القضايا السياسية وموقف الحزب

القضايا السياسية وموقف الحزب

الامين العام لحزب اليسار الديموقراطي السوري

د سلامة درويش

انعقد اجتماع اللجنة المركزية الخميس تاريخ 19/6/2025 وقدم الامين العام للحزب د سلامة درويش موقف الحزب من اغلب القضايا التي تمر بها سوريا

تمر منطقتنا اليوم في ظل صراع إقليمي محتدم بين قوى المصالح وجنون السيطرة، وتحديداً بين اليمين الإسرائيلي المتطرف ونظام ملالي طهران الذي أوغل في الدم السوري على مدى أربعة عشر عاماً من القتل والتهجير. هذا الصراع، رغم ضرباته العسكرية المتبادلة، لن يحقق الاستقرار، بل يهدد بتأخير إنتاج السلاح النووي مؤقتاً في أحسن الأحوال. إنه صراع عض أصابع، يسعى فيه الطرفان إلى وقف الصواريخ والعودة للمفاوضات. نرى أن إيران ستكون الخاسر الأكبر إذا ما أدت المفاوضات إلى استسلامها والتخلي عن برنامجها النووي وصواريخها البالستية، مما سيكشف زيف الملالي ويقوض سلطتهم أمام الشعب الإيراني. من جانبها، لا تستطيع إسرائيل الاستمرار بحرب طويلة الأمد، خاصة مع وصول الصواريخ إلى قلبها، مما يهدد اقتصادها وبنيتها التحتية. إذا طالت الحرب، ستشهد إسرائيل تمرداً داخلياً ضد السلطة اليمينية الحالية. يسعى نتنياهو إلى جر الولايات المتحدة إلى هذا الصراع لعدم امتلاكه أسلحة نوعية تخترق التحصينات النووية الإيرانية، طمعاً في تحقيق نصر بتدمير السلاح النووي الإيراني.

  1. موقفنا:
    نحن في حزب اليسار الديمقراطي السوري نرفض الحروب والعدوان بكل أشكالهما. نؤمن بأن السلام والاستقرار هما الركيزتان الأساسيتان لمستقبل شعوب المنطقة، ولا يمكن تحقيقهما على حساب أمن وسيادة الدول والتدخل في شؤونها الداخلية. إن توسع هذا الصراع سيؤثر سلباً على المنطقة بأسرها، ويؤدي إلى اصطفافات مدمرة لشعوبها. سوريا، التي تسعى لترميم جراحها وإنعاش اقتصادها، ستكون المتضرر الأكبر من امتداد الصراع إليها، مما سيوقف الاستثمار ويبعد الشركات الكبرى، ويزيد من التحشيد الطائفي ويزعزع استقرار البلاد، خاصة عبر أذرع إيران. لذلك، على السلطة الحالية الابتعاد عن سياسة المحاور للحفاظ على سوريا في بر الأمان.
  2. المرحلة الانتقالية والسلم الأهلي:
    على الصعيد السياسي السوري، نؤكد مجدداً على الأهمية القصوى للمرحلة الانتقالية، وأنه لا سلم أهلي بدون عدالة انتقالية. ما يدور في المؤتمرات الصحفية للجنة السلم الأهلي، التي تضم في صفوفها مجرمين من النظام البائد الذين أوغلوا في الدم السوري، إلى جانب إطلاق سراح آخرين من السجون دون محاسبة بحجة عدم توفر الأدلة أو لغرض المضي بـ “المصالحة والسلم الأهلي”، قد أدى إلى غضب شعبي عارم. هذا الغضب نابع من خوف أهالي الضحايا والشهداء من عدم محاسبة من قتل وغيب أبناءهم، مما دفع لخروج مظاهرات شعبية بشعار “ياللعار الشبيحة صاروا ثوار”. وقد لاحظنا ازدياد أعداد القتلى من المحسوبين على النظام البائد على يد أهالي الشهداء والمكلومين. نؤكد أن هذه القضايا لن تسقط بالتقادم، ولا يمكن لأحد أن يمنح صك الغفران لقاتل على حساب الضحايا، سواء بعفو عام أو غيره. يجب أن تكون هناك محاسبة قانونية عادلة، وجبر للضرر، وتعويض للضحايا، واعتراف بتجريم الفترة التي حكم بها آل الأسد سوريا.
  3. إسقاط العقوبات عن سوريا:
    يجب الاستفادة من الانفتاح العالمي على سوريا الجديدة بعد إسقاط العقوبات الأمريكية عنها، مؤكدين أن هذا الانفتاح هو استحقاق سوري ناتج عن أربعة عشر عاماً من تضحيات الشعب السوري ضد أعظم نظام مجرم في العصر الحديث. ومع ذلك، نؤكد أن هذه العلاقات والانفتاح الدولي لا يهدفان إلى إقامة مجتمع ديمقراطي أو مطالبة النظام الحالي بتطبيق الديمقراطية، بل هي داعمة لنظام لا يختلف عن أنظمة وحكومات دول المنطقة التي تتصف بالفساد، الفردية، والاستبداد. إن القيادة الحالية للدولة تخشى الديمقراطية، وتعين إداراتها من لون واحد، مشترطة شهادة الدورات الشرعية بدلاً من الكفاءة والاختصاصات المتعددة والأهلية الإدارية والوطنية. نؤكد أن بناء الدولة يتم بالتشاركية وخبرات الكفاءات الوطنية، لا بتكرار تجربة البعث والسلطة البائدة. للأسف، تستولي الهيئة السياسية التي حلت محل حزب البعث، والمكتب السياسي لهيئة تحرير الشام (الحزب القائد)، على كل أملاك وعقارات حزب البعث، وهي أملاك للدولة ومن حق الشعب السوري، وليست لحزب أو فصيل. هذا الاستيلاء يشكل خطراً على الوحدة الوطنية ووحدة الأراضي السورية، ويقوض أهداف الثورة السورية ويلتف على مبادئها التي قامت من أجلها: الكرامة وبناء الدولة الديمقراطية.”
  4. الثورة والمواطنة والمحاسبة التشريعية:
    نؤكد أن الطريق ما زال في بدايته بعد إسقاط النظام المجرم، ويجب أن نسقط معه التوحش الديني المتطرف والقومي المتعصب. نحن بحاجة إلى دولة المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، وفصل السلطات، وحرية الصحافة، ومراقبة أداء السلطة التنفيذية، والالتزام الكامل بجميع المواثيق الأممية المتعلقة بحقوق الإنسان، وتجريم أي طرح طائفي أو قومي، أو القتل خارج القانون. المطلب الأساسي للسوريين اليوم هو تحقيق الأمن والسلام الداخلي، وسد رمق العيش، وتجاوز خط الفقر، إلى جانب وقف كل أشكال القتل والانتقام والثأر. هذا الثأر نتج عن عجز الإدارة الحالية عن تحقيق العدالة الانتقالية، وعن سياسة العفو عن كبار المجرمين بحق الشعب السوري وإشراكهم في السلطة الحالية، وتعيين قسم كبير من “الشبيحة” كعناصر في الأمن العام. هذا يشكل خطراً حقيقياً على السلم الأهلي، ويدفع سوريا نحو وضع خطير، حيث تصبح البيئة الداخلية خصبة لتشكيل عصابات خارجة عن القانون يصعب السيطرة عليها.
