بسام الشريف
كيف تشكّل الخوف ، وهل هو جزء من “الطبع” أم نتيجة “الظرف”
أولاً: هل هو خوف بنيوي في الثقافة السياسية؟
لو كان الخوف بنيوياً (أي متجذراً في الثقافة السورية ذاتها)، لوجدناه ثابتاً عبر التاريخ.
لكن التاريخ السوري يقول العكس.
قبل الدولة الأمنية
في الأربعينيات والخمسينيات:
— كانت هناك حياة حزبية نشطة.
— صحافة حرة نسبياً.
— تداول حكومي متكرر.
— برلمان فاعل.
مثلاً في عهد شكري القوتلي عرفت سوريا تعددية سياسية واضحة مقارنة بكثير من دول المنطقة آنذاك.
هذا يعني أن الثقافة السياسية السورية لم تكن قائمة على الخضوع.
ثانياً: ماذا تغيّر؟
التحول الجذري بدأ بعد انقلاب 1963، ثم ترسّخ مع حكم حافظ الأسد.
هنا حدث أمر عميق:
- تسييس المجتمع بالكامل.
- أمننة السياسة.
- تحويل الولاء إلى شرط للعيش.
- معاقبة السياسة خارج الإطار الرسمي.
بمرور جيلين أو ثلاثة، لم يعد الخوف سلوكاً فردياً، بل صار بنية نفسية جماعية.
لكن هذا لا يعني أنه “طبيعة سورية”.
بل هو نتيجة 60 عاماً من هندسة الوعي.
ثالثاً: كيف يتحول الخوف إلى ثقافة؟
عندما:
— يُربّى الطفل على أن السياسة خطر.
— يرى الأب أن الكلام قد يدمّر الأسرة.
— يشهد المجتمع مجازر (مثل أحداث الثمانينيات).
— ثم تأتي حرب 2011 بكل صدماتها…
يتحول الخوف من ” حزر “” إلى “حكمة شعبية”.
وهنا يظهر أخطر أشكال الاستبداد:
ليس القمع، بل التطبيع مع القمع.
رابعاً: هل الخوف عارض تاريخي قابل للتجاوز؟
نعم… لسببين جوهريين:
1-لأنه حديث نسبياً
ستون عاماً في عمر الشعوب ليست قدراً أبدياً.
2-لأنه مرتبط بالبنية السياسية لا بالهوية الثقافية
حين تتغير شروط الأمان، يتغير سلوك الناس بسرعة.
لننظر إلى مجتمعات عاشت تحت أنظمة قمعية لعقود:
— إسبانيا بعد فرانكو.
— دول أوروبا الشرقية بعد الشيوعية.
— تشيلي بعد بينوشيه.
لم يكن الخوف قدراً أبدياً.
لكن… هناك شروط
الخوف لا يزول بالخطابات.
بل يزول حين يشعر الناس أن:
— التعبير لا يؤدي إلى الاعتقال.
— الاختلاف لا يعني التخوين.
— السياسة ليست مقامرة وجودية.
بمعنى آخر:
الأمان هو المدخل إلى الوعي، لا العكس.
ما نراه في سوريا اليوم ليس ثقافة عبودية، بل:
— إرهاق طويل.
— صدمة جماعية.
— فقدان الثقة بالبدائل.
— خوف من انهيار ما تبقى.
إنه خوف وجودي أكثر منه خوفاً سياسياً.
الخوف في سوريا:
— ليس جيناً ثقافياً.
— ليس قدراً حضارياً.
— وليس ميلاً طبيعياً للخضوع.
إنه نتاج دولة أمنية طويلة و حرب مدمرة و انهيار الثقة الجماعية.
وبما أنه نتاج تاريخي، فهو قابل للتجاوز…
لكن تجاوزَه يحتاج إلى إعادة بناء الثقة والأمان قبل رفع سقف الوعي.

Social Links: