استحالة الاستثمار الأجنبي في سوريا

استحالة الاستثمار الأجنبي في سوريا

مطيع الاتاسي


في كل مرة أسمع فيها الحديث عن موجة استثمار أجنبي قادمة إلى سوريا، أشعر أننا ما نزال نكذب على أنفسنا بالطريقة القديمة نفسها: نسمع الكلمة الجميلة، فنتعلق بها، ثم نبني عليها أوهاما كاملة.
لكن السؤال الحقيقي ليس: هل هناك مستثمرون يقولون إنهم يريدون الدخول إلى سوريا؟
السؤال هو: هل توجد أصلا سوريا قابلة للاستثمار بهذا المعنى؟
الاستثمار الأجنبي ليس عملا خيريا، وليس قصيدة سياسية، وليس تصفيقا لسلطة جديدة. الاستثمار يدخل إلى بلد يرى فيه قانونا، وقضاء، واستقرارا، ووضوحا في الملكية، وضمانا للعقود، وبنية اجتماعية يمكن التنبؤ بها.
فأين هذا كله في سوريا اليوم؟
نحن أمام بلد خرج من حرب عمرها أربعة عشر عاما: بنية تحتية مدمرة، مدن محطمة، اقتصاد مفكك، ملايين الفقراء، طبقة وسطى سُحقت، مؤسسات لم تستقر بعد، مجال سياسي مغلق أو شبه مغلق، وسؤال السيادة نفسه ما يزال معلقا بين الداخل والخارج.
في مثل هذا البلد، لا يأتي الاستثمار الطبيعي، بل يأتي شيء آخر:
يأتي المال الانتهازي،
والصفقات السريعة،
ورؤوس الأموال التي تبحث عن أصل رخيص،
لا عن بناء طويل الأمد.
وهنا يجب أن نفرق بين أمرين:
هناك فرق بين استثمار يبني بلدا، واستثمار يشتري بلدا متعبا بثمن بخس.
أنا لا أقول إن كل استثمار أجنبي شر، ولا إن سوريا يجب أن تعيش في عزلة. لكنني أقول إن الكلام عن استثمار أجنبي واسع ومنقذ في هذه اللحظة هو كلام منفصل عن الواقع. لأن المستثمر الحقيقي لا يدخل بلدا لا يعرف من يحكمه بعد خمس سنوات، ولا ما شكل قانونه، ولا ما حدود سلطته، ولا إن كانت وحدته ستبقى بالمعنى نفسه، ولا كيف سيتعامل المجتمع معه إذا انفجر الخوف أو الجوع أو التوتر الأهلي.
خذ الأمر من زاوية أبسط:
هل سيستثمر أحد في بلد لا يعرف هل القانون فيه قانون فعلا، أم مجرد قرار قابل للتبديل؟
هل سيضخ أحد أمواله في بلد لا تزال فيه رموز الدولة نفسها تتغير من فوق، من دون عقد اجتماعي جديد، ومن دون دستور توافقي، ومن دون حوار وطني حقيقي؟
هل سيبني أحد مشروعا طويل الأجل في بلد لا تملك حكومته حتى الآن إطارا سياسيا مستقرا ومفهوما؟
وهنا أصل إلى نقطة بالغة الأهمية: الحكومة نفسها هي الشرط الأول في أي استثمار.
المستثمر يريد أن يعرف: ما طبيعة هذه الدولة؟ ما مرجعيتها؟ ما بنيتها القانونية؟ ما نوع اقتصادها؟ ما شكل سلطتها؟ هل هي دولة مدنية فعلية؟ هل هي دولة ذات تقاليد قانونية واضحة؟ أم سلطة انتقالية غامضة ما تزال تعيد تعريف نفسها كل يوم؟
في سوريا اليوم، حتى هذا الأمر لم يُحسم بوضوح. وهذا وحده كافٍ لجعل رأس المال الجاد مترددا. لأن الاستقرار، والدستور، والحوكمة، ووضوح قواعد اللعبة ليست تفاصيل جانبية، بل أساس أي استثمار محترم.
وهنا يجب أن ننتبه إلى مسألة شديدة الأهمية: المستثمر لا يدخل فقط إلى بلد يملك فرصا، بل إلى بلد يملك قواعد لعبة واضحة. وهذه هي النقطة التي فهمتها الإمارات باكرا، حين بنت في مراكزها المالية أطرًا قانونية مستقلة ومحاكم مستندة إلى مبادئ القانون العام الإنكليزي؛ فالرسالة كانت بسيطة: عقدك محمي، قضاؤك واضح، وقواعد السوق مستقرة. وكذلك فعلت أستانا، حين فهمت أن رأس المال العالمي لا يكفيه الخطاب، بل يريد مرجعية قانونية مفهومة وثقة مؤسسية مستقرة.
أما في سوريا اليوم، فالمستثمر لا يعرف حتى الآن ما هي طبيعة الدولة نفسها، ولا ما مرجعيتها القانونية، ولا ما شكل القضاء الذي سيفصل في النزاع، ولا أي حوكمة ستحكم العقد والملكية. وحيث لا يوجد وضوح في الحوكمة، لا يوجد استثمار حقيقي، بل فقط مال انتهازي ينتظر فرصة رخيصة.
ثم هناك نقطة أكثر حساسية من كل ما سبق: الملكية نفسها.
فأي مستثمر جاد سيسأل فورا:
الأرض لمن؟
والعقار لمن؟
ومن المالك الحقيقي؟
وهل هناك اعتراضات قديمة؟
وهل هناك مهجرون سيعودون غدا ويطالبون بحقوقهم؟
وهل العقود التي تُوقع اليوم ستبقى محترمة بعد خمس سنوات، أم ستتحول إلى مادة نزاع جديدة؟
في بلد خرج من حرب وتهجير ومصادرات وبيع قسري وخرائط ملكية مضروبة، لا تكفيك رغبة المستثمر، بل تحتاج أولا إلى تسوية كبرى لمسألة الملكية والنزاع العقاري. لأن المستثمر لا يضع أمواله فقط في مشروع، بل في أصل قانوني يجب أن يكون محميا. وإذا كانت الأرض نفسها محل شك، والعقد نفسه محل طعن، والقضاء نفسه غير محسوم المرجعية، فإن أي استثمار كبير يبقى معلقا فوق أرض رخوة.
ثم إن ما يجري اليوم في سوريا ليس بناء اقتصاد، بل إدارة فراغ اقتصادي كبير بكلام أكبر منه. وأخطر ما في الأمر أن بعض المشاريع المطروحة أو المتخيلة لا تناسب سوريا أصلا في هذه اللحظة.
بلد كُسرت فيه المدن، وتراجعت القدرة الشرائية إلى الحضيض، وارتفعت فيه أسعار الخبز، والوقود، والغاز، والكهرباء، والاتصالات، لا يحتاج أولا إلى بوليفاردات، ولا إلى ملاعب غولف، ولا إلى أبراج زجاجية. هذه ليست أولوية بلد خرج من المجزرة، بل أولوية اقتصاد ريعي يحاول بيع الصورة قبل أن يبني القاع.
وهنا تبرز شهادة لافتة. حين يقول مستثمر كبير إن دمشق القديمة وحدها قادرة على جذب ملايين السياح، فهذه ليست فقط ملاحظة عن السياحة، بل شهادة على شيء أعمق: سوريا ليست ناقصة مقومات جذب، بل ناقصة إدارة، وحوكمة، وإرادة، وتنظيما.
هي لا تفتقر فقط إلى البنية التحتية، بل إلى الدولة التي تعرف كيف تحول ما تملكه إلى قطاع اقتصادي منظم.
بل إن معنى هذا أوسع من السياحة التاريخية وحدها. سوريا تملك، من حيث المبدأ، أكثر من باب:
سياحة تاريخية،
وسياحة ثقافية،
وسياحة دينية،
وسياحة طبية أيضا، لأن البلد يملك عددا كبيرا من الأطباء والكفاءات الطبية مقارنة بحجمه.
لكن كل هذه الإمكانات تبقى معطلة إذا لم توجد دولة قادرة على تحويل الإمكان إلى قطاع منتج، وعلى حماية المستثمر والزائر والمواطن معا.
ثم نأتي إلى المفارقة الكبرى: نعم، قد تسمع عن نوايا، وعن وفود، وعن إعلانات، لكن بين إعلان النية وبين قيام استثمار مستقر وطويل الأجل مسافة هائلة. لأن البيئة نفسها ما تزال طاردة.
والأشد خطورة أن الثقة نفسها انخفضت حتى بين السوريين العائدين أنفسهم.
فكثير من السوريين لا يمتنعون عن العودة لأنهم أحبوا الخارج أكثر من سوريا، بل لأن الصورة ما تزال ضبابية، ولأنهم لا يعرفون ماذا ينتظرهم إذا عادوا:
هل هناك قانون؟
هل هناك عمل؟
هل هناك حماية؟
هل هناك قضاء؟
هل هناك أفق؟
ولهذا تحولت العودة، في كثير من الحالات، إلى عودة المضطر لا عودة المطمئن.
من يعود اليوم، في حالات كثيرة، لا يعود لأنه رأى استقرارا نهائيا، بل لأنه ضاقت به الخيارات في الخارج، أو لأن وضعه فرض عليه الرجوع، أو لأنه يريد اختبار البلد بحذر لا أن يبني مستقبله فيه بثقة كاملة.
وهذا وحده كافٍ لفهم عمق الأزمة:
إذا كانت الثقة ضعفت حتى عند أبناء البلد أنفسهم، فكيف ننتظر من المستثمر الأجنبي أن يدخل مطمئنا؟
ولهذا فإن المسألة ليست: هل دخل مال أم لا؟
بل: أي نوع من المال دخل؟ ولماذا؟ وعلى أي شروط؟
فالاستثمار في بلد محطم قد يتحول بسهولة إلى إعادة توزيع للسيادة نفسها:
من يملك المرفأ،
ومن يملك الساحل،
ومن يملك العقار،
ومن يملك السوق،
ومن يملك القرار الاقتصادي.
وعندها لا نكون أمام إنقاذ اقتصادي، بل أمام بيع بطيء لما تبقى من البلد.
ثم هناك جانب آخر لا يقل خطورة: مع هروب الأسد، وحل الجيش السوري، وخروج عشرات آلاف المفصولين والمسرحين من وظائفهم، دخلت كتلة بشرية كاملة إلى الفراغ الاقتصادي دفعة واحدة. هؤلاء لا يعيشون فقط فقدان الراتب، بل فقدان الموقع، والمعنى، والحماية، والانتماء إلى الدولة. وهنا يصبح ما يبدو في ظاهره صراعا طائفيا أو أهليا مرتبطا، في عمقه، بصراع اقتصادي عنيف على ما تبقى من فتات الاقتصاد السوري.
الناس لا تتقاتل فقط على الهوية، بل على:
الخبز،
والوظيفة،
والدعم،
والكهرباء،
والفرصة،
ومن يبقى داخل الدورة الاقتصادية ومن يُرمى خارجها.
وفي بلد كهذا، الحديث عن الاستثمار الأجنبي يبدو أحيانا كأنه يتهرب من السؤال الحقيقي:
من سيعيد بناء الاقتصاد السوري نفسه؟
لا واجهاته،
ولا صوره الدعائية،
ولا أبراجه،
بل اقتصاده الحقيقي:
القمح،
الطاقة،
الصناعة،
الزراعة،
الوظائف،
والطبقة الوسطى.
ولهذا فإن استحالة الاستثمار الأجنبي في سوريا اليوم لا تعني استحالة دخول الأموال، بل تعني استحالة أن يكون المال الخارجي، في هذه اللحظة، طريقا طبيعيا لإنقاذ البلد. لأن البلد الذي لا يملك سياسة، ولا عقدا وطنيا، ولا طبقة وسطى، ولا مؤسسات مستقرة، ولا ثقة مجتمعية، ولا وضوحا في الملكية والنزاع العقاري، لن يجذب استثمارا يبنيه، بل سيجذب فقط من يعرف كيف يشتريه وهو في لحظة انهياره.
ولهذا، فالكلام عن الاستثمار الأجنبي في سوريا، قبل إعادة بناء الشروط الداخلية للحياة، ليس خطة اقتصادية، بل هروبا من جوهر الأزمة. See less

  • Social Links:

Leave a Reply