عابرون في الزمن: بين الرجولة والخيبة، حين يتصدع الحاجز”

عابرون في الزمن: بين الرجولة والخيبة، حين يتصدع الحاجز”

فاطمة سليمان


في لحظة تاريخية غير مسبوقة، عبر عشرات من رجال الدين الدروز من سوريا إلى إسرائيل، في خطوةٍ تحمل أكثر من مجرد معنى ديني. إنها لحظة يتداخل فيها الواقع بالخيال، ويُطرح فيها سؤال عميق: هل يتغير الزمن فعلاً؟ أم أن البعض يمشي في الطريق ذاته، مكررا أخطاء الماضي؟ هذا العبور، الذي لم يكن مجرد خطوة جغرافية، بل كان امتحانًا للهوية والرجولة، يفتح أبوابًا للتساؤل حول مدى ثبات المبادئ في عالمٍ تزداد فيه الضبابية. إذا كان التاريخ لا ينسى، فهل العابرون يدركون تمامًا ما تركوه وراءهم، أم أن المعابر هي التي تغيرهم؟
في أرضٍ يقف فيها الزمان مشدودًا بين ماضٍ يرفض الرحيل ومستقبلٍ متردد في المجيء، تجلّى المشهد كأنه جزءٌ من حكاية لم تكتمل بعد. رجالٌ في عباءاتٍ متشحةٍ بألوان التاريخ، يعبرون طريقًا ظل مغلقًا لعقود، كأن الريح همست لهم أن الوقت قد حان، أو ربما كانت يدٌ خفيةٌ تكتب سطورًا جديدةً على صفحةٍ لم تكن بيضاء يومًا.
كانوا يسيرون كما يسير الحلم بين النوم والصحو، خطواتهم تُثير غبار الأزمنة، والأرض تحت أقدامهم تتساءل إن كانت تبارك هذا العبور أم تلعنه. ليس كل من يعبر بابًا يجد نفسه في الجهة الأخرى كما كان، فبعض الأبواب لا تفتح إلا لمن نسي طريق العودة.
لم يكن الأمر مجرد عبورٍ لجغرافيا صامتة، بل اختبارٌ لذاكرة المكان، اختبارٌ للروح إن كانت ستظل صافية أم ستعكس وجوهًا لم تكن فيها من قبل. قال البعض إنها زيارة، لكن الزيارات لا تحتاج إلى ضوء أخضرٍ من أولئك الذين يتقنون فن اللعب بالخيوط. منذ متى كان الروحاني يحتاج إلى تصريحٍ ليعبر حيث يريد؟ أم أن في الأمر سحرًا آخر، حيث تُحاك القصص على مقاس الحاضر، بينما الحقيقة تُخبّأ في زاويةٍ لا يصلها النور؟
منذ خمسين عامًا، كان الطريق مسدودًا، ليس لأن الأقدام لم تجرؤ، ولكن لأن الزمن لم يشأ أن يعيد ترتيب فصوله. واليوم، يُفتح المعبر، لا لأن الأرض اشتاقت لمن عبر، بل لأن هناك من قرر أن الوقت مناسبٌ لإعادة رسم الخطوط. ليس السؤال كيف عبروا، بل لماذا الآن؟ ومن الذي همس في آذانهم أن يعبروا؟
على ربوةٍ بعيدة، يجلس التاريخ كما يجلس العرّاف العجوز، يراقب هذا المشهد بعينٍ نصف مغلقة، وكأنه رأى هذا الحدث من قبل، أو ربما سمع صداه في حكايات الزمن الغابر. يبتسم مرة، ليس لأن المشهد يُعجبه، ولكن لأن البشر لا يتعلمون، لأنهم يظنون أن الماضي لا يُراقبهم، وأن الزمن لا يترك علاماته في قلوب العابرين. لكن الرمال تعرف، والريح تنقل الأسرار لمن يُجيد الإصغاء، والأبواب التي تُفتح بلا ثمن، نادرًا ما تكون أبوابًا نحو الحرية.
في النهاية، العبور ليس مجرد فعل، بل اختبارٌ للروح. هناك من يعبر ليعود كما كان، وهناك من يعبر ليكتشف أنه لم يعد كما ظن نفسه. وربما، في مكانٍ ما، يجلس التاريخ على ربوةٍ عالية، يراقب بصمت، يبتسم مرة، ويشيح بوجهه مراتٍ كثيرة، منتظرًا اللحظة التي يُكشف فيها المستور.

  • Social Links:

Leave a Reply