افاق الخروج من المعادلة الصفرية بين حكومة الشرع والسويداء

افاق الخروج من المعادلة الصفرية بين حكومة الشرع والسويداء

ايمن عبد النور

ميسون حداد:الثورة

تحت عنوان “آفاق الخروج من المعادلة الصفرية بين الحكومة والسويداء.. نحو حل وطني يضمن وحدة سوريا أرضاً وشعباً”، استضاف “حديث دمشق” عدداً من أعضاء مجلس الشعب والسياسيين والأكاديميين والاقتصاديين والناشطين وممثلي الفعاليات المجتمعية والدينية في صالة دار السعادة بدمشق، مساء الثلاثاء 28 تموز، لبحث سبل الخروج من الأزمة التي تشهدها محافظة السويداء.

وشهد اللقاء الذي جمع “حديث دمشق” و”حديث السويداء” في جلسة مشتركة، نقاشات تناولت العلاقة بين الحكومة السورية والسويداء، وسبل الخروج من الأزمة عبر مقاربات سياسية ومجتمعية، ركزت على الحوار وبناء الثقة وسيادة القانون والتنمية بوصفها مرتكزات لأي معالجة وطنية للملف، واستطلعت “الثورة السورية” آراء عدد من المشاركين حول أبرز الطروحات التي خرج بها اللقاء.

ويُعد “حديث دمشق” ملتقى دوريا يُعقد في دمشق، وهو جزء من سلسلة لقاءات انطلقت بعد التحرير في عدد من المحافظات السورية، بينها حلب وحمص واللاذقية وحماة والسويداء وغيرها من المدن. وتطورت هذه المبادرات لاحقاً إلى “حديث السوريين” الذي يجمع مشاركين من مختلف المحافظات السورية بهدف تعزيز التعارف وكسر العزلة وفتح مساحات للحوار وبناء الثقة، وانطلقت أولى محطاته من دير مار موسى الحبشي في النبك، قبل أن ينتقل إلى إدلب ثم مصياف، وصولاً إلى حمص التي استضافت الملتقى الرابع.

الحوار مدخلٌ للحل
جاء اللقاء بحسب الاقتصادي عصام تيزيني، نتيجة جمع “حديث دمشق” و”حديث السويداء” في جلسة واحدة بعد توقف جلسات الأخير، بهدف مناقشة العلاقة بين الحكومة السورية والسويداء واستشراف آفاق الحلول، مع طرح مقترحات يأمل المشاركون أن تجد طريقها إلى التنفيذ. وأوضح أن المقترح المطروح حالياً يتمثل في استمرار نشاط “حديث السويداء” من دمشق بالتعاون مع “حديث دمشق”.

ومن هذا المنطلق، رأى الدكتور حسن جبران أستاذ علم الاجتماع وعضو الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية ومسؤول المصالحة الوطنية وبناء السلام وأحد مؤسسي “حديث السوريين”، أن الحوار يمثل المدخل الأساس للخروج من الأزمة، مؤكداً أن “السويداء هي سويداء القلب جزء من سوريا”، وأن المطلوب تجاوز الحلول الصفرية نحو مسار يربح فيه الجميع، عبر مبادرة وطنية يشارك فيها المجتمع والسلطة معاً.

وأشار جبران إلى أن حل قضية السويداء “سياسي بامتياز”، لكنه شدد على ضرورة مراعاة تأثير القوى الداخلية والخارجية في هذا الملف، معتبراً أن الخطوة العملية تتمثل في أن يتحمل قادة المجتمع المحلي، من مختلف مكونات المجتمع السوري، مسؤولياتهم عبر إطلاق مبادرة وطنية متكاملة، يمكن حشد الدعم والمناصرة لها على المستوى الدولي.

ورداً على سؤال حول ما إذا كان الحل يجب أن يأتي من السلطة أم من المجتمع أم من كليهما، أكد جبران أن أي مسار أحادي لن يكون كافياً، وأوضح أن الحل إذا جاء من الأعلى فقط فسيكون مفروضاً وسترافقه هواجس كثيرة، بينما قد يفقد الحل القادم من المجتمع فاعليته إذا لم تتفاعل معه السلطة، وأوضح: “أعتقد أننا يجب أن نصنع حلاً تفاعلياً”، مضيفاً أن المجتمع والمجتمع المدني يمكن أن يبادرا إلى هذا المسار، على أن تتفاعل معه السلطة، وإن لم يحدث ذلك، فلا بد من مواصلة الضغط للوصول إلى حل يرضي جميع الأطراف.

وفيما يتعلق بدور الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، أوضح جبران أن قضية السويداء تقع خارج الولاية الزمنية والوظيفية لعمل الهيئة، إلا أن ملف بناء السلام يتجاوز هذه الحدود، وأشار إلى أن إدارة المصالحة الوطنية وبناء السلام، التابعة للهيئة، يمكن أن تشكل بوابة مناسبة لانطلاق مبادرة وطنية، أو لاستقطاب أصحاب المبادرات وصياغتها ضمن رؤية متكاملة، بما يمكّن الهيئة من أداء دور الوسيط بين المجتمع المدني والسلطة دعماً لمسار الحوار وبناء السلام.

استعادة الثقة
أكد الأمير حسن يحيى الأطرش أن مشاركته في لقاء دمشق جاءت استجابةً لدعوة وطنية لمناقشة ملف السويداء، مشيراً إلى أن الكلمات التي طُرحت عكست خطاباً وطنياً تجاه مختلف مكونات المجتمع السوري، ولا سيما أبناء محافظة السويداء وجبل العرب من بني معروف والعشائر، في ظل ما شهدته المنطقة من خلافات وتدخلات وانتهاكات ومجازر وأعمال نهب وقتل، “هذا الأمر كله مستنكر”.

وأضاف أن الأولوية اليوم هي الوصول إلى حلول سريعة لهذا الملف بعيداً عن المماطلة مع محاسبة جميع المخطئين ومرتكبي الجرائم، وعودة الأهالي إلى قراهم وتعويض المتضررين.

وأشار الأطرش إلى أنه من أبرز الملفات التي تتطلب معالجة عاجلة ملف الطلاب، موضحاً أن أكثر من 20 ألف طالب بحاجة إلى استكمال تعليمهم والحصول على شهاداتهم، “لا داعي لإشراكهم بالأمور السياسية لأن التعليم لا علاقة له بالسياسة”.

وأوضح أن المطلوب هو تدخل وزارة التربية والحكومة لإرسال لجنة وزارية إلى محافظة السويداء، مع توفير الحماية اللازمة لها بالتعاون مع الجهات المحلية والأهلية، للإشراف على الامتحانات وضمان حصول الطلاب على شهادات علمية معترف بها من الوزارة.

وشدد الأطرش على أن أبناء السويداء جزء من سوريا الواحدة الموحدة، “نحن أبناء سوريا واحدة موحدة ولا نقبل غير ذلك”.

وإذا كان جانب من النقاش ركز على الحلول السياسية، فقد ذهب آخرون إلى أن المصالحة المجتمعية تمثل الخطوة الأولى لاستعادة الاستقرار، وفي هذا السياق أكد الشيخ أبو عبد الله الجميل التركي من عشائر محافظة السويداء وهو اليوم مهجر ومقيم في ريف دمشق، أن مرور عام على الأحداث يستدعي إطلاق رسالة تقوم على الحوار والتصالح والتسامح، بهدف تجاوز الألم الذي خلفته المرحلة الماضية والبدء بإعادة بناء الدولة، وشدد على أن هذا الطرح لا يعني التنازل عن الحقوق داعياً إلى فهمه في سياقه الصحيح.

وأوضح التركي أن بناء الدولة يتطلب التخلص من الأحقاد والآلام والمشكلات التي خلفتها المرحلة السابقة، معتبراً أن الحقوق لا تُسترد إلا عبر القانون ومؤسسات الدولة، مبيناً: “لا يعني أنني أريد التنازل عن حقي، لا، الحقوق تؤخذ عن طريق القانون والدولة”.

وأضاف أن من لديه مظلومية سواء كانت خطفاً أو حرق منزل أو غير ذلك، ينبغي أن يترك أمر إنصافه للدولة في ظل سيادة القانون، لأنها الجهة القادرة على استعادة الحقوق وتحقيق العدالة.

وأشار التركي إلى أن المرحلة الحالية تتطلب شجاعة وجرأة لإطلاق مبادرات تصب في مصلحة الأجيال القادمة، مؤكداً أن المطلوب هو تنشئة الأبناء على الطمأنينة وحسن الجوار، لا على البغضاء والتعادي والحروب والدم لأن بناء مجتمع سليم هو الأساس لبناء الدولة.

وشدد التركي على أن الاجتماعات وحدها لا تكفي ما لم تتحول إلى خطوات عملية، لافتاً إلى أن مضي عام على عقد اللقاءات دون نتائج ملموسة يستدعي إرادة حقيقية للانتقال إلى التنفيذ، “اليوم بدها جرأة، بدها رجولة”.

ومن جهته، بيّن مرهف الشاعر مدير مديرية إعلام السويداء أن اللقاء كان جيداً ومميزاً، ولا سيما من حيث طرح الحلول والاستماع إلى المشكلات التي شهدتها السويداء.

ورأى الشاعر أن الرسالة الأساسية بعد عام على ما وصفه بفشل المشروع الانفصالي الذي صادر قرار الأهالي في السويداء وكرّس الشقاق خدمةً لوهم الدولة ووهم الاستقلال، هي أن هذا المشروع لم يحقق سوى الفشل المتتالي.

وأكد أن الانتصار لحقوق أهالي السويداء لا يكون إلا عبر طاولة حوار وطني وإجراءات لبناء الثقة، مع تحمّل الجميع مسؤولياتهم، وعودة السويداء إلى حضن الدولة السورية بعيداً عن سلطة من صادر قرارها بما يضمن حصولها على كامل حقوقها وإنصاف الأهالي والضحايا، لافتاً إلى أن الحروب والأزمات والمشكلات الدولية كانت تنتهي دائماً على طاولة الحوار.

وأضاف الشاعر أنه لا بد من إيجاد مساحة يلتقي فيها السوريون ويتكاتفون ضمن مبادرة مجتمعية، بالتوازي مع إجراءات تقع على عاتق السلطة، تشمل بناء الثقة وتحسين الخدمات وجبر الضرر وتعويض أهالي الشهداء والضحايا وتقديم نموذج إداري وخدمي أفضل من النماذج السابقة.

من الثقة إلى التنمية
وإذا كانت الدعوات ركزت على المصالحة فقد ربط آخرون نجاحها بتحسين الواقع المعيشي، إذ رأى المهندس تمام اللحام وهو ناشط سياسي ومعتقل لمرتين في سجون النظام المخلوع، أن إعادة الخدمات وإطلاق مشروعات التنمية وتوفير فرص العمل تمثل الأساس لاستعادة ثقة الأهالي، إلى جانب الحوار المباشر بين مكونات المحافظة.

ويتطلب الوصول إلى حلول حقيقية لهذا الملف وضع استراتيجية تقوم على الشراكة مع الدولة، لأن تجاوز الأزمة لن يكون ممكناً إلا بتعاون جميع مكونات المحافظة، بما يعزز العمل المشترك للخروج من الأزمة الراهنة، والتغلب على من يتحكمون بالقرار داخل السويداء.

وأشار اللحام إلى أن الخطوة الأولى يجب أن تبدأ ببناء جسور الثقة بين مختلف مكونات المجتمع في السويداء، عبر تحسين الخدمات الأساسية سواء في التعليم أم الصحة، إلى جانب تعزيز الحوار المباشر بين أبناء المحافظة أنفسهم. وأضاف أن اللقاءات التي تجمع أبناء السويداء مع أشقائهم من سهل حوران تمثل ركيزة أساسية لترسيخ التفاهم بالتوازي مع محاسبة المنتهكين، لافتاً إلى أن الدولة بدأت بالفعل باتخاذ خطوات في هذا الاتجاه.

وأكد اللحام أن المرحلة التالية ينبغي أن تركز على التنمية، معتبراً أنها تمثل المدخل الأهم لاستعادة ثقة الأهالي، ولا سيما في ظل الأوضاع المأساوية التي يعيشها سكان السويداء.

وأوضح أن توفير المشروعات وفرص العمل والخدمات سيمنح المواطنين شعوراً بأن الدولة حاضرة إلى جانبهم، الأمر الذي يسهم في تقوية الاستقرار الداخلي والحد من تأثير التدخلات والأيادي الخارجية التي تستثمر في حالة عدم الاستقرار داخل المحافظة.

البعد السياسي
ونقلت مداخلات أخرى النقاش إلى البعد السياسي والإقليمي والدولي للأزمة فتناول السياسي والإعلامي السوري الأمريكي أيمن عبد النور، خلال مشاركته في “حديث دمشق”، قضية صناعة القرار السياسي، مؤكداً أن أي قرار ينبغي أن يستند إلى رؤية واضحة ومباشرة بعد دراسة جميع أبعاده.

وأوضح أن تعدد المقاربات خلال الشهر الذي سبق الأحداث في السويداء أدى إلى ارتباك في آلية اتخاذ القرار، ما أفضى لاحقاً إلى اعتراف القيادة السياسية بأنها “وقعت في الفخ”، معتبراً أن هذا الاعتراف كان يستوجب محاسبة الأشخاص الذين أسهموا في الوصول إلى تلك النتيجة، إلا أن ذلك لم يحدث.

وأشار عبد النور إلى أن حالة تعدد الآراء لم تتوقف بعد أحداث السويداء، بل استمرت بين صناع القرار السياسي، الأمر الذي أدى إلى تجميد المقاربات وتأخير اتخاذ خطوة واضحة لمعالجة الملف. ولفت إلى أن هذا الجمود ما زال قائماً منذ نحو عام، موضحاً أن التقدير السائد كان يعتبر أن ما يجري في السويداء سيبقى محصوراً في نطاق جغرافي ضيق، ولن يترك أثراً واسعاً على سوريا أو على المجتمع السوري، إلا أن الوقائع أثبتت عكس ذلك.

وأوضح عبد النور أن تداعيات الملف لم تعد داخلية فقط، بل بدأت تنعكس على صورة سوريا خارجياً، مشيراً إلى أن قضية السويداء أصبحت تُطرح في الولايات المتحدة، وأخذت تؤثر في سمعة سوريا داخل الكونغرس الأمريكي، في ظل تحرك اللوبي الدرزي هناك ضد الإدارة السورية.

وأضاف أن الملف طُرح أيضاً، يوم الأحد الماضي في فندق الشيراتون، أمام الأمين العام للأمم المتحدة، حيث عرض المشاركون ما وصفوه بجراحهم وآلامهم والمجازر التي تعرضوا لها، وبحسب عبد النور فإن الأمين العام أبدى انزعاجه مما سمع وأشار إلى أن القضية ستُعرض على مجلس الأمن الدولي.

وشدد عبد النور على أن هذه التطورات تؤكد ضرورة معالجة الملف داخل البيت السوري بعيداً عن تعقيداته الخارجية، من أجل إنهاء الأزمة والتفرغ لإعادة بناء الوطن وتحريك عجلة الاقتصاد.

وأكد أن تحقيق ذلك لن يكون ممكناً إلا بمشاركة جميع السوريين، بمختلف مكوناتهم، في عملية البناء، معتبراً أن هذا المسار يحتاج إلى قرار واضح يصدر عن أعلى مستوى في القيادة السورية، بما يسرّع الوصول إلى حلول تنهي هذا الملف وتفتح المجال أمام مرحلة جديدة من الاستقرار والتنمية.

وفي وقت تتعدد فيه المقاربات حول ملف السويداء، جمع اللقاء شخصيات من خلفيات سياسية واجتماعية ودينية وعشائرية مختلفة، حملت رؤى قد تتباين في بعض التفاصيل، لكنها التقت عند أهمية الحوار وضرورة البحث عن مخرج وطني للأزمة، وبقيت الرسالة الأبرز أن النقاش بين السوريين لا يزال ممكناً، وأن تعدد الآراء لا يلغي إمكانية الوصول إلى مساحة مشتركة.

فهل ستنجح هذه الحوارات والمبادرات بالوصول إلى خطوات عملية تسهم في معالجة ملف السويداء، أم ستظل في إطار النقاشات التي تنتظر من يترجمها إلى واقع؟

الثورة السورية

  • Social Links:

Leave a Reply