محمد سيف

برهان الدين الأشقر نموذج لخللٍ بنيوي يفضح وهم “الإصلاح
منذ سنوات، والناس تسمع وعوداً بالإصلاح والتغيير، لكن كلما أُعلن عن “مرحلة جديدة”، يطلّ علينا من خلف الستار ذات الوجوه القديمة، بربطات عنق مختلفة، وشعارات جديدة عن “الخبرة” و”الوطنية”.
الوجوه ذاتها التي كانت ركناً في بنية الفساد أصبحت اليوم تُقدَّم كرواد “مرحلة النهوض الاقتصادي”. أي نهوض هذا إذا كانت الركائز هي ذاتها التي بنت الفساد ثم ورّثته؟
الحكومة، بدلاً من أن تفتح الأبواب أمام الكفاءات النظيفة، تُصرّ على إعادة تدوير من تشكّلت ثرواتهم في زمن الامتيازات الأمنية والمحسوبيات.
المشكلة ليست في الأسماء فقط، بل في الفكرة نفسها: فكرة أن “الإصلاح” ممكن بيد نفس الطبقة التي كانت جزءاً من الخراب.
برهان الدين الأشقر — رئيس مجلس إدارة شركة الينبوع للصناعات الغذائية (IceMan / Alyanbou)، وعضو مجلس إدارة غرفة تجارة دمشق، ورئيس لجنة مراجعة القانون رقم 8 لعام 2020 الخاص بالتجارة — ليس مجرد رجل أعمال ناجح كما يُسوّق له. بل هو تجسيد لآلية عمل السلطة: نفس الأشخاص الذين ارتبطوا بمفاصلها لعقود يعودون اليوم ليكتبوا القوانين التي تنظّم السوق الذي يملكونه!
حين يُقال إننا بحاجة إلى “أصحاب خبرة”، يجب أن نُسائل: خبرة في ماذا؟ في إدارة الاقتصاد أم في إدارة الولاءات؟
هؤلاء تعلموا فنون البقاء داخل المنظومة، لا فنون الإصلاح.
إنها “الخبرة” التي تعرف كيف تلتفّ على القانون، لا كيف تبنيه.
ولذلك، فاستمرار هذه الطبقة في مواقع القرار لا يعني تطوير الدولة، بل تطوير أدوات السيطرة القديمة بلغة جديدة.
حين يشارك رجال الأعمال الذين تشكّلوا في ظل النظام السابق في صياغة السياسات الاقتصادية الحالية، فإن النتيجة الحتمية هي قوننة الفساد.
النفوذ الاقتصادي يتحول إلى سلطة تشريعية غير مرئية. من يملك رأس المال يكتب القانون، ومن يكتب القانون يحدد من يربح ومن يُقصى.
وهكذا، تظل اللعبة مغلقة: السوق محكوم بالأسماء ذاتها، والمناصب تدور في نفس الحلقة الحديدية.
لا إصلاح بلا قطيعة أخلاقية وسياسية واقتصادية مع المرحلة السابقة.
فالإبقاء على رجال تلك المرحلة هو تكريس لثقافة “العجز الممنهج”، وإهانة لفكرة العدالة والفرص.
إنه كمن يزرع بذور الفساد ذاتها ويطلب من الناس أن تنتظر حصاداً مختلفاً.
إن أي عملية إصلاح حقيقية يجب أن تتضمن:
فترة إقصاء سياسية واقتصادية لا تقل عن خمس سنوات لكل من شغل منصباً أو استفاد من منظومة النظام السابق.
كشف الذمة المالية والإفصاح العلني عن الثروات ومصادرها.
تشكيل لجنة شفافية مستقلة تراجع العلاقات التجارية والعقود مع الدولة.
تمكين جيل جديد من الكفاءات بعيداً عن شبكات الولاء والمصالح.
إعادة تدوير وجوه النظام السابق ليست إصلاحاً بل إعادة إنتاج لنفس المرض بثوب جديد.
كل من خدم في منظومة الاستبداد ثم عاد اليوم ليتحدث باسم “التطوير” إنما يكرّس استمرارية الخراب.
إنهم لا يغيّرون الواقع، بل يلوّنون صورهم القديمة ويقدّمونها من جديد تحت عنوان “الإصلاح”.
برهان الدين الأشقر ليس قضية فردية، بل مرآة تُظهر أن الخلل في البنية، لا في الأشخاص فقط.
وحين تُصرّ الحكومات على تلميع رموز الماضي، فهي تُعلن عملياً أن المستقبل لا مكان فيه للجديد وأن الفساد سيُعاد إنتاجه بأسماء مألوفة، ووجوهٍ تعرف الطريق جيّداً إلى كل بابٍ مغلق
Social Links: