مشروع إعادة بناء الماركسية

مشروع إعادة بناء الماركسية

مايكل بوراووي

الجزء الاول
مشروع إعادة بناء الماركسية : الموجات الثلاث للماركسية . التفكير في الرأسمالية بعد كارل بولاني ( Karl Polanyi)لعالم الاجتماع البريطاني: ميكائيل بوراووي(Michael Burawoy) محاضرة تلقيت في جامعة باريس
( الحلقة الأولى)
تقديم : حسن الصعيب
من هو مايكل بورواي : عالم اجتماع بريطاني، أستاذ جامعي بجامعة بركلي بكاليفورنيا توفي في حادثة سير سنة 2025 أثناء عبوره الشارع، طور تصورا لعلم الاجتماع العام مستلهما من الماركسية ، وقد أطلق عليه قيد حياته” علم الاجتماع العام” ترأس جمعية علم الاجتماع العالمية
ملخص المحاضرة:
في الفصل الأخير من كتاب الماركسية الاجتماعية، يقوم عالم الاجتماع بوراووي بفحص تاريخي لمختلف القراءات الماركسية، يشير في البداية إلى إحيائها من قبل ماركسية برزت في نهاية الستينيات كرد فعل ضد ماركسية مسفيثة، لكنها لم تستمر، بسبب الانتكاسة التي تعرض لها الثوار بسبب القمع والديكتاتورية وأصولية السوق، ثم يسرد ثلاثة وجهات النظر التي جاءت كرد فعل على انهيار الاتحاد السوفياتي وتحول الصين نحو السوق ؛ فهناك القراءة المتطرفة التي تعلن عن وفاة الماركسية، والرؤية الأصولية التي تتعامل مع الماركسية كنظرية مكتملة ونهائية، دون التساؤل عن اشتراطات التاريخ ، حيث يبدو هؤلاء الماركسيون لا زمانيون، وهؤلاء يقدمون خدمات جليلة لأعدائهم من خلال إظهار الحماسة الدينية في منشورات لا علاقة لها بالواقع، مثل الذين يكتشفون نصوصا مقدسة في أعمال ماركس وأنجلز؛ لم يعم أيضا تلاميذ لينين، بليخانوف، تروتسكي، بوخارين، لوكسمبورغ، كاوتسكي، لوكاش، غرامشي، فانون، أمين، ماو, سوى تلميع كتاباتهم الأصلية، لاينظرون إلى روايات ماركس وأنجلز في سياقها التاريخي: لا يعتبرونها كائنات غير معصومة من الخطأ، وأن أفكارهم لها طابع تارخي، يقدمونها على أنها السيد المسيح وبالتالي كمصادر الحقيقة الأبدية، من وجهة نظرهم المؤسسون لا يمكن أن يخطؤوا. هناك نهج ثالث يرفض كليهما لدفن الماركسيةوجعل من ماركس وأنجلز ولينين أنبياء، كان أكثرهم دقة في العلوم الاجتماعية وما بعدها، قد خصصت ما تعتبره ماركسية قابلة للاستعادة في الفكر الماركسي، مثل تحليل قوة العلاقة للرأسمالية، مفاهيم الاستغلال، والصراع الطبقي، فكرة التراكم البدائي، مفاهيم الاديولوجيا والدولة، غالبا ما تجمع أفكار ماركس والماركسية مع منظرين اجتماعيين آخرين: ماكس ويبر، دوركايم، فوكو، بورديو.
كان هؤلاء المنظرون أنفسهم قد أدرجوا العديد من المفاهيم الماركسية ، وغالبًا ما كانوا غير مدركين لديونهم وحتى عندما أعربوا عن عدائهم للماركسية. الماركسيون الجدد يتعاملون مع الماركسية مثل متجر، ياخذون ما يرضيهم ويمتنعون عن أخذ ما لايرضيهم إنهم لا يترددون في رفض ما هو ليس أكثر حداثة.
النهج الرابع الذي يدافع عنه هو اعتبار الماركسية تقليد حي، الذي يجب أن يتجدد ويعيد بناء نفسه مع العالم الذي يصف ويسعى إلى تغييره. في جوهر الماركسية توجد فكرة – المعتقدات العلم و الاديولوجيا- تتغير بالضرورة مع المجتمع. بينما يتغير العالم مساره يجب على الماركسية أن تفعل الشيئ نفسه، لتعكس تنوع الهياكل الاجتماعية والاقتصادية والموروثات التاريخية، ومع ذلك لا يمكن للماركسية ببساطة التمسك فقط بانعكاس العالم، يجب أيضا أن تبحث عن تغييره.لكن تغيير العالم يفترض نظرية تركيبية التي تتكيف مع الزمن والمكان. إذا كانت الماركسية تقليد دائم التطور، تتقاسمها التيارات المختلفة التي تنتمي إلى نفس التقليد؟ ما الذي يجعل من الماركسية ماركسية؟ ما هو جوهرها المستقل؟ مهما كانت الفترة ومهما كان الإطار الوطني؟ هل تشترك جميع فروع الماركسية؟ إذا نحن اعتبرنا التقليد الماركسي شجرة التي لا تكف عن التطور، كيف ستكون جذورها، و جدوعها و فروعها؟ الجذور هي حركة متشابكة من أربع افتراضات اساسية: المادية التاريخية كما جاء في مقدمة نقد الاقتصاد السياسي، منطلقات التاريخ كما هي مصاغة في الايديولوجيا الالمانية، وجود مفاهيم الطبيعة في 1844، والعلاقة بين النظرية والممارسة المحددة في اطروحات حول فيورباخ. جدع الماركسية هو نظرية الرأسمالية المحددة في الكتب الثلاثة لرأسمال، والمراجعة من قبل ورثة الماركسية في غضون قرن ونصف، ثم هناك فروع الماركسية المتعاقبة: الماركسية الالمانية، الماركسية الروسية السوفياتية، الماركسية الغربية، ماركسية العالم الثالث. بعض الفروع ماتت بالفعل، والبعض الآخر بات يحتضر، ولا يزال البعض الآخر يزدهر. كل فرع ينشأ من إعادة بناء الماركسيةخاص به، تستجيب للظروف التاريخيةالنوعية. نشأت الماركسية الالمانية للجواب على الميولات الإصلاحية في الحركة الاشتراكية في ألمانيا ما بين 1890-1920 في مواجهة رأسمالية بدت قادرة على امتصاص الأزمات التي احدثتها، الماركسية الروسية ولدت من معضلات التنمية غير المتكافئة والمشاركة للرأسمالية على نطاق عالمي، والنضال من أجل الاشتراكية في بلد واحد، الماركسية الغربية كانت ردا على الماركسية السوفياتية والفاشية وفشل الثورة في الغرب، اخيرا ماركسية العالم الثالث ضد التخلف والاستعمار وما بعد الاستعمار، من خلال فحص هذه الشجرة نرى أن الماركسية كانت قادرة لتبدأ كمشروع صغير الحجم وناجح وذلك لربط الناس عبر الحدود الوطنية، فكر في الاممية الاولى، حققت دعما شعبيا ، ارتبطت الماركسية الكلاسيكية بالقضايا السياسية الوطنية( الروسية، الالمانية، والفرنسية وغيرها) ثم إلى القضايا الاقليمية- الماركسية السوفياتية، والغربية وعالم ثالثية. ماهو حجم الماركسية اليوم؟ ولو أن قاعدتها الشعبية تقلصت، يمكن القول إن الماركسية لم تعد بإمكانها التمسك بالقضايا
المحلية أو الوطنية أو الإقليمية. يجب أن تحتضن القضايا العالمية والتي تؤثر على الكوكب باسره، من أجل إعادة بناء الماركسية على الصعيد العالمي، يجب أن نعطي أهمية جديدة لفئة السوق. لا ينبغي النظر فيه من زاوية التمديد الوحيدةجغرافيا( لأن الأسواق كانت دائما على البعيدين العالمي والمحلي) ولا حتى لهيمنة الليبرالية الجديدة( طالما كانت الأسواق مصنوعة دائما من فترات التمدد والانكماش) ولكن النظر إلى الطرق جديدة للتسليع. باختصار كانت هناك ثلاث موجات اجتاحت العالم: الأولى تغطي القرن 19 كله، الثانية بعد الحرب العالمية الأولى والثالثة في أواسط 70.كل مرحلة من التسليع مرتبطة بقوة إنتاج معينة، وهي على التوالي العمل والمال والطبيعة، هذه هي الكيانات التي وصفها كارل بولاني كسلع وهمية، أي تفقد قيمتها عندما يتم استخدامها كسلع، لذلك عند العمل يتم المتاجرة بها دون قيود، وتفقد قيمتها من الاستخدام، لا يمكن أن تكون منتجة، عندما لا تكون العملة موضوع التبادل غير المنظم، تصبح قيمتها متقلبة مع إفلاس الشركات، وتحويل الطبيعة إلى سلعة تدمر وسائل عيشنا- الهواء الذي نتنفس، الماء الذي نشرب، الأرض التي نزرعها، الأجساد التي نسكنها.
كل موجة من التسليع تولد حركة مضادةقائمة على مجموعة متميزة( حقوق العمل، الحقوق الاجتماعية وحقوق الانسان) ومنظمة على نطاق يتسع بشكل متزايد، محلي ووطني واحتمالا عالميا، تتوافق كل مرحلة معاكسة تكوين مميز للماركسية: الماركسية الكلاسيكية تأسست على أساس تحرر يوتوبيا اقتصادية أو المدينة الفاضلة، الماركسية السوفياتية ، الماركسية العالم الثالث والغربية على أساس تنظيم الدولة، والماركسية الاجتماعية القائمة على توسيع المجتمع المدني والتنظيم الذاتي.
تمرحل الماركسية يمكن أن يحال على تمرحل الرأسمالية، لكن هذا التمرحل لا يكفي ان يظهر في ضوء حاضر دائما متجدد. يعطي التاريخ معنى في الحاضرمكتشفا استمراريته مع ماضي والطريقة التي يبرز من خلالها، حدد ماركس فترة واحدة للرأسمالية، لينين فترتين، ارنست مانزل حدد ثلاثة فترات. أرى هذه الفترات على أساس السوق أكثر من الانتاج، كأبرز تجربة معاصرة. في هذا السياق أعارض التأكيد الماركسي التقليدي الذي يجعل من الإنتاج هو أساس معارضة الرأسمالية. ليس هذا الموقف أكثر قابلية للدفاع عنه، لأن الإنتاج هو المكان الذي تتم فيه الموافقة على الرأسمالية، وبسبب مواجهة الإنتاج العالمي لفائض عمل السكان ، يصبح الاستغلال امتيازا ثمينا لحفنة من المالكين. يظل مفهوم الاستغلال بالمعنى الضيق مفهوما مركزيا في ديناميكية تراكم رأس المال ، ولكن بشكل أكثر في تجربة السكان المسيطر عليهم. في التحليل الماركسي تظهر تجربة السوق على شكل” فتشيية السلعة” التي تموه” عرين الإنتاج السري” لكنها أبعد من ذلك بكثير ، فهي تشكل أبعاد متعددة من الوجود البشري.

  • Social Links:

Leave a Reply