المهندس مناف ياسر الحمد :

في جواب الرئيس الانتقالي عن سؤال الحريات السياسية مساحات رخوة يمكن بسهولة أن تتسرب منها نزعة التقييد والإقصاء.
فمن ذلك أنه أفرغ الحرية السياسية من جوهرها القيمي، وألقى بثقل تحديد ماهيتها على من سماهم واضعي القوانين، فقانون الأحزاب الذي يمثل تجليًا أساسيًا من تجليات الحرية السياسية هو الصياغة القانونية لمقصد إنساني كوني هو مقصد الحرية بكل أبعادها، ولأجل ذلك، فإن صياغة القانون ليست سوى مرحلة أخيرة من مراحل تجسيد المفهوم.
ومنه حديثه عن الخصوصية، وهو ما كرره بأكثر من طريقة تكرارًا يدفع إلى الشك في إرادة التذرع بها لتقييد الحريات، وعلى فرض أن هذا الشك غير مشروع، فإن حديثه عن الخصوصية لا يعدو أن يكون إشارة إلى بدهية، فمن الذي ينكر أن لكل مجتمع خصوصيته، وأن الاستيراد الأعمى للتجارب إنما هو صنيع الجاهل؟ ولكن الخلط الذي وسم حديثه هذا هو الخلط بين الحرية بوصفها قيمة، وبين وسائل تحقيقها وسبل التعبير عنها. وهو خلط بين الغاية والوسيلة يشي بقصور في تصور الغاية، والتعويض عنه بإفراط في الحديث عن الوسيلة.
إن القيم المتعالية، والحرية من أهمها، إنما يقع الاختلاف بشأنها لدى محاولة إنزالها من عليائها لكي تصبح واقعا معاشًا، وهو اختلاف طبيعي يفرضه تنوع الرؤى للواقع الذي يراد تجسيد القيمة فيه، ولا يمكن التعامل مع هذا الاختلاف -بوصفه هذا- إلا عبر حوار تداولي بين أصحاب الرؤى المختلفة، من أجل الوصول إلى حدود الاتفاق الممكنة التي يتيحها الممكن التاريخي.
أما دعوته النخب إلى عدم الاكتراث بالجزئيات، وتكريس الجهد على الاستراتيجيات، فهي أكثر مساحة رخوة في الخطاب، فقد يعذر رئيس البلاد -حتى لو كان انتقاليًا- في التفاته إلى الكليات وانصرافه عن الجزئيات، ولكن ما نفع النخب التي لا تضع رؤاها الكلية اشتقاقًا من معاينة دقيقة للتفاصيل، ومعايشة حية للانحرافات، وتبصر حقيقي بالتحديات.
لن أتحدث بتفصيل عن شعور قوي انتابني، وأنا أستمع لهذ الجواب، ولكنني صرت أخشى أكثر من السابق من أن تنهدم الأكمة، ويظهر ما لا يسر الخاطر خلفها.
Social Links: