حين يسكن رجل الدولة في مزرعة… وتُختصر الدولة في رجل.

حين يسكن رجل الدولة في مزرعة… وتُختصر الدولة في رجل.

د. سامر حرب

بين «خنفساء» موخيكا وربطة عنق الشرع


حين يصل الإنسان إلى أعلى منصب في بلاده، يتوقع الجميع أن يحيط نفسه بالحرس والقصور والسيارات الفارهة، فيكتشف فجأة أن الوطن لا يمكن خدمته إلا من المقعد الخلفي لسيارة مصفحة.

هذه ليست مقارنة بين قدّيس وشيطان؛ فخوسيه موخيكا نفسه خرج من ماضٍ مسلّح وقضى سنوات طويلة في السجن. لكن الفارق الحقيقي ليس في الماضي وحده، بل في الطريق إلى الرئاسة، وفيما يفعله الإنسان بالسلطة بعدما تصل إلى يديه.

لكن رئيس الأوروغواي السابق خوسيه «بيبي» موخيكا قرر إفساد هذه القاعدة الجميلة.

تولى الرئاسة بين عامي 2010 و2015 عبر انتخابات شارك فيها الناس فعلاً، لا عبر مؤتمر مغلق يشارك فيه المسلحون نيابةً عن ملايين المواطنين. وبعد وصوله إلى الحكم، ظل يعيش مع زوجته في مزرعته المتواضعة، ورفض الانتقال إلى المقر الرئاسي، واستمر في قيادة سيارته القديمة من طراز فولكسفاغن «بيتل». وتبرع بنحو 90% من راتبه للمشروعات الاجتماعية. وعندما عُرض عليه مليون دولار مقابل السيارة، قال إنه لو باعها فسيذهب المال إلى برنامج لإسكان المشردين.

كانت سيارته قديمة، نعم، لكنه لم يتصرف يوماً كأنه يمتلك الأوروغواي.

رحل موخيكا في مايو/أيار 2025 عن 89 عاماً بعد صراع مع سرطان المريء، تاركاً وراءه فكرة شديدة الإزعاج للسياسيين: أن المنصب العام يمكن أن يكون خدمة، وأن الرئيس يستطيع العيش من دون تحويل ميزانية الدولة إلى غرفة ملابس.

أما أحمد الشرع، فقد قال في ديسمبر 2024، عندما سُئل عن الرئاسة: «إذا لم يطلب السوريون ذلك، سأكون مرتاحاً».

وبعد أسابيع، اكتشفنا أن «السوريين» المقصودين كانوا أكثر من اثني عشر قائداً لفصائل مسلحة اجتمعوا في مؤتمر لم يُعلن عنه مسبقاً، ثم أعلنوا تعيينه رئيساً للمرحلة الانتقالية.

يبدو أن استشارة الشعب جرت بنظام اقتصادي جديد: اختُصر ملايين السوريين في قاعة واحدة، ووُفّرت تكاليف الانتخابات والحبر وأصوات الناخبين.

لم يأخذوا رأي الشعب، لكنهم أخذوا عنه عبء التفكير. وهذه، على ما يبدو، نسخة جديدة من الديمقراطية: الشعب مصدر السلطات، بشرط ألا يُستدعى عند توزيعها.

ثم جاء الإعلان الدستوري الذي شكّل لجنته وصدّق عليه بنفسه. وبموجبه أصبح الرئيس:

1-القائد الأعلى للجيش والقوات المسلحة.
2-صاحب سلطة تعيين الوزراء وإقالتهم.
3-المعيّن المباشر لثلث أعضاء مجلس الشعب.
4-المعيّن لأعضاء اللجنة التي تختار الثلثين الآخرين.
5-المعيّن لجميع أعضاء المحكمة الدستورية العليا السبعة.
6-رئيس نظام لا يملك فيه مجلس الشعب عزل الرئيس أو إسقاط الوزراء.

أما منصب رئيس الوزراء، فقد اختفى من الحكومة الجديدة، وأصبح الوزراء مسؤولين أمام الرئيس مباشرة.

وبالنسبة للسلطة التشريعية، فيعيّن الرئيس ثلث أعضائها مباشرة، بينما يمر اختيار الثلثين الآخرين عبر لجان شكّلها بقراراته. ويعيّن أيضاً أعضاء المحكمة الدستورية العليا.

بكلمات أبسط: يختار جزءاً من اللاعبين، ويعيّن اللجان التي تختار الباقين، ويسمّي الحكم، ثم ننتظر جميعاً مباراة تنافسية.

ليست هذه تماماً نظرية «فصل السلطات»؛ إنها أقرب إلى فصل السلطات عن المجتمع، ثم جمعها مجدداً في مكتب واحد.

والإعلان الدستوري نفسه أعدته لجنة شُكّلت بقرار من الشرع، ثم صادق عليه الشرع. أي إن الرجل لم يعد بحاجة إلى حوار طويل مع نفسه؛ يمكنه أن يكلّف نفسه، ثم يراجع نفسه، ثم يوافق لنفسه، مع تمنياتنا لنفسه بالتوفيق.

وفي أغسطس 2025، حضر الشرع مراسم توقيع اثنتي عشرة مذكرة استثمار بقيمة معلنة بلغت 14 مليار دولار، بعض الصفقات أثارت أسئلة جدية؛ فالشركة الإيطالية UBAKO، التي أُعلن أنها ستنفذ مشروعاً بقيمة ملياري دولار، وُصفت استناداً إلى سجلاتها بأنها شركة ذات موظف واحد ورأس مال يبلغ نحو 16 ألف يورو. في سوريا الجديدة، يبدو أن المشروع يستطيع امتلاك ملياري دولار قبل أن تمتلك الشركة موظفاً ثانياً.

أما الماضي، فلا يمكن وضعه في خزانة الملابس مع الزي العسكري.

انضم الشرع، المعروف سابقاً بأبي محمد الجولاني، إلى تنظيم القاعدة في العراق، ثم عاد إلى سوريا وأسّس جبهة النصرة، التي تحولت مساراتها التنظيمية لاحقاً وصولاً إلى هيئة تحرير الشام. صحيح أنه أعلن فك الارتباط بالقاعدة وقدم خطاباً سياسياً مختلفاً، لكن تغيير الاسم واللباس ممكن خلال دقائق؛ أما بناء دولة قانون فيحتاج أكثر من خياط محترف وفريق علاقات عامة.

ومع ربطة العنق، بدأت ساعات اليد أيضاً تروي قصة التحول. فقد ظهر الجولاني في مراحل سابقة بساعة «سيكو كينتيك» لا يتجاوز سعرها نحو 150 دولاراً، ثم ظهر بعد وصوله إلى دمشق بساعة «أوميغا سيماستر دايفر 300» التي يبلغ سعرها نحو ستة آلاف دولار، قبل أن يظهر بساعة «باتيك فيليب وورلد تايم كرونوغراف 5930G» المصنوعة من الذهب الأبيض، والتي يتجاوز سعرها الرسمي ثمانين ألف دولار.

وهكذا انتقل معصم الرجل، خلال أشهر قليلة، من ساعة متواضعة إلى ساعة تستطيع عرض التوقيت في أربع وعشرين منطقة زمنية. لكن أياً من تلك المناطق لم يكن مضبوطاً، على ما يبدو، على موعد الانتخابات أو تداول السلطة.

والأشد قتامة ليس الماضي، بل ما وقع في ظل السلطة الجديدة. فقد خلصت لجنة التحقيق الدولية إلى أن عناصر من قوات الحكومة الانتقالية ارتكبت في الساحل، خلال مارس 2025، عمليات قتل خارج القضاء وتعذيباً استهدفا بصورة أساسية مدنيين علويين، وبنمط وصفته اللجنة بأنه «واسع النطاق ومنهجي»، وأن بعض الأفعال قد ترقى إلى جرائم حرب.

وفي السويداء خلال يوليو 2025، وثّقت اللجنة نفسها عمليات قتل غير مشروع وتعذيب ونهب وانتهاكات جنسية ارتكبتها قوات حكومية ومقاتلون عشائريون عملوا معها، واعتبرت أفعال المقاتلين المرافقين للقوات الحكومية بين 14 و16 يوليو منسوبة إلى الدولة بسبب خضوعهم لسيطرتها الفعلية.
وفي الوقت الذي كانت فيه منازل السوريين تحترق، كانت ربطة العنق تصبح أكثر استقامة، والساعة على معصمه تصبح أغلى. ثم ظهرت المصافحات مع ترامب وماكرون، وبدأت عملية تلميع دولية واسعة. لكن المصافحة ليست شهادة براءة، والصورة الدبلوماسية لا تعمل كمحكمة، والكاميرا تستطيع تنعيم تجاعيد البدلة وإظهار بريق الساعة، لكنها لا تمحو ما وثقته تقارير الأمم المتحدة.

وبين سيارة موخيكا التي عُرض فيها مليون دولار وساعة يُعتقد أن الشرع يرتديها بعشرات آلاف الدولارات، توجد مفارقة صغيرة:

موخيكا كان يخفف من امتيازات المنصب كي يقترب من الناس، بينما يجري اليوم تسويق أناقة الشرع بوصفها دليلاً على تحوله إلى رجل دولة.

لكن البدلة لا تكتب دستوراً، وربطة العنق لا تفصل السلطات، والحذاء الإيطالي لا يمشي بالبلاد نحو العدالة من تلقاء نفسه.

موخيكا جعل المنصب أصغر من الإنسان، وعاش كما لو أن الرئاسة تكليف مؤقت.

الفرق بين موخيكا والشرع ليس ماضٍ مسلح، الفرق هو ما فعله كل واحد منهما عندما وصل إلى السلطة:

موخيكا وصل عبر صندوق الاقتراع، فحاول أن يجعل المنصب أصغر من الإنسان.

أما الشرع فوصل عبر الفصائل، ثم أصبحت صلاحيات الدولة تكبر حوله حتى كادت الدولة نفسها تصبح أصغر من المنصب.

موخيكا عاش في مزرعة وتبرع بمعظم راتبه.

والشرع يظهر في السيارات الرسمية الفاخرة والبدلات والساعات الباهظة، بينما ما تزال الشفافية نفسها تبحث عن وسيلة نقل.

موخيكا امتلك سيارة قديمة، لكنه لم يتصرف كأنه يمتلك البلاد.

أما الشرع، فلا يحتاج إلى سيارة بقيمة مليون دولار؛ لديه دولة كاملة يحاول قيادتها من دون أن يسأل الركاب إلى أين يريدون الذهاب.

وفي النهاية، ربما لا تكون المسألة في سعر السيارة أو الساعة أو الحذاء.

المسألة أن موخيكا كان رئيساً يعيش كأنه مواطن…

بينما يُطلب من السوريين أن يعيشوا كمواطنين في دولة تتصرف كأنها ملكية خاصة لرئيس مؤقت.

  • Social Links:

Leave a Reply