سوريا: العناية التلطيفية

سوريا: العناية التلطيفية

مطيع اتاسي


سوريا اليوم ليست دولة تتعافى، بل مريضا وُضع على سرير العناية التلطيفية.
في هذا النوع من العناية لا يكون الهدف إنقاذ الجسد، بل تأخير النهاية، تخفيف الألم، وإبقاء المؤشرات الحيوية في الحد الأدنى الذي يسمح للجميع بتأجيل الاعتراف بالحقيقة. هذا هو بالضبط ما يجري معنا: لا مشروع دولة حقيقيا، لا عقدا وطنيا جديدا، لا اقتصادا قابلا للحياة، لا مؤسسات تخلق الثقة، بل فقط مسكنات سياسية، وجرعات دعم مشروط، وكلام كثير عن الاستقرار فيما الأساس كله يتآكل تحت الأقدام.
الانتقال من الأسد إلى الشرع قُدم بوصفه لحظة تاريخية، لكن المشكلة أن العنوان اللامع لا يصنع واقعا.
السلطة انتقلت، نعم. لكن هل انتقلت سوريا إلى دولة؟ هنا تكمن الكارثة. لأن ما نشهده ليس انتقالا من الاستبداد إلى الجمهورية، ولا من الخراب إلى البناء، بل من سلطة متوحشة إلى سلطة وظيفية. والسلطة الوظيفية لا تُقاس بما تبنيه للشعب، بل بما تؤديه للآخرين.
لهذا تكتسب تصريحات الخارج أهميتها الخطيرة.
حين يقول ترامب عن الشرع: “أنا من وضعته هناك أساسا”، فهو لا يطلق مجاملة عابرة، بل يكشف جوهر اللحظة السورية كما تراها القوة التي فتحت له الباب. وحين يدافع روبيو عن هذا الخيار بوصفه أفضل من سيناريو تفكك سوريا إلى أجزاء متعددة، فهو لا يمنح هذه السلطة شرعية وطنية، بل يمنحها شرعية وظيفية: أداة مناسبة لمنع فوضى أكبر من وجهة نظر واشنطن، لا مشروعا وطنيا ولد من إرادة السوريين. كما أن الانفتاح الأمريكي على دمشق اقترن رسميا بملفات منها كبح النفوذ الإيراني وبناء “سوريا مستقرة وسلمية”، أي أن معيار الدعم ليس إقامة دولة سورية بالمعنى العميق، بل تحقيق توازنات أمنية وسياسية إقليمية.
وهنا يجب أن نتوقف:
إذا كانت القوة الأعظم في العالم تتحدث بهذه الصراحة، فما الذي يبقى من أوهام السردية المحلية؟
هل نحن أمام دولة تصنع نفسها، أم أمام سلطة جاءت لأنها مناسبة لمهمة محددة؟
الجواب، للأسف، يزداد وضوحا يوما بعد يوم.
ثم يأتي كلام هاكان فيدان ليضيف طبقة أخرى من المعنى.
فتركيا، التي ترى أن أمنها متصل مباشرة بأمن سوريا، تنظر إلى ما يجري من زاوية أوسع بكثير من حدود دمشق. فيدان قال إن إسرائيل لا تستطيع العيش بلا عدو، وإن نتنياهو يسعى بعد إيران إلى إيجاد عدو جديد قد يكون تركيا، كما حذر من أن الهجمات الإسرائيلية على سوريا تمثل خطرا كبيرا على أنقرة، وشدد على ضرورة التزام دول المنطقة بسلامة أراضي بعضها وسيادتها وأمنها. هذا ليس كلاما هامشيا، بل إقرار من الحليف الأكثر التصاقا بالملف السوري بأن سوريا ليست خارج لعبة كبرى، وأن تركها رخوة من الداخل يعني تحويلها إلى ساحة مفتوحة لكل من يريد إعادة تشكيل المنطقة بالنار والفراغ.
لهذا فإن الحديث عن “العناية التلطيفية” ليس مبالغة أدبية، بل وصف سياسي دقيق.
سوريا تُعطى اليوم مسكنات لا علاجا.
زيارة هنا، ووعود هناك، ومستثمرون يصلون إلى المطارات أكثر مما يصل الاستثمار إلى الاقتصاد، وصور دبلوماسية أكثر مما تصل مؤسسات حقيقية إلى الأرض. والكل يتصرف كأن بقاء الجسد حيا لبضعة أشهر أو سنوات إضافية هو نجاح بحد ذاته، بينما الحقيقة أن الجسد نفسه يفقد مقومات الحياة يوما بعد يوم.
الدولة لا تقوم بالسيطرة الأمنية فقط، بل بالاقتصاد أولا.
ولذلك تبقى العبارة الأمريكية القديمة صحيحة هنا أكثر من أي مكان آخر: القضية في النهاية هي الاقتصاد. لا أحد يبني دولة من دون اقتصاد، ولا أحد يقنع الناس بالصبر من دون أفق معيشة، ولا أحد يجلب المستثمرين من دون قضاء وقوانين ومؤسسات وإدارة يمكن التنبؤ بها. الدولة التي لا تخلق ثقة في الغد لا يدخلها رأس المال، ولا يعود إليها المهاجرون، ولا يراهن عليها أبناؤها أنفسهم.
وهنا أصل المأساة مع السلطة الجديدة.
فبدلا من أن تفهم أن لحظة ما بعد الأسد هي لحظة بناء دولة جامعة، تصرفت وكأنها لحظة استيلاء طويل على الدولة.
أسرت الدولة داخل مشروعها، وخلطت بين الحكم والدعوة، وبين الإدارة العامة والهيمنة الأيديولوجية، وبين الشرعية الوطنية والتمكين التنظيمي. وحين ضاقت الموارد، لم تنتج اقتصادا جديدا، بل لجأت إلى الجباية ورفع الأسعار والبحث عن أي مورد يمكن عصره من مجتمع منهك أصلا. بهذا المعنى لم تتحول الدولة إلى حاضنة للسوريين، بل إلى عبء إضافي عليهم.
والنتيجة أن دائرة المتضررين لم تعد مقتصرة على الفئات التي كان متوقعا أن تصطدم مع السلطة الجديدة، كالدروز أو العلويين أو الأكراد، بل اتسعت لتشمل الفقراء والطبقة الوسطى، أي الكتلة التي لا يمكن لأي دولة أن تستقر من دونها. الدولة التي تكثر أعداءها الداخليين لا تحتاج إلى مؤامرة خارجية كي تسقط؛ يكفيها أن تستمر في إنتاج الظلم والقلق وانعدام الأمان.
لكن الأخطر من ذلك كله هو ما جرى في بنية المجتمع نفسه.
فما حدث في سوريا ليس فقط تغييرا في السلطة، بل انقلابا في ميزان القوى داخل الفضاء العام: انتصار للمجتمع الأهلي على المجتمع المدني.
حين يتسلم الشيوخ والمشايخ زمام المشهد، وتُقصى الأحزاب، وتُطوَّع النقابات، ويُخنق العمل المدني المستقل، فإن البلد لا يصبح أكثر تماسكا، بل أكثر هشاشة. لأن المجتمع المدني، بكل عيوبه ونقاشاته وصراعاته، هو أحد المصدات الأساسية التي تمنع الدولة من الانهيار الكامل أو من التحول إلى غنيمة. أما حين يُفرغ المجال العام من السياسة الحديثة ويُعاد تنظيمه بمنطق الجماعة والطائفة والزعامة والوصاية، فذلك يعني ببساطة أن سوريا تُسلَّم إلى ما قبل الدولة، لا إلى ما بعدها.
ولهذا يجب أن يقال الأمر بلا مجاملة:
ما دام الشيوخ والمشايخ يتسلمون زمام الأمور، فلن يأتي المستثمرون الحقيقيون.
قد تأتي وفود، وقد تُعقد لقاءات، وقد تُلتقط الصور، لكن المستثمر الذي يضع أمواله في بلد يريد وضوحا قانونيا، ومؤسسات مستقرة، وقضاء محترما، وإدارة لا تتبدل بحسب المزاج والولاء والرؤية العقائدية. المال لا يسكن في الضباب. والمال لا يدخل إلى دولة يشعر فيها أن القرار النهائي ليس للمؤسسة بل للحلقة المغلقة، وليس للقانون بل لموازين القوة والخطاب والتأويل.
والأمر نفسه ينطبق على المهجرين.
لن يعود أكثرهم بدافع الحنين وحده. سيعود فقط من ضاقت به السبل، من أُغلقت في وجهه المنافي، من لم يعد يملك خيارا آخر. أما من بقي لديه متنفس أو فرصة أو حد أدنى من الاستقرار في الخارج، فلن يعود إلى بلد لم يقدّم له بعد معنى الدولة، ولا ضمان الأمان، ولا أفق الحياة. العودة ليست قصيدة عاطفية، بل قرار عقلاني أيضا. والناس لا تعود إلى المجهول.
لهذا فإن المعركة اليوم ليست بين حكومة ومعارضة، ولا بين سلطة قديمة وسلطة جديدة فقط.
المعركة هي: هل تبقى سوريا فضاء مفتوحا ليتصرف بها الآخرون كما يشاؤون، أم يستعيد السوريون الداخل قبل أن يُستكمل رسم الخارج؟
فمن يملك الداخل لا يسقطه الخارج. أما البلد الذي يُفرغ من السياسة، ومن المجتمع المدني، ومن الثقة، ومن الاقتصاد، فهو بلد يصبح قابلا للتقسيم والتفكيك وإعادة الصياغة كل يوم، حتى لو بقي علمه مرفوعا وحدوده مرسومة على الخرائط.
ومع ذلك، لم يفت الأوان تماما.
بل إن الإصرار على أن الأوان قد فات هو جزء من الاستسلام نفسه.
كانت لحظة القبض على صاحب مجزرة التضامن لحظة نادرة أعادت التذكير بأن العدالة ما زالت ممكنة، وأن الدم السوري لا ينبغي أن يتحول إلى مادة للنسيان. لكن هذه اللحظة لا تكفي وحدها. كان يجب أن يترافق معها مسار واضح يضع أمام العدالة كل من شارك في مجازر الساحل والسويداء وشمال سوريا، وكل من تلطخت يداه بدم السوريين من أي جهة كان. لأن العدالة التي تنتقي، لا تشفي بل تزيد الجرح اتساعا.
ما نحتاجه الآن ليس مزيدا من المسكنات، بل انقلابا على منطق العناية التلطيفية نفسه.
نحتاج إلى حوار وطني صادق لا شكلي، إلى إعادة الاعتبار للسياسة لا للوصاية، إلى إطلاق المجتمع المدني لا خنقه، إلى فتح المجال للأحزاب والنقابات والقوى الحية، إلى جيش وطني لا شبكة ولاءات، وإلى دولة مؤسسات لا دولة جماعات. هذه ليست مطالب مثالية، بل شروط البقاء. لأن البديل عنها ليس “الواقعية”، بل السماح للآخرين بأن يقرروا متى وكيف وبأي صورة تُقسَّم سوريا أو تُفرَّغ أو تُستخدم.
سوريا اليوم أمام خيار قاس:
إما أن نعيد البوصلة إلى الداخل،
وإما أن نواصل النوم على سرير العناية التلطيفية حتى يأتي من يعلن وفاتنا السياسية والجغرافية بصيغة دبلوماسية مهذبة.

  • Social Links:

Leave a Reply