سوسن دحمان
ليست عودة السورين الى الوطن مجرد رحلة عبور من بلد إلى آخر بل هي رحلة محملة بالذكريات والفقد والأسئلة التي لم تجد اجابتها بعد فخلف كل حقيبة عائد قصة طويلة من الغياب وخلف كل خطوة نحو الوطن وجع لأحبة رحلوا بعيدا عن أرض الوطن
لقد كانت سنوات الغربة مليئة بالخسارات والإنتظار سنوات تركوا فيها خلفهم بيوتا وذكريات واحلام وبعضهم ترك فيها احباء لم يتمكنوا من العودة معهم اليوم وبعد عودة العاب اللاجئين السوريين إلى وطنهم بعد سنوات طويلة من النزوح
من بين أكثر اللحظات قسوة على العائدين هي لحظة وداع القبور التي احتضنت احبتهم في بلدان اللجوء قبول أصبحت خلال سنوات الغربة مكانا للزيارة الحديث الصامت ومساحة وحيدة للقاء من فقدوهم هناك في مقابر المدن البعيدة ترك السوريون جزءا من أرواحهم أما رحلت بعيدا عن ليتها وزوجا غاب قبل أن يرى حلم العودة وصديقا شاركهم رحلة المنفى واللجوء وانتهت حكايته بعيدا عن الوطن
فوداع القبور لحظة لاتشبه اي وداع
في مقابر المدن التي احتضنت السورين خلال فترة اللجوء تقف عائلات كثيرة أمام شواهد القبور بصمت طويل يقرأون اسماء احبتهم ويستعيدون تفاصيل وجوههم واصواتهم ويحاولون حفظ اللحظة الأخيرة قبل الرحيل
ليست زيارة القبور مجرد طقس ووداع بل هي لقاء اخير مع جزء من حياة بقيت معلقة بين بلدين فالقبر في الغربة أصبح عنوان الذاكرة ومكانا يحمل قصص أشخاص عاشوا تجربة اللجوء حتى نهايتها
عندما قرر السوريون العودة تراودهم اسئلة كثيرة كيف نترك أحبتنا كيف نغادر مكانا يحتفظ بأناس كانوا يعنوا لنا الوطن كله
وطن في قلب واحد
يحمل اللاجيء العائد وطنين في داخله وطنا يعود إليه بجسده ووطن اخر ترك فيه جزءا من روحه فالوطن ليس فقط الأرض التي ولد فيها الإنسان بل الاماكن التي شهدت أفراحهم وأحزانه والأشخاص الذين ارتبط بهم وذكريات اللجوء والنزوح والتحديات التي واجهتهم
بالنسبة لكثير من السورين أصبحت بلاد اللجوء جزءا من قصتهم حيث ولدوا أطفالهم فيها وبدأوا حياة جديدة عملوا فيها وبنوا عائلات وتزوجوا فيها تعلموا ثقافة البلد ولغتهم التي أصبحت جزءا منهم ودفنوا احبتهم لذلك فإن مغادرتها ليست قرارا بسيطأ بل إقتلاع جديد أصبح يحمل ذكريات عميقة فأكثر الذين عانوا من العودة هم الأطفال الذين ولدوا في بلد اللجوء وتعلموا عاداته وثقافته ولغته
يصعب عليهم التأقلم من جديد كأنهم غادروا وطنهم الأخر بالنسبة لهم الذين ولدوا وتعلموا وترعرعوا فيه
بالنسبة للسوريين اصبحت بلاد اللجوء جزءا من قصتهم يتحدث الكثيرون عن العودة باعتبارها نهاية الغربة
لكن بالنسبة لمن فقدوا احبتهم في الخارج فإن العودة تحمل فرحة ناقصة فهناك مقعد فارغ في البيت واسم غاب من قائمة العائلات بقي بعيدا لايستطيعون زيارته كلما اشتاقوا إليه
قد يعود الإنسان الشارع الذي ولد فيه والى البيت الذي بقي في ذاكرته لكن يحمل معه غياب الذين لم يعودوا فالعودة لاتمحو أثار الفقد ولا تعيد الزمن إلى الوراء
قبور السوريون في بلد اللجوء ذاكرة المنفى
تحولت قبور السوريون في بلد اللجوء إلى جزء من تاريخ هذه المرحلة فهي تضم قصص أناس عاشوا سنوات النزوح بعضهم هرب من الحرب وبعضهم بحث عن العلاج أو الأمان وبعضهم انهكته رحلة العلاج الطويلة هذه القبور ليست مجرد اماكن للرحيل بل شهادة إنسانية على مرحلة استثنائية عاشها السوريون أنها تروي حكايات الذين خرجوا بحثا عن حياة أفضل لكن القدر لم يمنحهم فرصة نهاية الطريق
بين حق العودة وحق الذكريات
أن الحديث عن عودة اللاجئين لم يقتصر فقط في الأرقام والإحصائيات فخلف كل عائد قصة إنسانية مختلفة هناك من يعود إلى بيت بقي صامدا وهناك من يعود الى ارض بلا بيت وهناك من يعود وهو يعرف أنه سيترك جزءا من روحه في قبر لايستطيع الوصول إليه
العودة حق انساني ىكن الاعتراف بألم العائدين وذكرياتهم أيضا ضرورة فالإنسان لا يبدأحياته من جديد بمجرد تغيير المكان بل يحمل معه كل ما عاشه من افراح وخسارات وحنين
لاجئون يعودون وقلوبهم موزعة بين مكانين
ربنا يستطيع الإنسان أن يحمل حقيبته ويغادر بلد لكنه لايستطيع أن يحمل شيء معه بعض الاشياء وتبقى في الأماكن التي أحبها صوت في الذاكرة
لهذا فإن عودة السورين ليست مجرد رحلة باتجاه الوطن بل رحلة بين الماضي والحاضر والحنين والألم بين الفرح بالعودة والحزن على من بقوا من خلفهم
فبعض السوريون سيعودون إلى بلدهم لكن جزءا منهم سيبقى دائما في مقابر الغربة
فالعودة الحقيقية ليست فقط أن تطأ أرض الوطن بل يجد الإنسان مكانا يستطيع أن يحمل كل ذكرياته وأحزانه وأحلامه دون أن يضطر إلى ترك جزء من قلبه

Social Links: