هل يقودنا “أهل الثقة” نحو الحرية أم لاستبداد جديد؟

هل يقودنا “أهل الثقة” نحو الحرية أم لاستبداد جديد؟


زكي الدروبي

عضو المكتب السياسي في حزب اليسار الديموقراطي

بدايةً، أتفهم تماماً مخاوف الكثير من تعطيل مسار المرحلة الانتقالية، وتكرار سيناريوهات الفشل، فأنا أيضاً لا أرغب برؤية الدولة السورية تتراجع، أو أن نقع في فخ الفلول مرة ثانية، كما حدث في تجارب أخرى. وهذه المخاوف حقيقية، خصوصاً لدى سكان المناطق التي كان يهيمن عليها بشار الأسد خلال سنوات الثورة، فخلال الأشهر السبعة الماضية، لمست مخاوفهم هذه، وفهمت ما عانوه خلال تلك السنوات من إقصاء، وتخويف وترهيب، وكتم للأنفاس، والتهم المفصلة الجاهزة: “أنتم حاضنة الإرهاب و…الخ”. وهذه المخاوف تدفع الكثير لخيار الإقصاء بحثاً عن الأمان والاعتماد على الولاء.

لهذا، دعونا نعود للبداية، إلى آذار 2011، بحثاً عن الأوراق الأولى التي نبتت للثورة السورية، ونتساءل: هل كانت تهدف الثورة السورية لاستبدال عائلة بأخرى؟ أو فئة مذهبية دينية بفئة أخرى؟ وهل كانت تهدف لاستبدال “حظيرة” بأخرى أكثر سواداً، باسم الدين أو التحرير؟

ألم تخرج الثورة رداً على سياسات الإقصاء الممنهج الذي كانت سلطة الأسد تعتمده، من تعيين ابن خالة الرئيس كرئيس مخابرات بدرعا، وعدم محاسبته على تجاوزاته، إلى تعيين ابن الخالة الثاني شريكاً في اقتصاد الدولة وإقطاعه الخليوي، أو تعيين الشقيق قائداً للفرقة الرابعة، أو…؟

ما هو مفهومنا عن “أهل الثقة”؟ ثقة بمن؟ وضمن أي مبادئ؟ هل الثقة أن تكون السلطة حكراً على عائلة أو جماعة صغيرة؟ هل الثقة في نهج يعتمد على تجاهل الكفاءات، وتعيين الأقارب في المفاصل الحيوية للدولة؟ إن ما يحدث حاليا من الاعتماد على “أهل الثقة” بدلاً من “أهل الكفاءة” سيؤسس لدائرة مبنية على الضعف المؤسساتي والتردي في العمل، وهي دائرة مفرغة، لا يمكن الخروج منها، لأن “أهل الثقة” لن يسعون إلى استقطاب سوى المزيد والمزيد “أهل الثقة” ومن أصحاب الكفاءة الأدنى منهم، لضمان ولائهم المطلق، وبنفس الوقت سيبعدون من هم أكفأ منهم، وهذه طبيعة بشرية، لا يمكن القفز عنها، لأن استقطاب الخبرات ستؤدي لكشف ضعفهم. هذا المسار الحتمي يقود إلى ضعف متزايد للدولة، وانهيار تدريجي في بنية مؤسساتها، التي تفقد قدرتها على الأداء الفعال والابتكار. هل الثقة تكون بتجريد مؤسسات الدولة من استقلاليتها؟ ألم يكن هذا ما خرجت الثورة ضده؟ كيف يمكننا أن نثور على ذلك العهد لهذه الأسباب، ثم نقبلها من شخص آخر؟!

هل يكون التحرر بصعود خطاب الكراهية دون حسيب أو رقيب؟ هل يكون بالتمييز بين المواطنين في الخطاب الرسمي، فنسمي بعضهم بالشهداء، والبعض الآخر بالقتلى، بناءً على الانتماء الديني؟ هل يعني التحرر التغاضي عن مجازر بالمدنيين ارتكبت على أيدي ميليشيات محسوبة على السلطة؟ هل يكون التحرر بالهجوم على طلاب جامعة أبرياء في مدينتهم الجامعية بناءً على تسريب صوتي مجهول المصدر ثبت فيما بعد بطلانه؟! هل يفهم التحرر على أنه خطاب شكر من وزارة الداخلية على غيرة هؤلاء المهاجمين و”دفاعهم عن النبي” بدلاً من محاسبتهم؟!

يقول البعض إن الرئيس “التقى بالجميع، وقلبه مفتوح للجميع”، فهل رأينا انعكاس هذا على الأرض في الواقع؟ هل رأيناه ترجمته في مؤسسات الدولة لتكون حيادية تجاه الأديان؟ أم أننا نرى كيف يتم فرض أيديولوجيا دينية عليها كما نرى من فكر بعض رموز السلطة الذين يرون الوطنية “اختراعاً من أعداء الإسلام”؟

لقد قامت الثورة بهدف الوصول إلى دولة المواطنة المتساوية، والمؤسسات والقانون الذي يجب أن يُطبق على الجميع دون استثناء، دولة تعتمد مؤسساتها على الكفاءات، وليست دولة الأفراد والعائلات والولاءات الضيقة، واستطراداً، لم تكن أهداف الثورة بالخروج من “حظيرة الأسد” من أجل الدخول في “حظيرة” أخرى، حتى لو كان صاحبها يرفع شعارات الحرية.

الخطر ليس في “الغلول” القديمة، بل في نشوء غلول جديدة بوجه آخر، مستغلة معاناة الناس وتطلعاتهم للسيطرة عليهم، وتغطي ثوب القمع بالقداسة.

إن اعتبار كل التعددية “مصدراً للفوضى”، وأن كل اختلاف بالرأي هو “أجندة غير وطنية” يعد قفزاً فوق الحقائق، فالعكس هو الصحيح، لأن التعددية مصدر إثراء وقوة، وليست مصدراً للفوضى والتعطيل، والاختلاف بالرأي هو جوهر الديمقراطية.

إن التنوع صمام أمان، وغياب النقد والآراء المخالفة يولد الأخطاء ويسمح بتراكمها، وبالتالي تتآكل الثقة بالسلطة ومؤسسات الدولة، ويؤدي إلى استمرار ضعفنا وسيعود الاستبداد بوجه جديد، مستخدماً قناعاً جديداً، فبعد أن كنا محكومين من سلطة تضع قناع العلمانية والمقاومة والممانعة، سنحكم من سلطة تضع قناع التدين، وتبرر استبدادها بأنها الخلاص المزعوم لـ “السنة”. إن التعددية ليست هي المشكلة، بل هي الخلاص الحقيقي للوطن، وعلينا أن نتعلم إدارة الخلافات بدلاً من الإقصاء، وبناء مؤسسات قوية تعتمد على المساءلة وتتيح النقد وحرية التعبير، بدلاً من اعتماد اتهامات “التخوين والتحريض”، حينذاك، نستطيع التمييز بشكل حقيقي بين النقد الحقيقي، وبين الفوضى.

يجادل البعض في الإقصاء على أنه “مؤقت”، ومن ضرورات المرحلة، لكن السؤال الملّح الذي كان يدور دوماً ببالي منذ عهود الأسد: متى ستنتهي هذه المنعطفات التاريخية من مسيرتنا؟ متى ستنتهي المراحل الانتقالية؟ ألم نعش كل هذه السنوات، وسيبقى أولادنا وأحفادنا يعيشونها، إن استمرينا في الإقصاء؟ كيف سنبني ديمقراطية مستقبلية إن قمنا اليوم بالإقصاء، حتى لو كان “مؤقتاً”؟ ألم نتعلم من دروس الماضي ونفهم أن المراحل الانتقالية تهدف دوماً لبناء الثقة، والتحضير للانتقال إلى المستقبل الديمقراطي بعيداً عن الماضي الاستبدادي؟ كيف سننتقل إلى هذا المستقبل في ظل تآكل الثقة الحاصل؟ هل سيتم هذا بإقصاء الطيف الوطني؟

إن هذا الأسلوب المتعمد لإقصاء الوطنيين السوريين، والذي يتم تبريره دوماً على أنه “ضمانة مؤقتة” لا يغير من حقيقته على أنه تقويض للمبادئ التي قمنا بثورة لأجلها، ولنتذكر كيف أن الكثير من المراحل الانتقالية تحولت إلى أنظمة دائمة من الاستبداد، فالديمقراطية لا يمكن أن نؤجلها كي ننتهي من عبور المنعطف، بل هي أداة رئيسية لضمان سلامة المركبة على الطريق، إنها عملية بناء تبدأ من اليوم، باحتواء الجميع، لا باستثناء أحد.

وبدلاً من الإقصاء، لماذا لا نعتمد نظاماً قوياً للمساءلة والمحاسبة، لماذا لا نرتكن إلى الشفافية وإلى حرية تعبير ومجتمع مدني حقيقي يحمي الدولة ويحمي مسيرتها نحو المستقبل الديمقراطي، لماذا لا نسمح بحرية النقد دون خوف من تخوين واتهامات بالعمالة؟

من جهتي، أنا مقتنع تماماً بأن الانتقال إلى سوريا المستقبل، سوريا الديمقراطية، سوريا المواطنة، يكون عبر الاحتواء والحوار، حتى مع من نختلف معهم، بشرط الوطنية والإيمان بمستقبل سوريا الديمقراطي وعدم تلوثهم بجريمة.

إن الجيل القادم يستحق أن يرى سوريا نموذجاً لدولة تعددية حقيقية، لا تخشى من التنوع، بل تحتضنه ليكون قوتها التي تنشدها، حين ننظر لها على أنها إثراء وليست تهديداً، لأن عقلية الإقصاء لا تبني الدولة، بل ما يبنيها هو جمع أبنائها وتفعيل دورهم في بناء مستقبلهم.

  • Social Links:

Leave a Reply