الهجوم الداعشي على السويداء – تموز 2025

الهجوم الداعشي على السويداء – تموز 2025

فرح العاقل

في صباح الحادي عشر من تموز عام ألفين وخمسة وعشرين، استفاقت السويداء على شرارة جديدة أعادت إلى الأذهان أصوات الرصاص والدمار التي ظنّ أهلها أنّها ولّت إلى غير رجعة. بدأت القصة حين اعترضت مجموعة مسلّحة طريق سائق شاحنة على طريق دمشق–السويداء، وأقدمت على سرقته وخطفه، لتبدأ بعدها موجة من الردود العشوائية، حيث أسر شبّان من القرى الجبلية بعض المشتبه بتورطهم في عمليات السرقة من أبناء العشائر البدوية. في الظاهر بدا الأمر ثأراً عشائرياً تقليدياً، لكن في الخفاء كان ثمّة من يُعدّ لمشهد أكثر ظلمة.

سبق الهجوم تحريض طائفي واضح من الإعلام الرسمي والإعلاميين المقربين من السلطة، حيث تمّ نشر تقارير تحاول تشويه سمعة السويداء وأهلها، وتقديمهم كأنهم يساندون الجماعات المسلحة أو يعملون ضد “الاستقرار الوطني”. هذه الحملات الإعلامية ساعدت في تهيئة الأجواء لحدوث الهجوم، بحيث كان الهدف من ورائها تقديم السويداء وكأنها بيئة حاضنة للإرهاب أو التمرد. التصريحات والتحليلات على القنوات الرسمية، مثل تلك التي تطرقت إلى “الخطر الطائفي” المزعوم في المحافظة، زادت من تأجيج الموقف، مما منح الضوء الأخضر لبعض الجماعات المتطرفة لشن الهجوم.

مع مرور الساعات، اتسعت رقعة الاحتقان. الطرق الرئيسية قُطِعت، والمسلحون نصبوا حواجزهم الذاتية لحماية الأحياء، بينما تحرّكت مجموعات أخرى مدعومة بالسلاح الثقيل، ظهرت فجأة في أماكن لم يكن فيها أي وجود مسبق لها. في تلك اللحظات، تكشّفت الدلائل على أن الصدام لم يعد عشوائيًا، بل صار موجّهًا ومخططًا له، بتسهيل من الجهات التي تسيطر على الطرق وتمنح المرور لهذه المجموعات المسلحة بلا عوائق.

بحلول الخامس عشر من تموز، تجاوزت الاشتباكات حدود الثأر التقليدي وتحولت إلى عمليات اقتحام مدروسة لأحياء بعينها معروفة بانتمائها الديني، حيث انتقلت المواجهات من الريف الشرقي إلى القرى الغربية، واخترقت مجموعات مسلّحة الأحياء تحت حماية قوافل تحمل شعارات الأجهزة الأمنية الرسمية. وما زاد من قسوة الهجوم أنّه تزامن مع قطع شبه كامل للكهرباء والاتصالات وخدمات المياه، فوجد الأهالي أنفسهم تحت القصف والنار في عزلة تامة، بلا أي وسيلة للاتصال بالعالم الخارجي أو إسعاف الجرحى أو نقل الاستغاثات.

في الوقت ذاته، ظهرت عشرات الفيديوهات عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي توثق دخول عناصر من وزارة الدفاع والأمن العام إلى السويداء، حيث كانوا يرفعون شعارات طائفية مسجّلة بالفيديو، تروج لخطاب تحريضي موجه ضد الطائفة الدرزية. الفيديوهات، التي انتشرت بشكل واسع، أظهرت أيضًا قيامهم بالتنسيق مع بعض العشائر المحلية التي شاركت في الهجوم على السويداء، متخذة من هذه الحملة طابعًا طائفيًا بامتياز، مع شعارات تهدف إلى تقسيم المجتمع السوري وزرع الفتنة بين مكوناته المختلفة.

ما جرى في تلك الساعات كان مجزرة طائفية مكتملة الأركان، إذ وُثِّق أن عشرات المدنيين جُمعوا في بيوتهم ثم أُعدموا ميدانيًا تحت ذريعة تعاونهم مع مجموعات محلية تحمي الأحياء. رُوِي أن بعض المنازل أُحرقت بمن فيها، واختُطف آخرون ليظهروا لاحقًا جثثًا هامدة عند أطراف القرى، رسالةً مدروسة لترويع باقي الأهالي. أما في الفيديوهات التي وثّقت الجرائم، فقد ظهرت عمليات الإبادة والقتل العشوائي، إذ أُطلقت النار على المدنيين بدم بارد، وتعرضوا للتعذيب والإعدام بطريقة وحشية، في مشهد يثبت أن ما جرى كان إبادة جماعية وتطهيرًا عرقيًا.

في الوقت نفسه، كانت الأخبار التي تبثها القنوات التابعة للنظام وأبواقه الإعلامية مليئة بالكذب والتحريض. كان الإعلام الرسمي يروّج لروايات مفبركة عن أن الهجوم كان “ردًا على عمل إرهابي” أو “استجابة لتهديدات خارجية”، بينما على الأرض كان الواقع مغايرًا تمامًا. كان المدنيون يقاتلون دفاعًا عن حياتهم وأرضهم ضد هجوم ممنهج، وليس كما روجت وسائل الإعلام الرسمية بأنهم كانوا ضالعين في مؤامرات مسلحة.

لم يكن الهدف مجرد السيطرة على طريق أو ثأر على خلفية سرقة، بل زُرع الخوف في قلب مجتمع ظلّ سنوات يرفض الانصياع الكامل لإملاءات السلطة، ويدير شؤونه بنفسه بعيدًا عن قبضة الأفرع. القتل بهذه الوحشية، وسط قطع مقصود للكهرباء والماء والاتصالات، لم يكن سوى جزء من سياسة الأرض المحروقة لإخضاع الناس وإجبارهم على الاستسلام.

اليوم، بعد أكثر من عشرة أيام على هذا التصعيد الدموي، تعيش السويداء وضعًا إنسانيًا كارثيًا بكل معنى الكلمة. آلاف العائلات ما زالت محاصرة داخل قرى معزولة بلا ماء ولا كهرباء، وسط انقطاع خطوط الاتصالات وتراجع الخدمات الطبية إلى حدودها الدنيا. عشرات العائلات تنام بين الحقول خوفًا من القذائف والرصاص، وبعض الجرحى ما زالوا بلا علاج، فيما يفرّ الأطفال والنساء من بلدة إلى أخرى بحثًا عن مأوى آمن.

ورغم كل هذا، ما زال بعض مَن يرفعون شعارات الولاء الأعمى يرون المشهد عاديًا وطبيعيًا: اقتحام مدن بالدبابات، قصف المدنيين، حصار القرى، قتل الناس وتدمير بيوتهم، كلها تُبرّر في أعين «قطيع الشبيحة» ما دام القاتل من جلدتهم. وهنا يطرح الناس سؤالهم الصريح: إذا كان كل هذا الإجرام مسموحًا ومقبولًا لديهم، فأين كانت مشكلتهم مع بشار الأسد أصلًا؟ هل كانت مشكلتهم أنه ديكتاتور يقتل شعبه، أم فقط أنّه علويّ؟ أيعقل أن تُقبل كل هذه المجازر والانتهاكات لو تغيّر اسم الرئيس وطائفته فقط؟

أسئلة يردّدها المقهورون اليوم في السويداء، وهم يرون دماءهم تتحوّل إلى أوراق مساومة، ويرون سلطة تتقن تدوير الخراب لتبقى على رأس كرسيّها مهما كلّف الثمن.

  • Social Links:

Leave a Reply