ماركسية الموجة الثالثة ( الجزء الرابع)

ماركسية الموجة الثالثة ( الجزء الرابع)


مايكل بوراوي

Michael Buroway
تصورت ماركسية الموجة الثانية بناء الاشتراكية الفعلية انطلاقا من الاقتصاد المنظم من طرف الدولة، الأمر الذي يمكن أن يأخذ عدة أشكال، من الديمقراطية الاجتماعية إلى التخطيط السوفياتي، مرورا بالاشتراكية الأفريقية والحكم الذاتي اليوغسلافي. وحيث الأسواق لم يتم رفضها فقد تم النظر إليها كشيئ مكمل للمشروع الاشتراكي. وفقا ل Johan Boukman كان الطموح الأساسي للاقتصاد الكلاسيكي هو دمج الأسواق في المشروع الاشتراكي، سواء من أجل حل مشاكل الأسعار في الاقتصاد المخطط، أو بهدف تنظيم الاقتصادات ذاتية الإدارة. لم يضع الاقتصاد النيوكلاسيكي نفسه في خدمة الرأسمالية إلا حديثا، خلال الموجة الثالثة من التسليع، مما يطرح من جديد التساؤل عن معنى الاشتراكية.
إذا افترضت الماركسية الكلاسيكية التدمير الذاتي لنمط الإنتاج الرأسمالي، متوقعة بدونه تحديد اليوتوبيا الشيوعية القادمة، وإذا كانت الماركسية السوفياتية قد خدمت الاديولوجية الرسمية لاشتراكية الدولة القائمة بالفعل، فإن ماركسية الموجة الثالثة، لا تكمن مصلحتها الرئيسية ، في الاقتصاد، ولا في الدولة، ولكن في المجتمع المدني. نركز في هذا المنظور ماركسية الموجة الثانية لغرامشي، الذي أول من فكر في المجتمع المدني كمساحة مؤسسية منفصلة، ولكنها مرتبطة بالدولة والاقتصاد. كانت كتابات لينين عند نقطة التحول بين ماركسيتي الموجة الأولى والموجة الثانية، ونفس الشيئ ينطبق على غرامشي بين الموجة الثانية والموجة الثالثة، من هنا أهميتها المستمرة. جاءت العديد من مقترحات غرامشي معارضة
للماركسية السوفياتية، مثمنا الدور المركزي للمجتمع المدني من أجل ماركسية الموجة الثالثة. إن اهتمام غرامشي بالعلاقة بين الدولة والمجتمع المدني يخضع لتقييد شديد ، والجذير أيضا بالاهتمام، إضافة الدور الذي يوليه بولاني للعلاقة بين السوق والمجتمع.
على عكس غرامشي وبولاني وفانون، تفكر ماركسية الموجة الثالثة في المجتمع المدني على الصعيدين الدولي والوطني- مجتمع مدني يدافع عن الإنسانية ضد تكاتر الكوارت البيئية على الصعيد العالمي. إن تسليع الطبيعة التي تتخذ شكل خوصصة المياه، الأرض أو الهواء، يولد أزمات تؤثر على الكوكب كله. سيكون القليل من أفضل الآخرين على المدى القصير من النجاة من الزلازل والأعاصير والفياضانات، ولكن في النهاية سينتهي الأمر بمعاناة الجميع، كما كان الحال مع تشرنوبل، أو كما يمكن أن نتوقع من الآثار الكارتية. للاحتباس الحراري. هذه الكوارتز تتطلب حلولا عالمية التي تحمي أسس الوجود البشري، الأمر الذي يفرض وضع حد لأسلوب الإنتاج الرأسمالي والتدمير المنهجي للبيئة التي ينغمس فيها السعي الحميم وراء الربح. خلال هذه الموجة الثالثة، فتسليع الطبيعة يمثل تهديدا جديدا للبشرية، لكنها تتعايش مع إعادة تسليع للعمل، كما يتضح من خلال تطوير العمل غير الرسمي” الاستغلال المرن” ، الهشاشة، ومع أشكال جديدة من تسليع المال، كا شاهدنا ذلك في أزمة السنوات التسعينيات التي أدت إلى الأزمة المالية لسنة 2008. إن إنقاذ رأس المال المالي لم يوقف تسليع المال، بل ساهم في تعزيزه.
إن انهيار اشراكية الدولة في أوروبا الوسطى وأوروبا الشرقية في سنة 1989، والاتحاد السوفياتي سنة 1991، كان في جزء منه نتاج الموجة الثالثة من التسليع. لكن هذا الانهيار عزز في نفس الوقت هذه الموجة الثالثة، مما أعطاها دفعة جديدة وتشويه سمعة أي بديل لتفوق السوق. في الاتحاد السوفياتي، بدت إمكانية اقتصاد السوق أكثر أهمية من اشتراكية الدولة التي كانت هشة و أضعفتها التناقضات الداخلية، كانت دائما تسعى للحاق بالرأسمالية، أتبثت الاشتراكية السوفياتية أنها غير قادرة للحفاظ على اقتصاد ديناميكي، مما تسبب في سقوطه. مع ذلك في فترة وجوده، أنجب النظام السوفياتي بدائل تحت شكل من أشكال الاشتراكية الديمقراطية المبنية من الأسفل- التعاونيات في المجر، حركة التضامن في بولونيا، ازدهار المجتمع المدني في عهد البيروسترويكا في الاتحاد السوفياتي. هذه الاشتراكية من أسفل كانت تنهض على فكرة التنظيم الذاتي الجماعي للمجتمع.
اشتراكية الموجة الثالثة للتسليع لا تنبثق من قطيعة كارتية مع الماضي، كما اعتقدت الماركسية الكلاسيكية، ولا اشتراكية من الفوق تروج لها الدولة، ولكن من خلال التحول الجزئي للمجتمع المدني، عن طريق بناء ما يسميه Erik Olin Wright باليوتوبيا الحقيقية- بدائل على المستوى المحلي مثل التعاونيات والميزانيات التشاركية أو الأجر الشامل، الأمر الذي يثير التساؤل من ناحية، حول استبداد السوق، وتنظيم الدولة من ناحية ثانية.
إن دور هذه الماركسية الاجتماعية هو تطوير يوتوبيات الملموسة التي نجدها في الأشكال الجنينية في جميع أنحاء العالم. يتناول التحليل شروط وجودها، تناقضاتها الداخلية، ثم إمكانية تسويقها. منذ ذلك الحين، تحافظ الماركسية الاجتماعية على فكرة إيجاد بديل عن الرأسمالية، بديل لا يلغي، لا الأسواق، ولا الدول، بل يخضعهما للتنظيم الذاتي الجماعي للمجتمع.
تعني الطريقة المستخدمة من قبل كل من موجات الماركسية ، علاقات مختلفة بين النظرية والممارسة.
بالنسبة للماركسية الكلاسيكية تملي النظرية على الممارسة مايلي: النظرية أسست الانهيار الحتمي للرأسمالية وبروز الاشتراكية، بحيث كان يكفي للممارسة معرفة مكان واحد كان على طول هذا المسار التاريخي. أما الماركسية السوفياتية تملي النظرية في الممارسة- البقاء القومي مهما كلف الثمن-
كانت الماركسية هي الاديولوجيا محجبة بشكل رقيق من دولة الحزب الحاكم. ماركسية علم الاجتماع تتخلى عن اليقين النظري والضرورات العملية لصالح البحث عن توازن أو حوار بين النظرية والتطبيق. ليس الهدف فقط هو تغيير العالم مرة واحدة كما نفهمه، ولكن من أجل تغييره لنفهمه بشكل أفضل. نذهب بحثا عن يوتوبيا حقيقية التي يمكن أن تحفز الخيال الجماعي، ولكن لفحص أيضا تعميماته الممكنة.
إذا كانت الماركسية الكلاسيكية تعرض عالمية مؤسسة على أساس قوانين التاريخ الزائفة، وإذا كانت الماركسية السوفياتية تعرض عالمية مؤسسة على نظام دكتاتورية مفردة، فالماركسية الاجتماعية لا تقدم أية ضمانة، بل تقدم بحثا وإعادة بناء بشكل مستمر، متبلورة انطلاقا من الملموس بمساعدة التجريد.

  • Social Links:

Leave a Reply