  5. الابتعاد عن سياسة اللون الواحد وتحقيق حياة دستورية حقيقية:
    يتطلب هذا الموقف وقفة جادة ضد سياسة الإدارة الجديدة التي تعتمد “اللون الواحد” في إدارة الدولة. إن الخلاص الوطني يكمن في تشكيل حكومة وطنية جامعة لكل السوريين، وانتخاب هيئة دستورية من ذوي الكفاءة والاختصاص لوضع دستور دائم للبلاد، ومعالجة السقطات التي نص عليها الإعلان الدستوري. يجب ألا تطول الفترة الانتقالية أكثر من ثلاث سنوات لفتح الطريق أمام الديمقراطية الحقيقية. مع مراعاة التنوع العرقي والديني والثقافي والسياسي للمجتمع السوري، بما يضمن حياة دستورية حقيقية وتطبيق مبدأ العدالة الاجتماعية وتوزيع الثروة.
  6. العدالة ورفض الوجود الأجنبي على الأرض السورية في بنية الدولة:
    نؤكد على موقفنا الدائم بضرورة العدالة الانتقالية ومحاسبة المجرمين والقتلة من أي طرفٍ كان. كما نؤكد رفضنا القاطع لوجود أي قوى عسكرية أو عناصر أجنبية على الأراضي السورية، بمن فيهم المقاتلون الأجانب في هيئة تحرير الشام أو مقاتلو “PKK” على التراب السوري، خاصة بعد الدعوة لتجنيسهم، مما يشكل خطراً جسيماً على النسيج الاجتماعي مستقبلاً. كان الأجدر بالسلطة الحالية دعوة الضباط المنشقين للمشاركة في بناء جيش وطني حقيقي في ظل دولة المواطنة والقانون التي تحمي كل أطياف الشعب السوري.
  7. مجلس الشعب وتكدس السلطات بيد الرئيس:
    نشير إلى أن طريقة تشكيل لجنة اختيار أعضاء مجلس الشعب، وابتعادها عن السبل الديمقراطية، سينتج عنها مجلس تشريعي أعرج، عاجز عن محاسبة السلطة التنفيذية، وخاضع لولاءات اللجنة المشكّلة والولاءات السياسية لهيئة تحرير الشام. هذا يؤدي إلى إقصاء القوى السياسية الثورية التي دفعت الأثمان في الثورة السورية، وصاحبة المصلحة الوطنية الكبرى، ويقزم التعددية والتشاركية في صنع مستقبل سوريا الديمقراطي. لا بد أن نتساءل عن المقصود بفئتي “الأعيان والمثقفين” التي نص عليها المرسوم الرئاسي، وما هي صلاحياتهما ومن يمثلان؟ هذا يدفعنا للشكوك حول طبيعة المجلس، وبأننا ذاهبون لاستنساخ التجربة الاستبدادية السابقة. كما نتساءل عن عدم تحديد فترة زمنية للدعوة لتشكيل مجلس شعب على مقاسهم، وغياب الشفافية في التعيين، وعدم إشراك القوى ذات المصلحة الوطنية. كل هذا يجعلنا نتساءل: إلى أين تتجه سوريا؟ يجب أن يمثل المجلس التشريعي كل القوى وجميع أطياف الشعب السوري الإثنية والقومية ومنظمات المجتمع المدني. كما لا بد أن نشير إلى تمركز جميع المهام الرئاسية والتنفيذية وثلث أعضاء مجلس الشعب بيد الرئيس، دون محاسبة أو رقيب، مما يؤدي إلى حكم فردي يمهد للاستبداد. هذا ما نرفضه ونقف ضده، فالشعب الذي قدم مليون شهيد على مذبح الحرية لن يستبدل مستبداً بآخر، حتى لو كان بلون أو نكهة مختلفة، فذلك قد يولد حقبة سوداء أسوأ مما خلفه النظام البائد.
  8. الفيدرالية واللامركزية:
    نؤكد رفضنا لكل ما يطرح من فيدرالية أو لامركزية سياسية التي تعتبر البداية الحقيقية لتقسيم سوريا. ونؤكد على موقفنا الثابت حول اللامركزية الإدارية بصلاحيات واسعة للمحافظات، وأن يوزع الدخل حسب عدد السكان والحاجات التي تحددها لجان المحافظات لبناء بنيتها التحتية. يجب أن تجرى انتخابات ديمقراطية في كل البلدات والمدن لتشكيل مجالسها التي تمثل الشعب، ويمكن أن ينتخب من مجالس المحافظات من يمثلها في الفترة الاستثنائية الحالية لتمثيل مجلس النواب، إلى حين إصدار قانون الانتخابات العامة لمجلس الشعب والانتقال للحياة الدستورية الحقيقية التي تتسم بدستور دائم مع فصل السلطات وإيجاد رقابة على عملها.
  9. دعم العمال وذوي الدخل المحدود:
    لا بد أن نشير إلى موقفنا الداعم للطبقة العاملة وذوي الدخل المحدود والفئات المهمشة، بأن نبقى صوتهم والمدافع الحقيقي عن حقوقهم. سنرفع صوتنا لإعادة جميع الموظفين الذين تم فصلهم تعسفياً، سواء في نظام الاستبداد البائد أم في السلطة الحالية. نطالب الجميع بالضغط من أجل دفع كافة المستحقات المالية والمعنوية للمفصولين تعسفياً، والتوقف الفوري عن بيع القطاع العام المنتج. كما نطالب بالإسراع في تشكيل نقابات عمالية حقيقية منتخبة ديمقراطياً، قادرة على صون حقوق العمال والقطاعات الأخرى. فالعمال هم الأصحاب الحقيقيون للمصانع المراد بيعها، وهم قادة التنمية القادمة لسوريا عند البدء بعمليات إعادة الإعمار وبناء مؤسسات الدولة.
  10. الدعوة لمؤتمر وطني جامع:
    نؤكد على موقفنا الثابت بالدعوة إلى مؤتمر وطني عام يضم كل القوى الوطنية والديمقراطية، ومنظمات المجتمع المدني، والمنظمات النسوية والشبابية، بعيداً عن الوصايا السياسية من السلطة الحالية. هذا المؤتمر يجب أن يناقش القضايا المهمة لبناء الدولة، ويحدد مدة الفترة الانتقالية، ويعيد التوافق على إعلان دستوري جديد أو إصلاح السقطات في الإعلان الدستوري الحالي، ويؤكد على تنظيم الحياة السياسية وحرية تشكيل الأحزاب ضمن الإطار الوطني، وأن تكون قراراته ملزمة للسلطة وإداراتها الحالية.
  11. ونؤكد على ما يلي:
    ركائز البناء الديمقراطي
    :
    الهيئة المستقلة للعدالة الانتقالية: يجب أن تكون منتخبة، تمثل أوسع طيف من المجتمع السوري، وتتكون من الحقوقيين والمختصين وممثلي المجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان، بعيداً عن الولاءات الأيديولوجية والسياسية. مع التأكيد على الشفافية والدعوة للمكاشفة العلنية عبر وسائل الإعلام أثناء التحقيقات مع مجرمي الحرب. ونتساءل هنا عن مصير لجنة التحقيق في أحداث الساحل الدامية: أين أصبحت؟ وماذا حل بها؟ وهل ستظهر الحقيقة بشفافية كاملة أمام الإعلام والشعب السوري الذي من حقه معرفة الحقيقة، أم أنها ستولد ميتة كـلجان النظام البائد؟
    الشفافية في العقود: الإعلان عن العقود والاتفاقيات مع الدول والشركات الأجنبية، وخاصة في مشاريع إعادة الإعمار، مع إعطاء الأولوية والحصة الكبرى للشركات والعمالة الوطنية.
    دستور عصري ودولة قانون: إقرار خطوات تنفيذية لبناء دولة العدالة والديمقراطية التي يتساوى فيها الجميع أمام القانون. يتطلب بناء الدولة الحديثة دستوراً عصرياً يضمن المساواة، والديمقراطية، وتداول السلطة، ويؤمن بالعدالة الاجتماعية، والحق في التظاهر والاجتماعات، وحرية الرأي والصحافة.
    تشريع الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني: إقرار تشريع قانوني لتشكيل الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني، وانتخاب ممثلي النقابات والهيئات الحكومية، والابتعاد عن فرض تشكيلات من لون واحد تابع لهيئة تحرير الشام أو مرضى عنهم. مع عدم إشراك المجرمين والخارجين عن القانون في إدارات الدولة؛ فالمجرمون مكانهم السجون.
    دعم الاقتصاد الوطني: الحفاظ على القطاع العام، ودعم القطاع المشترك والخاص المنتج الذي ينشط الاقتصاد ويحقق استقرار صرف الليرة، ودعم البرجوازية المتوسطة التي تعتبر صمام الأمان للاستقرار السياسي.
    حقوق الإنسان: التأكيد على مبدأ حقوق الإنسان بما يتوافق مع مواثيق الأمم المتحدة التي نصت عليها الهيئة العامة لحقوق الإنسان ووقعت عليها سوريا، وإنه لا سلم أهلي بدون عدالة انتقالية.
  12. فوضى السلاح:
    لا بد أن نؤكد على فوضى السلاح والتشكيلات العسكرية من خارج الأطر النظامية للقوات المسلحة، والتي تشكل خطراً على السلم الأهلي، وتضعف الدولة، وتشرذم مقدراتها، وتبعد أدوات الاستثمار في البنية الاقتصادية للبلد (فلا استثمار في بلد تعيث فيه عصابات خارجة عن القانون وعن إدارة الدولة).
    لذلك، يجب تنفيذ برنامج وطني لنزع السلاح من الجميع: أفراداً، مجموعات، ومرتزقة، وإعادة إدماج العناصر المؤهلة منهم ضمن المؤسسات الرسمية. ونخص بالذكر تشكيلات فصائل وميليشيات الجنوب وميليشيا قسد، التي تشكل خطراً على وحدة الوطن والشعب. وهذا يتطلب قرارات شجاعة من أجل وحدة الوطن والشعب.
    لا بد هنا من ضرورة إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية والأمنية على أسس وطنية، وأن تضم في صفوفها كل أطياف الطيف السوري الوطني لا الشرعي، وبعيدة عن الأيديولوجيا أو القومية أو الدين. بل يجب أن تحمي جميع السوريين دون تمييز، وتتمتع بالشفافية والاستقلال عن الولاءات الضيقة، وتكون عقيدتها وطنية فقط.

  • Social Links:

Leave a Reply