لماذا تفشل الدولة عندما تتحول القبيلة إلى حزبها الأكبر؟

لماذا تفشل الدولة عندما تتحول القبيلة إلى حزبها الأكبر؟

زكريا نمر

ما زالت القبيلة تؤدي دورا سياسيا يتجاوز حدودها الاجتماعية في كثير من المجتمعات الإفريقية والعربية، فبدلا من أن تكون إطارا للانتماء الثقافي والتكافل الاجتماعي، أصبحت في كثير من الحالات مؤسسة سياسية غير رسمية تتحكم في مسار الانتخابات وتوزيع السلطة وتحديد من يحق له تمثيل الناس ومن يجب أن يبقى خارج المشهد.المشكلة ليست في وجود القبيلة نفسها. فالقبائل جزء من التاريخ الاجتماعي لهذه المجتمعات، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها خطأ يجب إزالته. لكن الأزمة تبدأ عندما تصبح القبيلة بديلا للحزب، وبديلا للمواطنة، وبديلا لمعايير الكفاءة. عندها لا يعود المجال السياسي مفتوحا أمام الجميع، بل يصبح محكوما بعلاقات الدم والنسب والانتماء.

في الدول التي ما زالت القبيلة فيها منصة سياسية، لا تدار الانتخابات بوصفها منافسة بين برامج وأفكار، بل بوصفها منافسة بين جماعات. وقبل أن تبدأ الحملات الانتخابية تكون بعض النتائج قد حسمت مسبقا داخل الاجتماعات القبلية. فالقبيلة تختار مرشحها، ثم يتحول أفرادها إلى كتلة تصويتية تعمل على إيصاله إلى البرلمان أو إلى أي موقع آخر.في مثل هذا الواقع، يصبح صندوق الاقتراع مجرد خطوة أخيرة لإضفاء الشرعية على قرار اتخذ في مكان آخر. الناخب لا يسأل ماذا قدم هذا المرشح، ولا ماذا يستطيع أن يقدم مستقبلا، بل يسأل إن كان من أبناء قبيلته أم لا. أما البرنامج السياسي فيأتي في المرتبة الأخيرة، وأحيانا لا يأتي إطلاقا.لهذا السبب تعاني الأحزاب السياسية من الضعف. فالحزب يفترض أن يكون مؤسسة تنتج قيادات جديدة وتطرح مشاريع سياسية واقتصادية واجتماعية. لكن عندما تصبح القبيلة هي المصدر الحقيقي للشرعية، يفقد الحزب وظيفته الأساسية. ويتحول إلى تجمع فضفاض يبحث عن الأصوات من خلال الزعامات التقليدية لا من خلال إقناع المواطنين.والنتيجة أن الأحزاب لا تصنع السياسيين، بل القبائل هي التي تصنعهم. والعضوية الحزبية لا تصبح معيارا للصعود السياسي، بل يصبح المعيار هو حجم الجماعة التي تقف خلف المرشح. لذلك نجد أن كثيرا من الأشخاص يصلون إلى مواقع متقدمة دون أي تجربة سياسية أو فكرية أو إدارية، فقط لأنهم ينتمون إلى عائلات نافذة أو بيوت زعامة معروفة.

ومن أكثر الظواهر التي تكشف أزمة القبيلة السياسية دخول أبناء السلاطين والمشايخ والزعماء التقليديين إلى البرلمانات والمجالس التشريعية بصورة تكاد تكون مضمونة. ففي كثير من الأحيان لا يصل هؤلاء نتيجة منافسة حقيقية، وإنما نتيجة مكانتهم الموروثة داخل البنية القبلية.الشاب الذي يحمل اسم أسرة نافذة يجد أمامه طريقا مفتوحا نحو العمل العام، بينما يواجه صاحب الكفاءة والعلم والخبرة عراقيل لا حصر لها لأنه لا يملك الظهير القبلي نفسه. وهكذا يتحول المجال السياسي إلى مساحة مغلقة تتداولها مجموعة محددة من العائلات والأسماء المعروفة.هذا الوضع لا يخلق ظلما للأفراد فقط، بل يخلق ظلما للمجتمع كله. لأن المجتمع يحرم من الاستفادة من أصحاب القدرات الحقيقية لصالح أشخاص لم يختبروا في منافسة حرة وعادلة. وعندما تصبح القرابة أهم من الكفاءة، فإن المؤسسات تبدأ في فقدان فاعليتها بالتدريج.كما أن القبيلة السياسية تعيد إنتاج المحسوبية بصورة مستمرة. فالسياسي الذي يصل بدعم قبيلته يشعر أن عليه مكافأة جماعته. ولذلك تتحول الوظائف العامة والعقود والفرص إلى أدوات لإرضاء الأنصار والأقارب. ومع الوقت يصبح الفساد جزءا من آلية العمل السياسي نفسها.الأخطر من ذلك أن القبيلة السياسية تقتل فكرة المواطن. فالفرد لا ينظر إلى نفسه بوصفه مواطنا متساويا مع الآخرين أمام القانون، بل بوصفه عضوا في جماعة تدافع عن مصالحها الخاصة. وعندما تضعف فكرة المواطنة، تضعف معها فكرة الدولة.ولهذا نجد أن كثيرا من الصراعات السياسية في المجتمعات متعددة القبائل تتحول بسرعة إلى صراعات اجتماعية. لأن الخلاف لا يفسر باعتباره خلافا حول السياسات أو الإدارة أو الاقتصاد، بل باعتباره استهدافا لجماعة معينة أو تهديدا لموقعها داخل السلطة.

إن استمرار القبيلة كمنصة سياسية يكشف أزمة أعمق تتعلق بفشل الدولة في بناء مؤسسات قوية ومحايدة. فحين يثق المواطن في القانون لا يحتاج إلى حماية القبيلة، وحين يشعر أن الفرص متاحة للجميع لا يحتاج إلى البحث عن وسيط قبلي، وحين تعمل المؤسسات بصورة عادلة تتراجع أهمية الانتماءات الضيقة في المجال العام.لكن ما يحدث في كثير من الحالات هو العكس تماما. فضعف الدولة يدفع الناس إلى الاحتماء بالقبيلة، والقبيلة بدورها تضعف الدولة أكثر، فتدخل المجتمعات في دائرة مغلقة يصعب الخروج منها.ولا يمكن الحديث عن ديمقراطية حقيقية في ظل هذا الوضع. لأن الديمقراطية ليست مجرد انتخابات، وإنما منافسة مفتوحة بين المواطنين على أساس البرامج والكفاءة. أما حين تتحول الانتخابات إلى سباق بين القبائل، فإنها تفقد مضمونها حتى لو جرت بصورة دورية ومنظمة.

السؤال الذي يجب أن يطرح اليوم ليس أي قبيلة تستحق حصة أكبر من السلطة؟ بل: لماذا ما زالت السلطة توزع على أساس الانتماء القبلي أصلا؟ ولماذا يعاقب أصحاب الكفاءة لأنهم لا ينتمون إلى الأسر النافذة؟ ولماذا تتحول البرلمانات إلى امتداد للبنية القبلية بدلا من أن تكون مؤسسات تمثل المجتمع كله؟ما لم تتم مواجهة هذه الأسئلة بجدية، ستبقى الأحزاب ضعيفة، وستبقى النخب نفسها تتكرر، وستبقى الانتخابات تعيد إنتاج الواقع نفسه مهما تغيرت الشعارات. لأن المشكلة ليست في شكل العملية السياسية، بل في القاعدة التي تقوم عليها.فالقبيلة حين تصبح مؤسسة اجتماعية لا تمثل خطرا على الدولة، أما حين تتحول إلى حزب سياسي دائم وإلى بوابة إجبارية للوصول إلى السلطة، فإنها تصبح واحدة من أكبر العقبات أمام بناء دولة تقوم على المواطنة والكفاءة والمساواة.

زكريا_نمر

  • Social Links:

Leave a Reply