود دمشق لإنعاش الاقتصاد، تسعى روسيا لاستعادة نفوذها عبر إرسال النفط وغيره من الموارد الأساسية. وحذر السفير الأميركي السابق جيمس جيفري من أن “إيران ستجد طريقها للعودة إلى سوريا إذا لم يتم دعم دمشق من شركاء دوليين”.
ويُنظر إلى سيباستيان غوركا، مدير مكافحة الإرهاب في مجلس الأمن القومي، على أنه من أشد معارضي تقديم أي تنازلات. وقال في مقابلة مع Breitbart: “لا أعتقد أن أحدًا حزن على سقوط نظام الأسد”، لكنه أضاف: “ما لدينا في دمشق الآن ليس ديمقراطيًا جفرسونيًا”.
وأشار غوركا إلى أن الشرع، المعروف سابقًا باسم أبو محمد الجولاني، كان مؤسسًا لجبهة النصرة – وهي مجموعة بدأت كفرع من القاعدة ثم أعلنت انفصالها عنها في 2016. وقال غوركا: “كل ما نعرفه أن هذا الرئيس المؤقت المزعوم قال إن الشريعة الإسلامية ستكون قانون سوريا… لذا لا تزال الشكوك قائمة بشأن الجولاني ونواياه”.
وقد اندلعت أعمال عنف طائفي، أبرزها الشهر الماضي حين هاجم عناصر من الطائفة العلوية الموالية للأسد قوات الحكومة الجديدة على الساحل، فقوبل ذلك برد عنيف من القوات السنية، مما أسفر عن سقوط ضحايا مدنيين كُثر.
وقال مسؤول في الإدارة الأميركية: “نحن نراقب أفعالهم لا أقوالهم”، مشيرًا إلى أن واشنطن ما تزال متشككة في الحكومة السورية الجديدة، التي لا تتضمن تمثيلًا فعليًا للأقليات وتضم مقاتلين أجانب متشددين في مناصب بارزة.
ووصف المسؤول الدستور المؤقت للحكومة بأنه “قانون شريعة ملفوف بشريط أنيق”.
في المقابل، أبدى المبعوث الأميركي للشرق الأوسط ستيف ويتكوف تفاؤلًا أكبر. وقال في مقابلة مع تاكر كارلسون: “الظاهر أن الجولاني تغيّر… الناس يمكن أن يتغيروا”. واقترح أن تطبيع العلاقات مع سوريا قد يكون جزءًا من اتفاق سلام شامل في الشرق الأوسط.
وفي الأثناء، يقترب الحليفان الإقليميان الكبيران للولايات المتحدة – إسرائيل وتركيا – من مواجهة مباشرة، في ظل تنافسهما على كسب دعم ترامب لرؤيتهما المتباينة لمستقبل سوريا.
تركيا ترغب في استقرار حكومة الشرع لعدة أسباب، منها إعادة ملايين اللاجئين، كبح طموحات الأكراد السوريين، تأمين دور إقليمي أكبر، وجذب الاستثمارات.
وقال مسؤول تركي: “حسب ما نعرف، الإدارة الأميركية تدرس البقاء أو الانسحاب من سوريا”. وأضاف أن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أبلغ الأميركيين بأن دمشق، بدعم من تركيا، قادرة على كبح داعش دون الحاجة لقوات قسد الكردية المسلحة.
في المقابل، ترى إسرائيل أن الشرع متشدد إسلامي متنكر، وتفضل وجود سوريا ضعيفة وغير مركزية على حدودها. وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في لقائه مع ترامب الأسبوع الماضي: “لا نريد أن تُستخدم سوريا كقاعدة للهجوم على إسرائيل – من أي طرف، حتى تركيا”.
ومنذ سقوط الأسد، بدأت إسرائيل قصف مواقع عسكرية مهجورة، كان آخرها قاعدة جوية في تدمر تنظر إليها تركيا كهدف استراتيجي. كما دخلت القوات الإسرائيلية عدة كيلومترات داخل سوريا وعرضت حوافز مالية على الطائفة الدرزية والأقليات لمقاومة الحكومة الجديدة.
وخلال لقائه بنتنياهو في البيت الأبيض، قال ترامب: “أنا أحب أردوغان، وهو يحبني”. وأضاف: “أي مشكلة مع تركيا أعتقد يمكنني حلها، طالما أنتم منطقيون”.

Social Links: