بين الترف والمعرفة وابراج المثقفين

بين الترف والمعرفة وابراج المثقفين

د شهد صالحة


إنّ معركة النّقاء المعرفيّ ليست ترفا فكريّا يخوضه المثقّفون في أبراجهم العاجيّة، بل هي شرط الوجود السّوريّ في لحظته الأكثر هشاشة؛ لأنّ الشّعب الّذي يفقد قدرته على التّمييز بين النّقيّ والملوّث لا يفقد وعيه فحسب، بل يفقد حقّه في رواية تاريخه بصوته.
لقد جرّب المهندسون الخرّابون كلّ أدواتهم الطّائفيّة، والارتزاق الرّقميّ، ومقارنة الشّياطين، وتزوير الرّموز فوجدوا أمامهم جدارا لا تخترق لبناته: الإنسان السّوريّ الّذي يعرف من أين جاء ولمن ينتمي. ذلك الإنسان الّذي لم تستطع خمسون سنة من الاستبداد أن تمحو من روحه عبارة «تفضّلي يا خانم»، ولم يستطع السّيرك الرّقميّ أن يغريه بالنّزول إلى وحل الشّتيمة.
إنّ التّطهير الحقيقيّ لا يبدأ بقرار سياسيّ ولا بفتوى إيديولوجيّة، بل يبدأ في اللّحظة الّتي يقرّر فيها الفرد أن يرفض المقايضة بين كرامته وخبزه، بين ذاكرته وأمانه، بين انتمائه وتمويله. في تلك اللّحظة، يتوقّف عن كونه ضحيّة لهندسة التّلوّث ويصير أداة مقاومتها.
دمشق لم تصمد لأنّها محميّة بأسوار، بل لأنّها مبنيّة داخل كلّ من حمل اسمها في قلبه وعاشها في أخلاقه. وطالما بقي في الشّام «ابن كار» واحد يعيش بكدّ يده وعزّة نفسه، رافضا أن يعرّف وجوده بعدد المشاهدات أو رضا المموّلين، فإنّ مشروع اغتيال سوريّا محكوم عليه بالفشل لأنّ ما لا يمكن تزويره لا يمكن هزيمته.

  • Social Links:

Leave a Reply