الأسوأ من الجريمة هو تبريرها

الأسوأ من الجريمة هو تبريرها

ياسر الددو


ما يجري اليوم في سوريا من حديث عن اختطاف فتيات أو تبرير هذه الجرائم أو محاولة تغليفها بخطاب ديني أو اجتماعي هو أمر خطير يهدد ما تبقى من ثقة الناس بفكرة الدولة والعدالة بعد سنوات طويلة من القهر والاستبداد. السوريون لم يخرجوا ضد الظلم ليُستبدل ظلم بآخر، ولا لكي تتحول حياة الناس وكرامتهم إلى مادة للتبرير أو المزايدات أو التحريض.
إن أخطر ما في هذه الظواهر ليس الجريمة نفسها فقط، بل محاولة بعض الأصوات تحويلها إلى أمر “مقبول” أو “مبرر” أو حتى “مشروع”. حين يبدأ المجتمع بالتسامح مع انتهاك حرية النساء وأمنهن، فهذا يعني أن فكرة القانون نفسها تتآكل، وأننا نعود إلى منطق العصابات بدل منطق الدولة.
لا أحد يملك تفويضًا للدفاع باسم الله أو الدين عن الخطف أو الإهانة أو الاعتداء على البشر. الدين لا يحمي المجرمين، ولا يمنح أحدًا حصانة أخلاقية كي يبرر الظلم. وكل خطاب يشجع على الكراهية أو يبرر الاعتداء تحت أي ذريعة هو مشاركة غير مباشرة في الجريمة، حتى لو جاء على شكل منشور أو تعليق أو تحريض إعلامي.
بعد سقوط أي نظام استبدادي، تمر الدول بمرحلة حساسة جدًا، حيث تظهر الفوضى ومحاولات فرض النفوذ واستغلال غياب المؤسسات. لكن نجاح المرحلة الجديدة يقاس بقدرة الدولة على حماية الناس، خصوصًا النساء والأطفال والفئات الأضعف، لا بالشعارات ولا بالخطب. لذلك فإن مسؤولية الحكومة اليوم ليست فقط إصدار بيانات، بل التحرك السريع والشفاف:
ملاحقة أي جهة متورطة بالخطف أو التهديد أو التستر.
إعلان نتائج التحقيقات للرأي العام.
منع خطاب التحريض والكراهية.
فرض سلطة القانون على الجميع دون استثناء.
حماية النساء وضمان شعورهن بالأمان في الشارع والعمل والتعليم.
نحن في عام 2026، والعالم كله تغيّر. لا يمكن بناء سوريا الجديدة بعقلية الخوف والتبرير والتخوين. سوريا التي حلم بها الناس هي دولة قانون وكرامة، لا دولة خوف جديدة بوجوه مختلفة. وأي سكوت عن هذه الانتهاكات اليوم سيفتح الباب لانهيارات أكبر غدًا.
السوريون دفعوا ثمنًا هائلًا من الدم والتهجير حتى يصلوا إلى لحظة يستطيع فيها الإنسان أن يعيش حرًا وآمنًا. ومن المؤلم أن يشعر الناس اليوم بأن بعض القيم الأساسية — كأمان النساء وحرمة الإنسان — أصبحت موضع نقاش أو مساومة. حماية المجتمع لا تكون بالصمت، بل برفض الظلم أيا كان مصدره، والتمسك بأن العدالة لا تتجزأ، وأن كرامة الإنسان فوق كل الولاءات والانقسامات.

  • Social Links:

Leave a Reply