سعد فنصة
ما قيمة المآذن الناطحة للسحاب إذا كان ظلها يسقط على أطفال يبيتون في العراء؟ وكيف يُرفع الآذان في مكبرات صوت باهظة الثمن، بينما تبتلع الخرائب المحيطة بها أنين المرضى الذين لا يجدون مشفىً يداويهم؟ إن بناء المساجد الفارهة وسط أنقاض البيوت المهدمة ودموع المهجرين ليس تقرباً إلى الله، بل هو “استعراض ديني” يجافي روح الشريعة التي جعلت حرمة الإنسان أعظم من حرمة الكعبة.
لقد حذرنا النبي ﷺ من الانشغال بزخرفة البنيان وضياع جوهر الإيمان، فقال: “لا تقومُ الساعةُ حتى يتباهى الناسُ في المساجدِ” (صحيح النسائي). واليوم، نرى هذا التباهي عياناً؛ رخام إيطالي وسجاد فاخر، بينما الجار مهجر، واليتيم بلا مأوى، والمريض يموت على أعتاب المستشفيات المتهالكة.
إن القرآن الكريم صريح في تقديم “إحياء النفس” على شعائر المظاهر، قال تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ (التوبة: 19). فإذا كانت عمارة المسجد الحرام نفسه لا تساوي عند الله إغاثة الملهوف وإقامة العدل، فكيف بمسجد يُبنى في “خرابة” وأهلها مشردون؟
إن العبادة الحقيقية اليوم هي المجمع السكني الذي يستر عورات العائلات، وهي المشفى الذي يحفظ حق الناس في الحياة. أما تكديس الحجر فوق الحجر في مدن الموت، فهو هروب من المسؤولية الأخلاقية، وصدقة في غير موضعها، لا تزيد الفقراء إلا قهراً، ولا تزيد المتنفذين إلا رياءً.

Social Links: