ينما تبتلع اللوحة صاحبها: قراءة في “سيرة ذاتية لكحولي واضح”.

ينما تبتلع اللوحة صاحبها: قراءة في “سيرة ذاتية لكحولي واضح”.

فارس الذهبي

تقدّم رواية “سيرة ذاتية لكحولي واضح” لباسم صباغ بوصفها نصًّا ينتمي إلى تخوم الرواية النفسية والفانتازيا الرمزية والميتاسرد معًا؛ فهي لا تروي حكاية خطيّة بقدر ما تبني متاهة من الوعي والذاكرة والصور، بحيث يصبح السؤال المركزي فيها ليس: ماذا حدث؟ بل: من الذي يكتب من؟ ومن الذي يتذكّر من؟ ومن الذي يرى الحقيقة حين تتشظّى بين اللوحة، والصورة، والحلم، والخراب؟ منذ الصفحات الأولى نلتقي بـ«نورس»، الرسّام المنعزل في غرفة قديمة في سوق ساروجة، محاطًا بزجاجات العرق الفارغة والموسيقى والكتب، في فضاء يوحي بأن الشخصية تعيش على حافة التآكل الداخلي وليس في عزلة مهنية عابرة. هذا التأسيس المبكر يجعل «السُكر» في الرواية ليس مجرد عادة، بل بنية إدراكية، أو بالأحرى طريقة وجود مختلّة يرى بها العالم ويتفكك عبرها الزمن والهوية.
قوة الرواية الأولى تكمن في تحويلها «الاضطراب» إلى جهاز سردي. فـ«نورس» لا يقع في الهذيان فقط بوصفه حالة مرضية معزولة، بل بوصفه مدخلًا إلى عالم تتقاطع فيه الأزمنة، وتتداخل فيه الأمكنة، ويغدو فيه الرسم بوابة لا تمثيلًا. حين يسمّي الكائن الغامض الذي ظل يطارده باسم «آورا»، لا يخلق شخصية جديدة بقدر ما يستدعي نقصًا أصيلًا في داخله، أو يوقظ صورة كانت كامنة في طبقات الوعي واللاوعي معًا. النص نفسه يصرّح بهذه الفكرة حين يجعل آورا ليست «شخصية في رواية» بل «الرواية التي دخلت ولم تبدأ دونه»، وهنا ينجح الكاتب في قلب العلاقة التقليدية بين الخالق والمخلوق: الفنان لا يبتكر تمامًا، بل يُستدرج إلى ما كان ينتظره أصلًا.
هذه الفكرة تتوسع لاحقًا عبر شبكة من الشخصيات/الظلال مثل آرا وميسا ويزن وخليل وأبو جورج، بحيث لا تبدو الشخصيات وحدات مستقلة مكتملة، بل شظايا ذاكرة موزعة داخل مدينة مجروحة. آرا، على وجه الخصوص، ليست مجرد طرف مقابل لسور، بل تمثّل انتقال السرد من مركز الوعي الذكوري المنهار إلى وعي آخر يحاول أن يقرأ نفسه داخل نص مكتوب سلفًا. حين تجد آرا نصوصًا أو صورًا أو دفاتر تشير إليها قبل أن تعي نفسها فيها، تصبح هي أيضًا موضوعًا للكتابة لا ذاتًا تسيطر على السرد. لذلك فالرواية لا تشتغل على «الشخصية» بمعناها الواقعي التقليدي، بل على الشخصية بوصفها أثرًا، أو كيانًا يجري تشكيله من الخارج ومن الذاكرة الجماعية ومن بقايا الحرب.
هنا نصل إلى إحدى أهم طبقات النص: المدينة. دمشق، ولا سيما ساروجة وباب شرقي والبارات والمقاهي والغرف المتهالكة، ليست خلفية للأحداث، بل كائن حي يتنفس ويحتفظ ويستعيد. الجدران تسمع، تتشقق، تتحول إلى أبواب، والحيّ لا يظهر بوصفه مكانًا ثابتًا بل بوصفه أرشيفًا متصدعًا. في هذا المعنى، الرواية تكتب مدينة ما بعد الحرب لا عبر خطاب سياسي مباشر، بل عبر تشويه الإدراك نفسه: الذكريات لا تعود في شكل فلاش باك كلاسيكي، بل في هيئة صور ناقصة، أشباح، نداءات، رسائل مجهولة، وانكسارات في الزمن. الحرب هنا لا تُروى بوصفها حدثًا ماضيًا، بل بوصفها بنية مستمرة داخل الأجساد واللغة والصور؛ كأن الخراب لم يعد في الشارع فقط، بل انتقل إلى آلية الرؤية ذاتها.
ومن أكثر العناصر إحكامًا في الرواية هو ثلاثي اللوحة/الصورة/المرآة. اللوحة هي وعاء للغياب، والموضع الذي يتسرّب منه ما لم يُعش أو ما لم يُفهم. الصورة الفوتوغرافية، بالمقابل، تبدو أولًا أداة توثيق، لكن النص يفكك هذه الفكرة بسرعة: الصور لا تثبت الواقع، بل تفتح أبوابًا، وتكشف الخلفيات، وتدل على ما لم يُنتبه إليه. أما المرآة، فتأتي بوصفها أداة مواجهة لا زينة؛ وهي لا «تكذب»، كما تقول الرواية صراحة، لكنها تفضح التصدع بين ما نراه وما نحتمل الاعتراف به. هذا البناء الرمزي ذكي لأنه لا يكرر نفسه؛ كل وسيط بصري يؤدي وظيفة مختلفة: اللوحة تستدعي، الصورة تلمّح، المرآة تحاكم. ومن هذا التفاعل تتكوّن الفكرة الأساسية للنص: الحقيقة ليست معطًى بصريًا جاهزًا، بل شيء يتكشف عبر الطبقات، وربما عبر الندم، كما يرد في أحد مفاصل الرواية.
أسلوبيًا، يعتمد باسم صباغ على لغة كثيفة، شعرية، مائلة إلى التراكم الصوري والانعطافات الحلمية. هذه اللغة تمنح النص فرادته وتناسب عالمه المتشظي المنكسر، لكنها في الوقت نفسه سلاح ذو حدين. في لحظاته الأفضل، تصنع هذه الكثافة مناخًا خانقًا وجذابًا في آن، وتحوّل الجملة إلى حامل نفسي عميق. لكن في بعض المقاطع، تقترب الكثافة من فائض مقصود لذاته، بحيث يكاد الإيحاء يطغى على الدفع السردي. بعبارة أدق: الكاتب يربح كثيرًا في المناخ والرمز، لكنه أحيانًا يغامر على حساب التحديد الدرامي. ومع ذلك، فإن هذا ليس خللًا تقنيًا بسيطًا، بل جزء من خيار جمالي واعٍ: الرواية تريد للقارئ أن يتيه، أن يضيع، دون أن يتلقى خريطة مريحة. هذا نص يراهن على القلق، دون الطمأنة.
أما على مستوى البناء، فالرواية تشتغل بوضوح على الميتاسرد: النص عن الكتابة بقدر ما هو كتابة، تأليف عن التأليف، والشخصيات تدرك أنها تُكتب أو تُعاد كتابتها، وتصبح الصفحات والدفاتر والروايات الناقصة عناصر داخل الحبكة نفسها. حين تقول الرواية، ضمنيًّا وصريحًا، إن الغياب شكل من أشكال الكتابة، فهي تكشف برنامجها الجمالي كاملًا: ما لا يُقال، وما لم يكتمل، وما تهشّم بالحرب، هو المادة الحقيقية للسرد.
خاتمة الرواية، بما فيها انهيار «الجدار الأخير»، وتعليق اللوحة نفسها في الهواء، ثم العبارة المفتاحية: “الحقيقة ليست نهاية القصة… بل فحواها”، تبلور المعنى النهائي للنص. الرواية لا تمنح حلاً واقعياً أو خلاصاً أخلاقياً واضحاً؛ إنها تفضح وهم النهاية المكتملة. وحتى اللحظة الصادمة في آخر الصفحات، حين يظهر سور على حافة انتحارية، لا تبدو مجرد حدث، بل ذروة منطقية لمسار ذاتٍ استهلكها التداخل بين الفن والذاكرة والخراب.
في المحصلة، “سيرة ذاتية لكحولي واضح”عمل أول لقارئ متمرس، رواية طموحة، مشغولة على مناخها ورمزيتها أكثر من عنايتها بالحبكة التقليدية. ليست نصًّا سهلًا، ولا يريد أن يكون كذلك. أهم ما فيها أنها تحوّل الإدمان والهلوسة والذاكرة الفردية إلى مجاز عن مدينة مكسورة، وعن جيل يعيش داخل صور لم تنتهِ بعد. إنها رواية عن الوعي حين يفقد ثقته بواقعه، وعن الفن حين يكفّ عن تمثيل العالم ليبدأ بابتلاعه. هل هي محاولة لتدوين عالم انقضى ومضى، لشخوص عاشت وعرفناها، وكانت حقيقية؟ أم هي محض تخييل روائي لكحولي يعتقد متردداً أنه واضح؟.

  • Social Links:

Leave a Reply