<strong>عندما تتحدث المرأة</strong>

عندما تتحدث المرأة

زكي الدروبي


تربيت في بيئة تعتبر أن احترام المرأة قيمة لا يمكن المساومة عليها، وكنا وما زلنا نربي أولادنا على غض النظر، وعلى منح المرأة شعورا بالطمأنينة في الأماكن العامة، فنضع أيدينا وراء ظهورنا كي نمنح المرأة شعورا بالأمان. وعندما تتكلم المرأة نصغي لها، ونناقشها في رأيها، ولا نرد عليها بشخصها ونشتم ونهدد، وهذه أخلاق الثورة والسوريين.
خلال الأيام القليلة الماضية، شهدنا واحدة من حملات التنمر البشعة ضد صبية سورية، لأنها كانت شجاعة لتنتقد خطاب الرئيس عن النساء. لقد قالت بجرأة: نحن لسنا فقط “أمهات” و”زوجات” و”كتل مشاعر” تنقل الزريعة، ” نحنا كائنات سياسية ومواطنات كاملات الأهلية”.
وما هي النتيجة؟
تم شتمها بأقذر الكلمات، واتهمت بأبشع التهم، وطبعا، عزفت الفرقة أيضاً، على نغمات “الطائفية”، و”التخوين”، و”العمالة”، و”التحريض” وكأن التعبير عن الرأي جريمة؟!، ألم تكن الثورة تطالب بالحرية؟! ألم يكن نظام الأسد المجرم يقمع الحرية، ويسجن كل من يقول رأياً خارجاً عن منظومته؟
إن كنت ناسي أفكرك
مئات الآلاف من المغيبين في سجون الأسد الأب والابن لأنهم أبدوا رأيهم فقط، القانون رقم 40 يحكم بالإعدام لمجرد الانتماء إلى حركة الإخوان المسلمين، فقط الانتماء، بغض النظر عن اختلافي الأيديولوجي والثوري معهم.
في آب عام 2001، وبعدما يقارب من سبعة أشهر على خطاب القسم لبشار الأسد، والذي تعهد به بالعمل على التغيير وإطلاق الحريات وإيقاف العمل بالقوانين الاستثنائية وقانون الطوارئ، بدأت حملة أمنية اعتقل فيها عدد من المثقفين السوريين وأودعوا السجن منهم النائبان في مجلس الشعب مأمون الحمصي، ورياض سيف، ومنهم الدكتور عارف دليلة الاقتصادي السوري وقد حكم عليه لمدة عشر سنوات من محكمة أمن الدولة، وكذلك ألقي القبض على المناضل الوطني رياض الترك (حكم عليه بالسجن سنتين ونصف/أمن الدولة) وحسن السعدون (حكم عليه بالسجن سنتين/أمن الدولة) و حبيب صالح (حكم عليه بالسجن ثلاث سنوات/أمن الدولة) وكمال اللبواني (حكم عليه بالسجن ثلاث سنوات/أمن الدولة)، والمحامي حبيب عيسى (حكم بالسجن خمس سنوات/أمن الدولة) وفواز تللو (حكم بالسجن خمس سنوات/أمن الدولة) ووليد البني (حكم بالسجن خمس سنوات/أمن الدولة) وغيرهم، بسبب آرائهم وانتقاداتهم للحكومة.
وفي عام 2008 أبدى عدد من المثقفين السوريين رأيهم بالعلاقات السورية اللبنانية، وطالبوا بتصحيحها وتبادل السفارات بين البلدين، فحكم على ميشيل كيلو بثلاث سنوات سجن بتهمة إضعاف الشعور الوطني وتشجيع الفتنة الطائفية، وحكم على الأستاذ المحامي أنور البني بخمس سنوات، وكذلك حكم الصديق محمود عيسى بخمس سنوات، أما خليل حسين وسليمان شمر فحكما بعشر سنين.
وفي أثناء وجودهم في السجن، أقامت سوريا علاقات دبلوماسية مع لبنان وتبادلت السفراء.
تخيلوا، تم سجنهم للمطالبة بتبادل العلاقات الدبلوماسية بين البلدان، فاتهموا بإضعاف الشعور القومي وسجنوا، لتقوم السلطة فيما بعد بفتح سفارة سورية ببيروت.
أما المعتقل “فائق المير” عضو الأمانة المركزية في حزب الشعب الديمقراطي السوري، فقد حوكم بتهمة الاتصال بدولة معادية “لبنان”، لأنه شارك مع وفد بالتعزية في رحيل الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني، المناضل الوطني جورج حاوي.
بعد أيام من خطاب القسم الأول لبشار الأسد بعام 2001، نشر المناضل المرحوم رياض الترك مقالاً في جريدة النهار بعنوان: “من غير الممكن أن تظل سورية مملكة الصمت”، فهل يحاول أتباع السلطة الجديدة إعادة بناء “مملكة الصمت” وتقييد الشعب السوري بعد أن حطم هذه القيود وصرخ مطالبا بـ “الحرية”؟
لنعود إلى فرح يوسف:
ما هي جريمتها؟
لقد قالت المرأة ليست زينة في الكادر، أو مناسبة وطنية، أو فعالية عيد، المرأة ليست فقط أم الشهيد… بل المرأة “شريكة”، “مواطنة كاملة الصلاحيات”.
إن الفرق واضح بين دولة تعيش في عقلية “التخوين والفتنة” وبين الدولة الديمقراطية، وهذه المواقف هي من تظهر هذا الفرق، وإن كانت سلطة الجولاني وجمهوره يريدون بناء شرعية حقيقية، وأن نصدق فعلاً أنه أصبح أحمد الشرع، وقطع مع ماضيه، فعليهم البدء من احترام الرأي المخالف، وليس قمعه، وعليهم أن يحترموا النساء، ويتعاملو معهن كشركاء، وليس مجرد ديكور ساكن، يضعهن في “مناصب شكلية منزوعة السيادة”.
لم تقم فرح بجريمة، بل قالت رأيها في مكان اعتاد الناس فيه أن الصوت النسائي القوي، صوت نشاز، يجب إسكاته عبر حملات الاغتيال المعنوي والشتائم والتشهير.
الغريب ليس فقط ما جرى، بل في وجود أشخاص حاولوا أن يشاركوا في الحفلة الموسيقية لكنهم لم يجرؤوا على الوقوف مع المهاجمين على مبادئ الثورة وحرية الرأي والتعبير، فقرروا أن ينشزوا كغيرهم، فعلقوا على ما يحصل بطريقة أبشع، عندما استخفت بالمواجهة الحاصلة المتعقلة بأخطر قضية تواجهها الدولة السورية التي نرغب بأن تنهض من جديد، احترام الرأي والتعبير، المساواة، كرامة الإنسان، فاعتبرت الأمر مجرد حفلة تعارف، وتساءلت بخفة وسطحية “مين مع مين؟” و “مين بيعزف لمين”.
الكلام السطحي لا يغطي القرف الحقيقي، فمن يقف مع حرية الرأي والتعبير، فلأنه ثائر حقيقي، وليس لأنه “معجوق بوحدة” أو “متحمس على الحلوات”، وللأسف، هؤلاء السطحيون لا يستطيعون الغوص في عمق النقاش الفكري، فيرونه بسطحية على أنه مغازلة، ويرون التضامن “تلحينا” والجدال “قصة غرام”، ببساطة، كل شيء إلا النقاش بالفكرة نفسها، ولأنهم لا يستطعون النقاش، فيهبطون إلى النميمة.
لقد وقفنا مع الحق لأن الثورة السورية ثورة حق، ثورة على الاستبداد، على الكراهية، على القتل، على الإقصاء، على تكميم الأفواه، ثورة على العقلية الذكورية، والطائفية، التي تحاول كل يوم خنق أي صوت حر بغمز ولمز.
القضية ليست شخصية، دفاعا عن شخص فرح يوسف، بل هي قضية مبدأ، وكل من تضامن معها، فقط كان يتضامن مع مبادئ الثورة في حرية الرأي والتعبير، واحترام المرأة والتعامل معها كشريكة وليست تابعة، أو فتنة تمشي على الأرض، وبأن تعبير المرأة عن رأيها في قضية عامة مؤشر صحي، وليس سبباً للتحريض أو مشروع فتنة.
لا يجوز أن يشتم أحد لأنه أبدى رأيه، ولم يقبل أن يبقى ديكوراً ساكناً، أو يتم تخوينه، هذا طريق بناء الدولة لمن يتحدث عن البناء، لنبدأ من احترام الكلمة، والنقاش ووضع العقل مكان اللسان، ومن هنا أعلن تضامني الكامل مع فرح وكل إنسان يقول كلمته ورأيه، وأتمنى من كل من يملك ضمير أو يحلم بسوريا المختلفة أن يرفع صوته ضد هذه الحملة القذرة، ليس فقط لأنها استهدفت امرأة، بل لأنها استهدفت جوهر حرية الرأي والتعبير، والنقاش الديمقراطي، ولنفكر جدياً بالموضوع، لماذا لا نتقبل رأي المرأة؟ لماذا لا تزال حرية التعبير مهددة في مجتمعاتنا؟ حتى بعد سقوط الأسد؟
إن هذه الحملة القذرة على رأي امرأة لا يمكن أن نواجهها فقط بالغضب، وحملات التضامن – على أهميتها – بل علينا أن نسعى إلى تحرك منظم لوسائل الإعلام، والمنظمات الحقوقية، ومنظمات المجتمع المدني، ليقوموا بتأسيس “ميثاق لحماية حرية التعبير للنساء” وتدريب الصحفيين والناشطين على أساليب مناصرة مبنية على الموقف المبدئي، فأنا هنا لا أدعم “فرح” فقط “لأنها كانت “ضد النظام” أو لأنها “معارضة للسلطة الحالية” بل لأن ما تعرضت له هو انتهاك أخلاقي، بغض النظر عن خلفيتها وآراؤها.
لا نريد أن نعود إلى عصر يُعتقل فيه البشر لمجرد أنهم قالوا رأيهم وأعلنوا موقفهم من قضية محددة، فالصوت الحر لا يجب أن يُوضع تحت البلاغات وأحذية الشتّامين، فإن صمتنا اليوم، سيكون الدور غداً على كل من يقول لا.
شاركونا آراءكم… هل تعتقد أنه يمكن للإعلام لعب دوراً في حماية هذا الحق؟ كيف سنقبل صوت المرأة المستقل كجزء أصيل من الحكاية، وليس استثناء؟

  • Social Links:

Leave a Reply