«وزع شكلاطة وطعمينا »

«وزع شكلاطة وطعمينا »

ماركو علبي

في الوقت الذي تظهر به صورٌ براقة واحتفالات وحديثٌ عن المليارات، تزداد الكثير من الخدمات الأساسية تدهوراً في مُدنٍ كبرى كحلب وإدلب وحمص ودير الزور والرقة، وفي دمشق ليس الوضع وردياً، كما تزدادُ الكلفة ارتفاعاً على المواطنين، لتتهالك قدرتهم الشرائية أكثر، وترتفعُ أسعار المحروقات والخبز والمواصلات، ويتعمق الركود في الأسواق السورية بفعل السياساتين النقدية والمالية المتشددتين واللتان فشلتا حتى في تحقيق الهدف السياسيّ الشعبوي للسلطة منهما! (تثبيت سعر الصرف)

في الرسم البياني المرفق نسبة التضخم السنوي (26.4%) في آذار 2025/2026، المُلفت أن المواطنين السوريين منذ سنة 2021 وبحسبة بسيطة للتضخم التراكمي خسروا ≈818% من قدرتهم الشرائية. ولاحظوا أننا نتحدث عن آذار، أي قبل رفع المحروقات والخبز والتضخم الإضافي الناتج عن ذلك!

وبحساب فوارق سعر الصرف التي تبخرت، والتي اعتبر رأس السلطة أن الرواتب والأجور في القطاع العام ازدادت على أساسها بنسبة 500%، وبعد فشل السلطة في إيجاد التمويل حتى الآن لزيادة الـ50% الموعودة، فإن التضخم يسير بخطىً ثابتة ليأكل المواطنين، كما يسير دخل المواطنين بخطىً ثابتةٍ أيضأً في الحضيض، ولا أحد يناقش! نقابة واحدة لم تستنكر!

وعلى هذا الأساس، دخلُ المواطنين قبل سنتين (20 دولار) أكثر 5 مرات كفاية من دخلهم الحالي (70 دولار) باحتساب السلع المدعومة رغم ضعف الوفرة، وباحتساب ارتفاع تكاليف العيش الأساسية. مع العلم أن معظم المواطنين السوريين ليسوا موظفين في القطاع العام أصلاً.

هذا التدهور المرعب في أي دولةٍ بالعالم، وبالذات، في الدول الخارجة من نزاعات، والحالة الأمنية فيها شديدة الهشاشة، يجب أن تدق كل نواقيس الخطر!

لا شك لدي في أن الجريمة خلال الأشهر المقبلة ستضرب معدلاتٍ قياسية غير مسبوقة، ولا شك لدي أيضاً أن الناتج عن الجريمة هو الجريمة المنظمة (بالتالي: مخدرات، سلاح، إتجار بالبشر…) وما ينتج عن الجريمة المنظمة هو استعداد المجتمع بعد ذلك لتفجير المشهد برمته. الكوارث من هذا النوع لا تنفجر بعد فاتورة كهرباء أو بضعة قرارات، بل هي ككرة ثلج تتدحرج إلى أن تجرف كل شيءٍ في طريقها.

لا يوجد مستثمر لا محلي ولا أجنبي سيأتي ليستثمر في بلدٍ كهذا، الإمارات وعدت تركيا باستثماراتٍ بقيمة 50 مليار دولار عام 2022 كما أذكر، ولم تصل تلك الاستثمارات حتى الآن حاجز 400 مليون دولار! وتلك تركيا الجاهزة، لا سوريا التي نتحدث عنها هنا!!

كما من الواضح أننا اليوم في نهاية الربع الثاني من السنة، ولم يُصرف من الموازنة الموعودة (+10 مليارات دولار) ولا حتى 20% من المبلغ لعدم توافر السيولة لتغطية الموازنة نفسها، لا العجز فيها! وهذا واضحٌ وضوح الشمس، وهذا ما يقود السلطة الآن للجباية من المواطنين بجنون! وسيقودها إلى مزيد من الجباية بالأيام القادمة، أسعار الاتصالات سترتفع بشكل هائل خلال الأشهر المقبلة، ولا أستبعد أن ترتفع أسعار المحروقات وتزيد الضرائب الاستهلاكية والرسوم مراتٍ أخرى!

هذا النموذج سيفشل فشلاً ذريعاً، إن لم يفهم السوريون أن لا بديل لهم من الاعتماد على أنفسهم لبناء اقتصادهم، وذلك بإصلاح جهاز الدولة لا تبديل وزراء التكنوقراط بآخرين من هتش شهادتهم الأهم: أن لا إله إلا الله، ثم بتطوير سياسات تحفز الإنتاج، تعيد للزراعة اعتبارها، تعيد للصناعة اعتبارها، تستثمر في ما فاتنا من تقنيات وما هو آتٍ بشكلٍ لا يحرق المراحل، وتبني شبكة حماية اجتماعية حقيقية لا تقوم على الصدقات السياسية ولا على الإحسان، بل على مفهوم المواطنة والحق الاقتصادي.

فلا يمكن لأي اقتصاد أن يستقر ويكون جاذباً للاستثمار، بينما أغلبية السكان تعيش في حالة قلق دائم على الخبز والدواء والكهرباء والمواصلات، فأي رجل أعمال قبل أن يستثمر استراتيجياً في أي مكانٍ من العالم ينظرُ إلى نصيب الفرد من الدخل القومي الإجمالي، مع حساب المخاطر في بيئة كالسورية، ما رأيكم؟ هل سيستثمر؟

لذلك، فإن أي مشروع في سوريا ذا طابعٍ ريعي (تطوير عقاري/سياحة وضيافة) هي مشاريع ليست للسوريين ولن تعود عليهم بشيء.

المشكلة ليست فقط في نقص الموارد، فسوريا رغم كل شيء ما تزال تملك موارد بشرية وزراعية وموقعاً جغرافياً مهماً، بل في طريقة إدارة الاقتصاد نفسها؛ اقتصادٌ يُدار بمنطق الجباية السريعة، وتخفيض الإنفاق العام إلى الحد الأدنى، ورفع الأسعار على الناس، مع غياب شبه كامل للرؤية الإنتاجية طويلة الأمد. وكأن المطلوب من المجتمع أن يتحمل وحده كلفة الانهيار، بينما تُباع له أوهام «الاستثمارات القادمة» و«الانفراج القريب». هذا لن أدفع ثمنه أنا، أنا هنا أحذر فقط، فمن سيدفع الفاتورة هم المواطنون، ثم ستدفع السلطة الثمن السياسي بقسوة! فإن كان منكم من يريدُ خيراً بها، فعليه أن يعتبر.

(تقرير التضخم الهيكلي/آذار 2026 من المركز السوري لبحوث السياسات في التعليق الأول)

  • Social Links:

Leave a Reply