عمر قدور
تخريج طلاب في إدلب (Getty)صار متن السلطة الجديدة أولئك الذين لم يُتح لهم إكمال تعليمهم
تداول السوريون قبل أيام قليلاً تسجيلاً، يظهر فيه عضو “مجلس الشعب” عن منطقة “الأتارب” في تكريم لذوي الشهداء، وعندما يسأله المذيع عمّا يقول في تكريم الشهداء يستشهد العضو “المحامي” للتدليل على مكانة الشهداء بالآية القرآنية “ولا تحسبن الذين قُتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون”، ثم يليها مباشرة استشهاده بقول الشاعر: “الشهداء أكرم مَن في الدنيا وأنبل بني البشر”.
أما قول الشاعر هذا فهو قول شائع جداً لحافظ الأسد، وكان يمكن مصادفته قبل الثورة على حيطان المدارس، وبالتأكيد كان موجوداً بخط كبير جداً على مداخل المدارس والكليات العسكرية ومدارس بنات وأبناء الشهداء، فضلاً عن تكراره إذاعياً وتلفزيونياً في المناسبات الخاصة بتكريم الشهداء. العضو المحامي الذي نطق بالعبارة يبدو في سنٍّ كافٍ ليكون قد عاصر ما سبق، ولئن أخذ كثر الزلة على محمل النكتة، فإن آخرين برروها بأثر التربية الأسدية الذي لا بدّ منه أحياناً، لكن أصحاب التبرير لم يذهبوا أبعد من لحظة تداول التسجيل.
تاريخياً، كانت الفصاحة جزءاً من شخصية المحامي، وسيكون من الغبن مساءلة المحامي الذي نسب القول خطأً إلى حافظ الأسد بناءً على تلك الصورة القديمة. فمن المعلوم أن الحقبة الأسدية ابتذلت مفهوم المحاماة بأكمله ربطاً بابتذال مفهوم التقاضي، وبتسلل الفساد إلى معظم مفاصل القضاء. خلال عقود لم يعد من لزوم لفصاحة المحامي، وصارت الفهلوية (متضمنة القرب من السلطة) هي معيار النجاح. ووفق ذلك لم تعد لمناهج الحقوق هيبتها القديمة، لأن العملية التعليمية راح يشوبها الإهمال ثم تدنّي المستوى، وأخيراً الفساد.
في المدارس كان وارداً، في مواضيع الإنشاء خصوصاً، أن ينسب طالب في الإعدادية أو الثانوية لحافظ الأسد هذا الحديث النبوي “الجنة تحت أقدام الأمهات”، في سياق الحديث عن الأم، وكان وارداً بالنسبة ذاتها أن ينال الطالب الدرجة المخصصة على هذا الاستشهاد ضمن النص. في امتحانات مقرر مادة “القومية” كان دارجاً نسبُ أقوال شتّى للشاعر حافظ الأسد، وهذا تحايل كان معروفاً بين الطلاب، وفي أحسن الظنون كان المعلمون يتساهلون لاستحالة أن يلمّوا هم أيضاً بالأقوال الكثيرة للمذكور.
التذمّر من المستوى التعليمي كان مسموحاً به في إعلام الأسد، لكن الكارثة ستقع عندما يبدأ الوريث بتنفيذ شعاره “الأسد أو نحرق البلد”، ومن المعلوم أن طيرانه وبراميله المتفجرة استهدفا آلاف المدارس فضلاً عن المرافق الخدمية الأخرى. المصيبة ليست فقط في قصف الأبنية المدرسية، وإنما في الأعداد الضخمة من الأولاد الذين لم يتمكّنوا من دخول المدرسة، أو من إكمال دراستهم. وحتى عندما بدأت تجربة التعليم ضمن “المناطق المحررة” فهي غالباً لم تكن بالسوية العلمية المأمولة، حتى بالمقارنة مع المؤسسات الموجودة داخل مناطق سيطرة الأسد، وهذا لا يمنح امتيازاً للأخير فالحديث هو عن مؤسسات رغم كل نقائصها لديها سجل وخبرات أكاديميين، بعضها مما قبل الاستقلال.
وكما هو معلوم سقط الأسد، وصار متن السلطة الجديدة أولئك الذين لم يُتح لهم إكمال تعليمهم، أو أكملوه في مؤسسات تعليمية بديلة لا تحظى شهاداتها بالقبول والثقة. ومع هذا التغيير توارى ذلك النقد القديم للمستوى التعليمي، أو تواصل الجزء المنصرف منه إلى نقد المؤسسات التعليمية التي بقيت تحت سيطرة الأسد من أجل القول إنها لا تمتاز بشيء عن المدارس والجامعات في “المناطق المحررة”. بل بلغ الأمر بـ”وزير التعليم العالي والبحث العلمي” أن أصدر قراراً يعتبر فيه درجة الإجازة في الشريعة والحقوق، الصادرة عن جامعة إدلب، معادلة لدرجة الإجازة في الشريعة ودرجة الإجازة في الحقوق الصادرتين عن الجامعات الحكومية السورية. أي أن القرار ينص فعلياً على أن شهادة الشريعة والحقوق من إدلب صارت تعادل شهادتين في الحقوق والشريعة من جامعات عريقة مثل جامعتي دمشق وحلب!
لقد كان المأمول، في ظروف أفضل من هذه، أن يكون ردم الفجوة التعليمية من ضمن الأولويات في سوريا، ونعني بذلك ردم الفجوة التعليمية الأكاديمية، وأيضاً ردم الفجوة الناجمة عن الانقطاع والتأخر في مختلف الجوانب المهنية. يصحّ هذا على المناطق التي كانت تحت سيطرة الأسد، وبالتأكيد يصحّ بنسبة أكبر على “المناطق المحررة”، وعلى المهجّرين في المخيمات الذين حُرموا من الكثير.
بالطبع يحتاج ردم الفجوة إلى إمكانيات وإلى زمن، لكن ما حدث هو إنكار المشكلة من أساسها، أو تجاهلها كلياً. والسبب المعروف لدى الجميع يتعلق السلطة نفسها، إذ هناك بين الكثير ممن تسلّموا مناصب، وعلى العديد من المستويات، الذين لا يحملون التأهيل الأكاديمي أو المهني الواجب توفره. وقيل، على سبيل المثال، إن قرار وزير التعليم العالي المشار إليه كان توطئة لتعيين شخص في مركز حقوقي عالٍ.
ولأن الأمر يتعلق بالسلطة فإن مؤيدي أي قرار موجودون بكثرة، أما انتقاده فمهما كان خافتاً سيُواجَه كأنه انقلاب عليها. التبريرات قيلت في البداية وتمحورت حول الشقّ الإنساني الخاص بما تعرّض له أهلنا في “المناطق المحررة”، إلا أن الكارثة هي في الخلط بين ما هو إنساني، واجبٌ وضروري، وبين استكماله على نحو يجافي كل أصول المنطق. فعندما نكون إزاء شخص حرمته الظروف من التعلم تكون مساعدته الحقيقية هي بتوفير تعليم يعوّض له ما فات، وإذا كان هذا الشخص مرشّحاً لمنصب ما أو موجود فيه فعلاً فمن الأولوية أن يستدرك ما فاته من تعليم، ولو مثلاً بالخضوع لكورسات مخصصة لمثل هذه الحالات. هذا على الأقل يجعله يدرأ السخرية التي تعرّض إليها محافظ مدينة كبرى عندما سُئل عن ميزانية المحافظة فظن أنها المخصصة للنفقات اليومية له ولموظّفيه من قهوة وشاي، وأجاب على هذا الأساس.
ربما يجب أن يُقال بصراحة: إذا كان لا بدّ من تولية هؤلاء مناصب ووظائف فليكن، إنما مع تأهيلهم بالحد الأدنى على الأقل، إذ لا يستقيم مثلاً وجود صحافيين في مؤسسات حكومية لا يعرفون قواعد اللغة العربية التي يستخدمونها، فوق مستواهم الإنشائي الذي يشي بالمستوى الإنشائي للمرحلة الابتدائية. ولا يستقيم أيضاً تعيين أشخاص في بعثات دبلوماسية من دون تأهيل مهني ونفسي جيد، بحيث لا تُرتكب أخطاء كبيرة كما حدث في أكثر من مرة… إلخ.
أسوأ حيّز في التبرير لهذه الفجوة يشغله أولئك الذين صاروا من موالي هيئة تحرير الشام بعد تسلّمها السلطة، وتحديداً منهم أولئك الذين لم تُعرف لهم ميول إسلامية سابقة، والبعض منهم آتٍ من تجربة حزبية قومية أو ماركسية. نستطيع تشبيه سلوك هذه الفئة بأن أفرادها يسلكون نهجاً يمكن وصفه باستشراق التائبين عن معاداة الإسلاميين، ويجوز الاستئناس أيضاً بمفهوم عودة الابن الضالّ بأشدّ تجلّياته ابتذالاً.
هؤلاء الذين كانوا حتى الأمس ثائرين، لا ضد الأسد فحسب، بل كانوا حملة أيديولوجيات تسعى إلى تغيير العالم، تجاوزوا ذلك الخلاف القديم حول تغيير العالم أو فهمه. هم اليوم لا يريدون فهم العالم ولا تغييره، ويريدون التصالح مع الواقع بأشد ما يكون التصالح ابتذالاً، ويصوّرون ذلك على أنه تصالح مع الاختلاف. من ذلك ما ذكرناه عن التغاضي عن الجهل والتجهيل، وكأن الفرق بين المعرفة والجهل مجرد اختلاف مجتمعي عادي!
ما سبق ينسحب على امتداح كل ما كان يُرى من قبل بسلبية، مثل النظر بإيجابية مستجدة إلى العصبيات الاجتماعية التي تميّز ما قبل الدولة الحديثة، أو التسامح مع الثأر كبديل عن دولة القانون. وقد يكون الأخطر هو نظر هؤلاء الاستشراقيين إلى مجموعات مذهبية وكأن كثر منهم لا ينتمون إليها، وخصوصاً السُنة حيث راح أبناؤها الضالّون التائبون يتسامحون مع أكثر مظاهرها غلوّاً، وكأنهم لم ينتموا إليها اجتماعياً من قبل، ولا يعرفون أحوال مجتمعاتها المغايرة للتطرف الحالي في الملبس وسواه. يُذكر أنهم قد ثاروا يوماً على الاعتدال الذي لم يكن يروق لهم من قبل.
لقد وجد هؤلاء الرواج في سوق الشعبوية، خصوصاً مع انتعاش ظاهرة السوشيال ميديا حيث الغلبة للأكثر تبسيطاً ولو اقترن التبسيط بالجهل. في مثل هذا السوق صار هجاء البيروقراطية انقضاضاً على الحد الضروري منها لأية دولة، والانقضاض على التكنوقراط بمثابة انتقام من النخبة المتعلّمة. ولا يندر وجود أكاديميين يهجون نظراء لهم لا يسايرون الضحالة، فيتهمونهم بالتعالي على المجتمع وعلى الشعب. نكتب هذا ونحن نخاطر بأن نُتهم أيضاً، إذ نهجو الجهل، بالتعالي على الذين لم يُتح لهم التعليم، بينما نطالب لهم بأن ينالوا ما يستحقونه من معرفة. وبالطبع لن يكون مثالاً محموداً تذكيرنا بأن الشاعر حافظ الأسد كان يتعلم، ويخضع لما يشبه كورسات ومنها اللغوية، فقط كي ينطق بتلك العبارات الطنّانة التي كان يكتبها له مستشاروه.
للكاتب
عمر قدور

Social Links: