زكريا نمر
ليس السؤال الحقيقي لماذا وصلت جماعة الإخوان المسلمين إلى السلطة في بعض التجارب، ولا لماذا خرجت منها سريعا، بل لماذا عجزت عن التحول من تنظيم سياسي إلى مشروع دولة؟ ولماذا ظلت، رغم امتدادها لعقود طويلة، أقرب إلى تنظيم بارع في المعارضة منها إلى مؤسسة قادرة على إدارة الحكم؟. في السياسة، لا يكفي أن تمتلك جمهورا، ولا أن ترفع شعارات أخلاقية أو دينية، لأن الدولة ليست منبرا للوعظ، ولا ساحة للصراع الأيديولوجي، بل منظومة معقدة تقوم على المؤسسات والقانون والاقتصاد والتوافق الوطني. وهنا تبدأ المشكلة.
لقد عاشت جماعة الإخوان المسلمين معظم تاريخها وهي في موقع المعارضة. وخلال تلك العقود، بنت خطابها على نقد السلطة أكثر من بناء تصور متكامل لإدارة الدولة. وعندما سنحت لها فرصة المشاركة في الحكم في بعض البلدان، اكتشفت أن إسقاط النظام شيء، وإدارة الدولة شيء آخر تماما. المعارضة تستطيع أن تكتفي بالنقد، أما السلطة فلا تملك رفاهية ذلك. المواطن لا يسأل الحاكم عن عدد كتبه أو خطبه، بل عن الأسعار، وفرص العمل، والتعليم، والأمن، والخدمات. ولذلك اصطدمت الجماعة بواقع أكثر تعقيدا من الشعارات التي اعتادت رفعها.ومن جهة أخرى، لم تستطع الجماعة في كثير من الأحيان أن تقنع خصومها بأنها مشروع وطني يتجاوز حدود التنظيم. فقد بقيت صورة الجماعة أقوى من صورة الدولة، وأصبح الانتماء التنظيمي، في نظر منتقديها، يتقدم على مفهوم المواطنة، سواء كان هذا الانطباع دقيقا أم لا. وفي السياسة، كثيرا ما تكون الصورة المؤثرة أهم من الحقيقة نفسها.كما أن الجماعة لم تنجح دائما في إنتاج خطاب يطمئن القوى السياسية المختلفة. ففي المجتمعات المنقسمة، لا يكفي أن تفوز بالأغلبية الانتخابية، بل تحتاج إلى بناء جسور مع الأقليات السياسية والفكرية، وإلى إقناع الجميع بأن الدولة ستكون ملكا للجميع، لا امتدادا لتنظيم أو تيار واحد.لكن تحميل الجماعة وحدها مسؤولية الإخفاق سيكون قراءة ناقصة. فالكثير من الدول العربية لم تعرف تقاليد راسخة للتداول السلمي للسلطة، ولم تبن مؤسسات مستقلة تستطيع حماية العملية الديمقراطية مهما كانت نتائجها. ولهذا، فإن أي قوة سياسية تصل إلى الحكم تجد نفسها في مواجهة مؤسسات تشكلت عبر عقود خارج منطق المنافسة الديمقراطية.كما لعب الاستقطاب الإقليمي والدولي دورا مهما. فقد أصبحت تجربة الإخوان جزءا من صراع أوسع على مستقبل المنطقة، فتداخلت الحسابات الداخلية مع المصالح الإقليمية والدولية، وتحولت السياسة إلى ساحة مواجهة تتجاوز حدود الدولة نفسها.غير أن النقد الأكثر عمقا لا يتعلق بالأحداث، بل بالفكرة ذاتها: هل استطاعت الجماعة أن تطور فكرها السياسي بما يتناسب مع الدولة الحديثة؟
الدولة الحديثة لا تدار بمنطق التنظيم المغلق، بل بمنطق المؤسسات المفتوحة. وهي لا تقوم على الولاء، بل على الكفاءة. ولا تستمد شرعيتها من الهوية وحدها، بل من قدرتها على تحقيق العدالة، وحماية الحقوق، وإدارة التنوع، وتحسين حياة المواطنين.و يظهر سؤال آخر: هل كانت الجماعة مستعدة لإعادة مراجعة أفكارها التنظيمية عندما دخلت المجال السياسي، أم أنها حاولت إدارة الدولة بالأدوات نفسها التي أدارت بها التنظيم لعقود؟ إن التجارب السياسية الكبرى لا تنجح لأنها تمتلك خطابا أخلاقيا، بل لأنها تمتلك قدرة دائمة على المراجعة والنقد الذاتي. وكل تيار يعتقد أنه يمتلك الحقيقة الكاملة، أو أنه فوق النقد، يبدأ في خسارة قدرته على التطور.و الدرس الأهم الذي تقدمه تجربة الإخوان لا يخص الجماعة وحدها، بل يشمل معظم الأحزاب العربية. فالكثير منها يجيد معارضة السلطة، لكنه يفشل عندما يصبح هو السلطة. والسبب أن الثقافة السياسية العربية ما زالت تعاني من ضعف المؤسسات، وشخصنة الحكم، وهيمنة الأيديولوجيا على حساب الإدارة.
لا ينبغي أن يكون النقاش حول نجاح أو فشل جماعة بعينها، بل حول سؤال أكثر جوهرية: كيف نبني دولة تستطيع أن تستوعب الجميع، وأن تضمن تداول السلطة، وأن تجعل القانون أعلى من الأحزاب، والدستور أقوى من الأشخاص، والمواطنة أوسع من أي انتماء أيديولوجي؟. فالمشكلة الحقيقية في العالم العربي ليست فقط من يحكم، بل كيف يحكم، وبأي مؤسسات، وتحت أي قواعد دستورية. وعندما يصبح هذا السؤال هو محور النقاش، سيتحول الجدل من الدفاع عن الجماعات أو مهاجمتها إلى التفكير الجاد في بناء دولة حديثة قادرة على الاستمرار.

Social Links: