إنصاف العسكريين المنشقين استحقاق وطني

إنصاف العسكريين المنشقين استحقاق وطني

علي الأمين السويد

في لحظةٍ فارقةٍ من تاريخ سوريا الحديث، لم يكن الانشقاق عن المؤسسة العسكرية مجرد موقفٍ فردي، بل كان تعبيرًا عن تصدّعٍ عميق بين منطق السلطة ومنطق الوطن. حين وُضِع الضباط أمام خيارٍ قاسٍ: تنفيذ أوامر تستهدف أبناء شعبهم، أو التمرّد على منظومةٍ كاملة، اختار كثيرون منهم أن ينحازوا إلى ضميرهم، مدركين أن الطاعة العمياء قد تتحول إلى شراكةٍ في الجريمة.
ما يمنح هذه الظاهرة بُعدها الأعمق، أنها لم تكن حكرًا على فئةٍ أو طائفة، بل شملت ضباطًا من مختلف المكونات السورية، دون استثناء. وهذا ما يكشف أن الانشقاق لم يكن فعلًا طائفيًا أو ردّ فعلٍ ضيقًا، بل كان، في جوهره، موقفًا وطنيًا جامعًا، عبّر عن رفضٍ أخلاقي وسياسي لاستخدام الجيش كأداةٍ في قمع المجتمع. لقد أعاد هؤلاء تعريف الانتماء، بوصفه التزامًا بحماية الناس لا إخضاعهم، وبوصفه ولاءً لسوريا ككيانٍ وشعب، لا كسلطة.
ورغم ما ترتب على هذا الخيار من خساراتٍ شخصيةٍ فادحة—من فقدان الرتب والمكانة، إلى التهديد المباشر للحياة—فإن الضباط المنشقين رسّخوا نموذجًا نادرًا للشجاعة السياسية والأخلاقية معًا. نموذجٌ يُظهر أن المؤسسة، مهما بلغت صلابتها، لا تستطيع أن تلغي صوت الضمير، وأن الانحياز للإنسان يمكن أن يكون، في ذاته، فعل مقاومةٍ عميق الدلالة.
إن التضحيات الكبيرة التي قدمها العسكريون السوريون المنشقون عن النظام الأسدي تمثل واحدة من أنبل صور الانحياز الوطني في تاريخ سوريا الحديث. فقد اختار هؤلاء، في لحظات بالغة القسوة والخطورة، أن يقفوا إلى جانب شعبهم، متخلّين عن مواقعهم ومصالحهم الشخصية، ومدركين تمام الإدراك لما سيترتب على هذا القرار من ملاحقة وتشريد وحرمان، بل وحتى الموت.
ومع ذلك، فإن هذه التضحيات، على عظمتها، لم تنل حتى اليوم ما تستحقه من إنصاف واعتراف وطني مؤسسي. إذ لا يكفي أن تُستعاد أسماؤهم في المناسبات، ولا أن تُقال بحقهم كلمات الثناء العاطفية بين الحين والآخر، لأن الوفاء الحقيقي لا يُقاس بالخطاب، بل بالفعل المنظم الذي يترجم الامتنان إلى سياسات وإجراءات واضحة.
لقد تعرض المنشقون، على مدى السنوات الأربع عشرة الماضية، لحملات ممنهجة من التشويه والتخوين، ليس فقط من قبل النظام الأسدي البائد الذي سعى إلى شيطنتهم وتجريدهم من أي شرعية أخلاقية، بل أيضًا من قبل بعض الفصائل المتشددة التي لم تكتفِ بإقصائهم، بل أقدمت في بعض الحالات على تصفية عدد منهم، في مشهد يعكس حجم الانحراف الذي أصاب جزءًا من المسار العام.
من هنا، فإن الحديث عن برنامج وطني متكامل لإنصاف العسكريين المنشقين لا ينبغي أن يُفهم بوصفه مطلبًا فئويًا أو ترفًا سياسيًا يمكن تأجيله، بل هو استحقاق وطني وأخلاقي، وركيزة أساسية في إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. فالدولة التي تسعى إلى ترسيخ شرعيتها لا يمكن أن تتجاهل أولئك الذين خاطروا بكل شيء دفاعًا عن قيمها المفترضة.
ويمكن ترجمة هذا التوجه عبر حزمة من الإجراءات العملية، في مقدمتها
تكريم جميع العسكريين المنشقين، الأحياء منهم والشهداء، بمنحهم وسام “بطل الجمهورية”، بما يحمله من دلالة رمزية تؤكد مكانتهم في الوجدان الوطني.

العمل على تسوية أوضاع المنشقين العسكريين العسكرية بشكل عادل، من خلال إحالة من بلغ سن التقاعد إلى التقاعد وفق الأصول، بعد ترفيعهم إلى الرتب التي كانوا سيستحقونها لو استمروا في الخدمة، مع شمول هذا الإجراء للمتوفين والشهداء.

الضباط وصف الضباط الذين لا يزالون ضمن سن الخدمة، فيفترض إعادة دمجهم في المؤسسات العسكرية بشكل تلقائي دون المرور بخطوات أكثر من تقديم ثبوتياتهم، مع تصحيح مساراتهم الوظيفية وترفيعهم إلى الرتب المناسبة، بما ينسجم مع سنوات خدمتهم الفعلية.

منح من لا يرغب في العودة إلى الخدمة كامل حقوقه التقاعدية دون انتقاص.

ضرورة إجراء تسوية مالية عادلة تعوض هؤلاء عن سنوات الحرمان التي تكبدوها نتيجة موقفهم الوطني.

إن المنشقين العسكريين لا يمثلون مجرد حالة فردية أو ظرفية، بل يشكلون ظاهرة وطنية متكاملة، عنوانها تقديم الضمير على الامتثال، والانحياز إلى الشعب في مواجهة الاستبداد. وهم، في غالبيتهم، لم يسعوا يومًا إلى سلطة أو موقع، بل دفعوا ثمن خياراتهم من حياتهم واستقرارهم ومستقبلهم.
ولعل أبسط ما يمكن أن يُقدَّم لهم اليوم، إلى جانب الإجراءات العملية، هو الاعتراف الصادق بأن تضحياتهم كانت في محلها، وأنها أسهمت في حفظ كرامة السوريين، وأن هذا الوطن، الذي انحازوا إليه في أصعب لحظاته، قادر أخيرًا على ردّ بعض الجميل لمن وقفوا في صفه.
وأنا كمواطن سوري أنحنى إجلالً وإكباراً أمام تضحيات الضباط وصف الضباط والافراد العسكريين المنشقين، وأؤكد لهم بأنه لا يوجد فعل يكافئ فعلهم علواً وسمواً، وأنهم مثال في الوطنية الخالصة التي يفتخر بها وبهم كل انسان محب لوطنه في هذا العالم.

  • Social Links:

Leave a Reply