<strong>غريزة التوحش والهيمنة الرأسمالية</strong>

غريزة التوحش والهيمنة الرأسمالية

د سمير منصري

تُعدّ #الرأسمالية، بوصفها نمطًا تاريخيًا لتنظيم الإنتاج والعلاقات الاجتماعية، نظامًا يقوم على مبدأ التراكم اللامحدود لرأس المال. غير أنّ هذا المبدأ لا يتحقق في فراغ، بل يتأسس على ديناميات تنافسية حادة تُغذّي نزعة الهيمنة والتوسع. في هذا السياق، يمكن الحديث مجازيًا عن “غريزة التوحش” داخل الرأسمالية، ليس كخاصية بيولوجية، بل كنتاج بنيوي لقوانين السوق التي تفرض الصراع المستمر بين الفاعلين الاقتصاديين.

من ناحية تفرض آلية المنافسة على الرأسماليين السعي الدائم لخفض التكاليف وتعظيم الأرباح، ما يؤدي إلى استغلال مكثف لقوة العمل. يتحول العامل إلى مجرد وسيلة إنتاج، وتُختزل قيمته في قدرته على توليد فائض القيمة. هذه العلاقة غير المتكافئة تعكس منطق الهيمنة، حيث تتركز السلطة الاقتصادية في يد مالكي وسائل الإنتاج، بينما تُدفع الطبقات العاملة إلى الهشاشة والتبعية.✓

..و من ناحية أخرى تتجلى نزعة التوحش في التوسع الخارجي للرأسمالية، خاصة في شكل #الإمبريالية. فالبحث عن أسواق جديدة وموارد خام أرخص يدفع الدول الرأسمالية إلى فرض سيطرتها السياسية والاقتصادية على مناطق أخرى. هذا التوسع غالبًا ما يرتبط بالعنف المباشر أو غير المباشر، سواء عبر الحروب أو من خلال آليات الهيمنة المالية والمؤسسات الدولية.

مع كل هذا لا تقتصر الهيمنة على المجال الاقتصادي، بل تمتد إلى البنية الثقافية والفكرية. تعمل الرأسمالية على إعادة إنتاج شروطها عبر التأثير في وعي الأفراد، من خلال الإعلام والتعليم والاستهلاك، بحيث يُعاد تشكيل الرغبات والقيم بما يخدم استمرار النظام. هنا تتحول الهيمنة إلى شكل ناعم، يجعل الخضوع يبدو وكأنه اختيار حر.

مع ذلك، فإن هذه “الغريزة” ليست قدرًا محتومًا، بل تعبير عن تناقضات داخلية في النظام الرأسمالي ذاته. فالأزمات الدورية، واتساع الفوارق الطبقية، وتصاعد الحركات الاحتجاجية، كلها مؤشرات على حدود هذا المنطق التوحشي وإمكانية تجاوزه نحو أنماط أكثر عدالة وتنظيمًا للعلاقات الاجتماعية.

في المحصلة، تكشف الرأسمالية عن طابع مزدوج: فهي من جهة قوة دافعة للتطور والإنتاج، لكنها من جهة أخرى تحمل في بنيتها نزعات هيمنة وتوحش ناتجة عن منطق الربح والتراكم، ما يجعل نقدها ضرورة لفهم مسارات التاريخ الاجتماعي وإمكانيات تغييره.

=-د.سمير منصري

  • Social Links:

Leave a Reply