د شهد صالحة
المقدّمة
إنّ أخطر ما يواجه الكيان البشريّ في لحظات الانكسار التّاريخيّ ليس فناء الجسد أو ضياع الجغرافيا، بل هو «التّلوّث المعرفيّ» الّذي يصيب الرّحم الفكريّ للأمّة في مقتل. نحن نعيش في عصر «الاستلاب الكلّيّ» أو ما يمكن تسميته بـ «المسلوبين معرفيّا»؛ أولئك الّذين استباح الاستبداد والتّبعيّة ضمائرهم وهتكوا عذريّتهم الفكريّة، فلم تعد عقولهم قادرة على «الإنجاب الحرّ» للأفكار. ويتمظهر هذا في:
الأصوليّة السّياسيّة: الأصوليّة السّياسيّة هنا لا يمتلكها مذهب أو دين بعينه، هي آفة معرفيّة.
تتمظهر الأصوليّة السّياسيّة كواحدة من أخطر أدوات التّزييف المعرفيّ في المشهد السّوريّ الرّاهن؛ فهي تتجاوز كونها انحيازا للدّين لتصبح محاولة قسريّة لزجّ المقدّس في أتون فلسفة السّلطة، والتّلاعب بالقيم الرّوحيّة لتحقيق مآرب نفعيّة يلبسها حاملوها ثوب «السّياسة الشّرعيّة» الزّائف.
والمفارقة المأساويّة تكمن في أنّ الجمهور المستلب يرى في هذا التّوظيف ذودا عن حياض العقيدة، بينما هو في الحقيقة معول هدم يضرب الجوهر القيميّ للمعتقد ويقوّض أركان الوعي النّقديّ.
إنّ هذه الأصوليّة تخالف في جوهرها الفلسفة المعرفيّة الّتي أرادها الخالق للإنسان،
ويتجلّى هذا الانحراف الصّارخ في نقطتين جوهريّتين:
أوّلا: اغتيال «الوعي الزّمانيّ»؛
فبينما كلّف الله الإنسان أن يكون ابن زمانه، مستقلّا بمسؤوليّته المعرفيّة والأخلاقيّة كما جاء في قوله تعالى: «تلك أمّة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم»، تعمل الأصوليّة السّياسيّة على «جرجرة» صراعات الأمم السّابقة (الصّراع مع الشّيعة والرّافضة، والدّروز) وإسقاطها قسرا على الواقع المعاصر، هذا مارسه الهجريّ ومارسه غزّال كما مارسته القاعدة والجهاديّون، الجميع يحمل نفس المنهج الأصوليّ السّياسيّ. إنّ هذا الاستحضار التّاريخيّ الموتور لا يهدف للعبرة، بل يستخدم كوقود للتّفرقة والتّلاعب بعواطف المتديّنين، ممّا يؤدّي بالضّرورة إلى ضياع بوصلة «خدمة الزّمان الحاليّ» واستحقاقاته الوجوديّة.
ثانيا: مصادمة المنهج النّقديّ للأديان؛
أنا هنا سأعتني بالإسلام بحكم معرفتي بنصوصه وليس انحيازا له كدين، ففي الوقت الّذي يدعو فيه النّصّ القرآنيّ إلى التّفكير النّقديّ والتّحرّر من التّبعيّة العمياء للأنماط التّاريخيّة الجامدة، تأتي الأصوليّة السّياسيّة لترسّخ «العقل الأحاديّ». هي تستغلّ جهل العامّة بمقاصد النّصوص لتنتزعها من سياقها الرّحب، وتحوّلها إلى فلسفة تفرقة تخدم مراكز القوى والمال السّياسيّ، ممّا ينتج مشهدا من الانحسار الأخلاقيّ يمارس فيه حاملو النّصّ «التّقزيم» ضدّ مخالفيهم باسم المقدّس.
إنّ الأصوليّة السّياسيّة هي الوجه الآخر لـ «تلوّث الذّات»؛ فهي تسلب النّصّ روحه التّحرّريّة، وتسلب الإنسان عقله النّقديّ، وتحوّل الدّين من قوّة دافعة للإعمار والحرّيّة إلى أداة لتعزيز الشّلليّة والارتهان، لتصبح في نهاية المطاف مجرّد «براغمتيّة» ميكافيليّة تتغطّى بعباءة القداسة لتبرير القبح السّياسيّ.
إنّ هذا العقم البنيويّ يجعلهم يلدون «مسوخا مأفونة»؛ وهي أفكار مشوّهة تقتات على لغة الكراهية وتتخفّى وراء أقنعة التّزييف، لتعيد إنتاج معارف عقيمة لا تبني وطنا ولا تصون كرامة، بل تكرّس ديمومة الاستعباد.
تتجلّى سيكولوجيّة العجز الإبداعيّ لدى «المسلوب فكريّا ومعرفيّا» في فقدانه المطلق للقدرة على الإنتاج أو المبادرة بمجرّد خروجه من فلك سيّده؛ فعقله مبرمج بيولوجيّا وسلوكيّا ليعمل فقط كصدى لصوت السّلطة، أو كترس في آلة التّبرير السّلطويّة.
وفي «حضرة الاستعباد»، يختفي الفارق الجوهريّ بين من تلوّث بعفن المجتمعات المادّيّ وبين من استسلم للنّكاح المعرفيّ؛ كلاهما يشتركان في ذات العجز البنيويّ، وفي ذات السّقوط الأخلاقيّ الّذي يرى في العبوديّة سقفا للطّموح، وفي التّبعيّة المهينة بديلا عن الهويّة الأصيلة. إنّ تساوي العفن في هذه المرحلة يفرز مشهدا تتماهى فيه الضّحيّة مع الجلّاد، حيث يصبح «المسخ المعرفيّ» هو المدافع الأوّل عن قيوده، والمروّج الأكبر لثقافة «الارتزاق على أنقاض الذّات».
إنّ هذا التّلوّث لا يكتفي بإفساد الحاضر، بل يمتدّ لتسميم المستقبل عبر تجريم «الفلسفة والوعي النّقديّ»، لضمان بقاء الرّحم الفكريّ عقيما إلّا من سلالات التّبعيّة. إنّ مواجهة هؤلاء «المسوخ» لا تكون إلّا بالعودة إلى «المعرفة النّقيّة» وبناء مخطّطات ذهنيّة ترفض التّدنيس المعرفيّ وتستردّ سيادة العقل وحرّيّته الوجوديّة

Social Links: