صراع السرديات في سوريا  والتوظيف السياسي

صراع السرديات في سوريا والتوظيف السياسي

عبد الكريم خشفة

حروب الذاكرة: حين يُعاد إنتاج التاريخ لخدمة التوازنات الراهنة

ما يجري اليوم من إعادة فتح لملفات مرحلة الحصار في بعض المدن السورية لا يمكن قراءته بوصفه مجرد نقاش حول الماضي، بل هو جزء من صراع أوسع على رواية التاريخ وتوجيه الذاكرة العامة بما يخدم توازنات الحاضر.
في جوهر هذا الجدل يبرز سؤال مركزي: لماذا الآن؟ ومن المستفيد من إعادة ضخ هذه الملفات في هذا التوقيت تحديدًا؟ تبدو الإجابة، في كثير من جوانبها، مرتبطة بمحاولات واضحة لإعادة إنتاج سرديات سياسية قديمة بصيغ جديدة، وإعادة توظيف أحداث مفصلية في الصراع لخدمة اصطفافات لم تُحسم بعد.
ما يحدث ليس مجرد اختلاف في وجهات النظر حول الوقائع، بل هو محاولة انتقائية لإعادة تعريف من كان “فاعلًا” ومن كان “ضحية”، ومن يملك شرعية تمثيل تلك المرحلة ومن يُراد إخراجه من سرديتها بالكامل. في هذا السياق، تتحول الذاكرة من مساحة توثيق إلى ساحة صراع سياسي مفتوح.
تُطرح اليوم روايات متباينة حول الحصار، والظروف الإنسانية، ومسارات إدخال الإمدادات، بل وحتى طبيعة الأحداث الميدانية ذاتها. غير أن الخطير في المشهد ليس اختلاف الروايات بحد ذاته، بل محاولة فرض رواية واحدة باعتبارها الحقيقة المطلقة، مقابل تهميش أو تشويه روايات أخرى دون مساءلة موضوعية.
من بين أكثر النقاط حساسية في هذا الجدل، ما يتعلق بالحديث عن أحداث دامية وملفات إنسانية شديدة التعقيد، يجري استحضارها اليوم بشكل مجتزأ أو مسيّس. في المقابل، يتم تجاهل شهادات مباشرة من مشاركين في الميدان، وما يرافق ذلك من تعقيدات عسكرية وإنسانية لا يمكن اختزالها بشعارات أو عناوين إعلامية.
كما يبرز بوضوح خطاب مزدوج في التعامل مع التجربة ذاتها؛ حيث تُضخّم بعض الوقائع في سياقات معينة، بينما يتم التغاضي عن وقائع أخرى لا تقل أهمية، بما يعكس حالة انتقائية في قراءة التاريخ لا علاقة لها بالتوثيق بقدر ما ترتبط بإعادة التموضع السياسي.
إن اختزال مدن عاشت سنوات من الصراع والتجاذب في صورة واحدة أو رواية واحدة هو تبسيط مخلّ، بل وتشويه للتجربة بأكملها. فهذه المدن لم تكن ساحة طرف واحد، ولا يمكن لأي جهة أن تدّعي احتكار تمثيلها أو تفسير ما جرى فيها بمعزل عن كل التعقيدات التي رافقتها.
وفي الوقت الذي يتم فيه استدعاء ملفات مثل الحصار، والضحايا، والمعارك، والتهجير، والاتهامات المتبادلة، يصبح من الضروري التمييز بين التوثيق الحقيقي وبين التوظيف السياسي. فإعادة فتح الماضي لا تكون ذات قيمة إذا تحولت إلى أداة لتصفية الحسابات أو إعادة إنتاج الانقسامات.
في النهاية، تبقى الحقيقة أكثر تعقيدًا من أي رواية منفردة، وأكثر اتساعًا من أي خطاب أحادي. والتاريخ، مهما حاول البعض إعادة تشكيله، لا يستجيب للانتقاء، بل يفرض نفسه كاملًا أو يُشوَّه جزئيًا.

  • Social Links:

Leave a Reply