الاستهلال

الاستهلال

د شهد صالحة

بعد خمسين عاما من محاولات الأسد الحثيثة لـ «علونة» السّياسة والمجتمع السّوريّ وصهر الدّولة في بوتقة طائفيّة ضيّقة، برز الجولانيّ ليمارس «الأدلبة» كفعل مواز ومناقض في القشرة، لكنّه مطابق تماما في المنهج الاستبداديّ العميق وتلويث السّوريّين هويّة وتاريخا وحاضرا. ففي دراسة «أنطولوجيا الاستلاب» السّوريّ، يظهر أنّ تلوّث الإنسان السّوريّ الّذي حمل السّلاح لم يقتصر عليه كضحيّة مباشرة، بل امتدّ ليطال «الحواضن الشّعبيّة» الّتي استخدمت كدروع بشريّة وأدوات وظيفيّة لتثبيت عروش الطّغاة.
لقد اشتغل نظام الأسد منذ عهد الأب على ترسيخ «العلويّة السّياسيّة»، لا لتمكين العلويّين كذوات إنسانيّة، بل لرهن وجودهم البيولوجيّ بكرسيّ الحكم؛ واليوم، يكرّر الجولانيّ ذات المنهج الاستبداديّ عبر استغلال «الحاضنة السّنّيّة» وتحويل غوغائها إلى مبرّرات لوجوده كذراع إقليميّ يأتمر بأمر القوى الخارجيّة تحت مسمّيات طنّانة مثل «أسد السّنّة».
لقد استغلّ النّظام الأب حالة العوز الاجتماعيّ والاقتصاديّ للمكوّن العلويّ، الّذي لم يكن يملك ثقل دمشق الماليّ ولا عراقة حلب التّجاريّة، فقدّم لهم «الولاء المطلق» كبديل مشوّه عن الهويّة الوطنيّة. وعبر سياسات التّجهيل الممنهج، تمّ إقناع الفقير العلويّ بأنّ بندقيّته في خدمة السّيّد هي الضّمان الوحيد لاستمرار حياته، واضعا إيّاه أمام معادلة صفريّة: «اقتل الآخر، فبقاؤه فناؤك». هذا العقد الدّمويّ لم يكن دفاعا عن عقيدة، بل كان فخّا تاريخيّا أجبر الطّائفة على انخراط جعل العودة إلى النّسيج الوطنيّ تبدو مستحيلة.
والمفارقة التّراجيديّة تكمن في «الخذلان الكبير»؛ فبعد أن تبدّلت موازين القوى، وجد هؤلاء الفقراء أنفسهم في عراء الفقر والمقابر، ضحايا لمشروع سلطويّ استهلك دماءهم وتركهم لمصيرهم المظلم. لقد سقطوا في معركة النّقاء الجمعيّ من أدران المعارف الملوّثة، وفي ذات المشهد الملوّث، تبرز «الجولانيّة» كنسخة سنّيّة مكرّرة، تحتمي بالحاضنة السّنّيّة عبر العاطفة الطّائفيّة والارتهان للمشروع «الأردوغانيّ» الخارجيّ.
إنّ الغوغاء الّذين يبرّرون وجود الجولانيّ يقعون في ذات الفخّ الّذي سقط فيه فقراء العلويّين سابقا، حيث يحوّل المكوّن السّنّيّ من حامل وطنيّ جامع إلى «فصائليّة وظيفيّة» تخدم أجندات إقليميّة. إنّ ما يجمع العلويّة السّياسيّة بالسّنّيّة الجولانيّة، ومعهما الدّرزيّة الهجريّة والقسديّة الكرديّة، هو «وحدة المنهج في تلوّث الولاء» واغتيال الانتماء السّوريّ الجامع؛ فكلّ هذه المنظومات تعتاش على خلق العدوّ الوهميّ لتحويل الفقراء من كلّ المكوّنات إلى وقود لمعارك استنزافيّة لا ناقة لهم فيها ولا جمل.
إذا قد يصل التّلوّث إلى ذروته الوجوديّة حين ينجح أيّ نظام – بمختلف تجلّياته السّلطويّة—في تحويل المجتمع إلى «رادارات» بشريّة تراقب بعضها البعض؛ حيث يغرق النّاس في دوّامات الجدل حول «التّكفير» ومعايير «الحشمة» القشريّة، بينما تتركّز الثّروة والقوّة في يد فئة قليلة تتقن فنّ «العفّة السّينمائيّة» أمام الكاميرات، وتغرق في ترف السّلطة الفاحش خلف السّتائر.
هذا هو المختبر الحقيقيّ الّذي ينتج «الكائن الهلاميّ»؛ ذاك الكائن الفاقد للهيكل المعرفيّ الصّلب، الّذي يلوك لغة العلوم ويستعرض الفصاحة، لكنّه يتحوّل إلى ضبع ينهش شرف الآخرين وسمعتهم بمجرّد إشارة من سيّده. إنّه إنسان «تلوّث» حتّى النّخاع، لأنّه رضي أن يكون «طبلة» في جوقة السّلطة وشرطيّا متطوّعا لقمع الوعي، ليقتات في النّهاية على فتات الموائد الملطخة بدماء الحقيقة.
إنّ الإهمال المتعمّد لعلوم البناء والتّعمير والاتّصالات في الجامعات المحدثة لم يكن إلّا إمعانا في تجريف ممنهج للمستقبل؛ فالعقل النّقديّ لا النّقليّ يمتلك بطبعه أدوات الاستقلال الفكريّ والمادّيّ، أمّا خرّيج المعاهد الشّرعيّة المشبوهة، فهو يدين بوجوده ومكانته الاعتباريّة للجهة الّتي منحته الرّتبة، ممّا يجعله جنديّا وفيّا في جيش «التّدغيم المعرفيّ» وسدّا منيعا ضدّ التّغيير.
ومع كفره بالفلسفة والتّفكير النّقديّ فهو عاجز تماما عن إنتاج المعرفة أو استقصاء العفن المعرفيّ، كيف لا وهو غارق فيه. ففي ظلّ هذا المناخ المختنق، يجد السّوريّ النّقيّ -امرأة كان أم رجلا- نفسه بين مطرقة الاستبداد القديم وسندان «الاستحقاقيّة» الجديدة، حيث يرى هؤلاء الرّجال – الّذين لم يبلغوا مكانتهم بالكفاءة، بل بالولاء الأيديولوجيّ – في الكفاءة المعرفيّة تهديدا وجوديّا لسلطتهم الزّائفة.
لذا، يمارسون ضدّها تعنّتا شديدا وتحجيما ممنهجا، محاولين تغييبها خلف فتاوى عساكر الصّدفة لتسليع وجودها أو شطبه من الفضاء العامّ. إنّ هذا الإقصاء المتعمّد للصّفّ الأوّل من الكفاءات السّوريّة هو محاكاة دقيقة لما فعله نظام البعث حين ملأ مفاصل الدّولة بولاءات طائفيّة عمياء؛ فالكفء بطبعه لا يمكن أن يكون ببّغاء، والجولانيّ اليوم يعيد إنتاج ذات المسخ التّاريخيّ بلبوس مختلف، محوّلا الجغرافيا إلى مختبر لإنتاج إنسان «مهجّن» أيديولوجيّا، لا يملك من أمره شيئا سوى السّمع والطّاعة في معبد الولاء الجديد.
إنّ «الأدلبة» بهذا المعنى هي الوجه الآخر لـ «العلونة»؛ كلاهما يسعى بضراوة لإلغاء «سوريّة الجامعة» واغتيال «عنفوان دمشق» التّاريخيّ، عبر تغذية صراع هويّات مفتعل يخدم بقاء المستبدّين على ضفّتي النّزاع. وبينما ينشغل السّوريّون في إثبات أحقّيّات أيديولوجيّة موهومة، تضيع دولة القانون ويهان العلم الحقيقيّ بتصدّر خرّيجي المعاهد «غير الشّرعيّة» للمشهد، في فعل يمثّل ذروة التّلوّث الإنسانيّ واغتيالا صريحا للمعرفة الّتي قامت الثّورة السّوريّة لاستعادتها.
إنّها معركة الوعي ضدّ الببّغائيّة، ومعركة الكفاءة ضدّ التّبعيّة الأيديولوجيّة الّتي تريد تحويل السّوريّ من مواطن سيّد إلى مريد ذليل في زنزانة فكريّة جديدة.
إنّ هذا الكتاب، وإن كان يتّخذ من «المأساة السّوريّة» مختبرا وتحليلا، إلّا أنّه لا يحصر نفسه في حدود الجغرافيا؛ فنصوصه تحاكي أيّ مجتمع ضربه إعصار الاستبداد، وأيّ هويّة تشظّت تحت مطارق الشّتات. إنّ الاستبداد، مهما اختلفت ألسنته، يمتلك كيمياء واحدة في تسميم الرّوح وتلويث الانتماء.
لقد اخترت أن أضع يدي «برحمة» على الجراح، لا بقسوة الجلّاد ولا بلامبالاة العابر.
إنّ الكارثة السّوريّة حالة استثنائيّة في التّاريخ الحديث، ليس فقط لحجم الدّمار، بل لخصوصيّة الإنسان الّذي استهدفته؛ ذاك السّوريّ الّذي عرف عبر العصور بأنّه «خير من علّم النّاس»، وما زال في أصعب منافيه يكتب أسماءه بمداد الفخر على قوائم الأفضل في الطّبّ والتّجارة والفكر.
إنّ النّقاء السّوريّ الّذي يقترحه هذا الكتاب باسم ابن أو ابنة الكار يدرك بعين اليقين أنّ السّوريّ، بصرف النّظر عن منبته الطّائفيّ أو الإثنيّ، قد تمّ استلاب وعيه وتحويله إلى «أداة» في يد مجرمين يتاجرون بالهويّات المأزومة لضمان بقاء عروشهم فوق أنقاض الكرامة الوطنيّة.
وهذا الكلام ينطبق حتما على كلّ المكوّنات السّوريّة. إنّ التّحرّر الحقيقيّ يبدأ من فكّ الارتباط بين «الهويّة» وبين «البندقيّة المستأجرة»، واستعادة السّوريّ لسيادته على انتمائه بعيدا عن فخاخ الاستقطاب الّتي نصبتها آلات التّزوير.
إنّ الهمليّة الّتي سعى من خلالها الأسد المجرم إحلال «ولاءات الجهل» مكان «كفاءات العقل»، لضمان سيطرة طبقة طفيليّة لا تملك من المعرفة إلّا قشورها، يمارسها الآن بحذافيرها الجولانيّ. فقد جهّز خلال 13 عاما قضاها في إدلب «ببّغاوات» تردّد لغة ودينا مشوّها أفرغ من جوهره الحضاريّ والإنسانيّ السّوريّ متابعين في ذلك جرائم مارسها الأسد على المجتمع السّوريّ وعزّزها الاستبداد والهشاشة المعرفيّة.
في المسرح السّياسيّ السّوريّ الآن، نعيش فصلا هزليّا أسود تحت عنوان «تبادل الأقنعة».
فالمشكلة الّتي تنخر جسد البلاد ليست في الأسماء أو الانتماءات الجغرافيّة، بل في «بنية التّفكير» الّتي تعيد إنتاج الاستبداد بوجوه مختلفة. إنّ سوريّة اليوم لا تحتاج لاستبدال «سفير شبيح» بآخر «حزبيّ» أو «مذهبيّ»؛ بل الحاجة هي لـ «سفير وطنيّ»، ذاك الّذي لو سألته عن دينه أو حزبه لقال لك: «أنا سوريّ، وقانوني هو الدّستور ».
إنّ ما نشهده هو عمليّة «تلوّث منظّم» للكوادر الشّابّة؛ حيث يراد للشّابّ الّذي ترعرع في بيئات مغلقة أن يظلّ أسيرا لها، محكوما بقرار «أمير» أو «قائد فصيل».
هذا الخوف من وصول هؤلاء للمناصب هو خوف مشروع ومنطقيّ؛ فالّذي لم يتحرّر من «عبوديّة القطيع» لا يمكنه أن يمثّل شعبا يطمح للحرّيّة. السّلطة السّلطويّة، مهما تغيّر لون رايتها، تحتاج دائما إلى «أتباع» لا إلى «مواطنين».
هي تخشى «الإنسان الوطنيّ» لأنّه يحتكم للقانون لا لهوى الزّعيم، لذا تلجأ لتعيين «المريدين» الّذين يتقنون فنّ «الهوبرة» وتغيير الأقنعة حسب مقتضى المصلحة.
لا يمكن لعقل حرّ أن يثق بأيّ تعيين تأتي به سلطة «أمر واقع» اليوم بينما يرى السّوريّ «كلاب النّار» تنبح على النّاس في الشّوارع.
هذه «الكلاب البشريّة» هي الأداة القمعيّة الجديدة الّتي استبدلت «البوط العسكريّ» بـ «العمامة أو اللّحية» الزّائفة، لتمارس نفس النّتانة الأخلاقيّة والتّرهيب.
إنّ «النّباح- عوي ولاك» في الشّوارع هو الدّليل القاطع على أنّ السّلطة الّتي تدّعي التّغيير هي في الحقيقة «مرآة» للنّظام الّذي ادّعت الثّورة عليه؛ فكلاهما يشترك في «تلوّث المبدأ» وفي تحويل الفضاء العامّ إلى ساحة لاستعراض القوّة وإذلال النّاس.
إنّ سوريّة لن تشفى باستبدال قناع بقناع، بل بشفاء «الهيكل المعرفيّ» للسّوريّين؛ العودة إلى الإنسان الّذي يرفض أن يكون «مخصيّا» فكريّا تحت سطوة قائد أو شيخ، والبحث عن ذاك «السّفير» الّذي يمثّل كرامة الأرض لا أوامر الغرف المغلقة.
أنا لا ألوم السّوريّين أبدا فبعد خمسين عاما من تّجريف الوعي تحت وطأة الاستبداد، وجد هذا الإنسان نفسه بين سندان ضياع الكرامة ومطرقة التّيه، ممّا أحدث ندوبا في الهويّة لم يعد من العدل السّكوت عنها.
في كتابي أفضح «الكائن الهلاميّ السّياسيّ» الّذي يلبس ثياب العفاف الدّبلوماسيّ والسّياسيّ والمعرفيّ في الخارج، بينما يبارك نهش الأعراض وقمع الحرّيّات في الدّاخل وبين أهل بيته.
إنّني في هذا العمل أكشف الجراح «بوعي وعدالة»، فلا أميل ببحثي لإدانة الضّحيّة، ولا أداهن في تشخيص العلّة. هدفي ليس إضافة «عار» جديد إلى كاهل السّوريّ المنهك، بل هو التّشخيص الدّقيق الّذي يسبق التّعافي؛ فالمكاشفة هي أولى خطوات التّطهير الذّاتيّ.
وأؤمن أنّ ما يمرّ به الإنسان السّوريّ اليوم ليس إلّا «كبوة حصان» قد طالت، لكنّها لن تدوم.
ففي ثنايا هذا التّلوّث المعرفيّ والشّتات الأخلاقيّ، ما زالت بذور «الإنسان القضيّة» كامنة، تنتظر وعيا جمعيّا ينفض عنها غبار التّبعيّة وزيف الخطابات.
إنّني أكتب وفاء لما تبقّى من هذا الإنسان، وإيمانا بأنّ العودة إلى «النّقاء» هي قدر كلّ من أدرك أنّ كرامته تبدا من سيادته على عقله ونفسه أوّلا

  • Social Links:

Leave a Reply