بقلم د.غسان ابو الفضل

من أكثر التحديات التي تواجه العمل السياسي والمدني ليس اختلاف البرامج أو تضارب المصالح، بل تضخم “الأنا” لدى الفاعلين في المجال العام. فحين تتحول الذات إلى مركز الكون السياسي، يصبح الحوار مجرد وسيلة لإثبات التفوق، لا للبحث عن الحقيقة، ويغدو الاختلاف تهديدًا يجب إقصاؤه، لا فرصة لإثراء الرؤية وصناعة التوافق.
لقد تناول الفلاسفة مفهوم “الأنا” بوصفه أساسًا للوعي الإنساني، لكنه لم يكن يومًا مبررًا لاحتكار الحقيقة. فكلما اتسعت معرفة الإنسان، ازداد إدراكه لحدود يقينه، وأصبح أكثر استعدادًا للإصغاء إلى الآخرين. أما في الممارسة السياسية، فكثيرًا ما يحدث العكس؛ إذ تتحول المواقع القيادية إلى أدوات لتغذية الشعور بالامتلاك، فيختلط الولاء للفكرة بالولاء للشخص، وتصبح المؤسسة امتدادًا للفرد بدل أن يكون الفرد خادمًا للمؤسسة.
إن أخطر ما تفعله الأنا المتضخمة أنها تخلط بين النقد والعداء، وبين المعارضة والخصومة، وبين المنافسة والإقصاء. وعندما يهيمن هذا المنطق، يفقد العمل السياسي والمدني رسالته، ويتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات، حيث يصبح الانتصار الشخصي أهم من تحقيق المصلحة العامة.
وفي المقابل، فإن قبول الآخر ليس شعارًا أخلاقيًا يُرفع في المناسبات، بل هو ثقافة سياسية تتجلى في السلوك اليومي. إنه الاعتراف بأن الاختلاف سنة من سنن الاجتماع الإنساني، وأن التنوع في الرأي ليس دليل ضعف، بل مصدر حيوية وتجدد. فلا أحد يمتلك الحقيقة كاملة، ولا مشروع سياسي أو مدني يستطيع النجاح إذا أغلق أبوابه أمام النقد والمراجعة.
إن المجتمعات التي استطاعت بناء مؤسسات راسخة لم تفعل ذلك لأنها ألغت الاختلاف، وإنما لأنها نجحت في إدارته. فقد جعلت من الحوار وسيلة لاتخاذ القرار، ومن القانون مرجعًا لحسم النزاعات، ومن تداول المسؤولية ضمانة ضد احتكار السلطة. وفي المقابل، فإن انهيار كثير من التجارب السياسية لم يكن نتيجة نقص في الكفاءات، بل بسبب هيمنة ثقافة الفرد الواحد، والرأي الواحد، والصوت الواحد.
وفي مؤسسات المجتمع المدني، تبدو هذه القضية أكثر حساسية؛ لأن العمل التطوعي يقوم على المشاركة لا على التسلط، وعلى التكامل لا على المنافسة الشخصية. وحين يصبح السعي إلى الظهور أو احتكار الإنجاز هو الدافع الأساسي، تفقد المبادرات روحها، ويتراجع العمل الجماعي أمام الحسابات الفردية. إن المؤسسة المدنية الناجحة هي التي تفرّق بين القيادة والهيمنة، وبين التأثير والسيطرة، وبين الحضور الشخصي وخدمة الرسالة.
إن قبول الآخر لا يعني التخلي عن القناعات، ولا تقديم تنازلات مجانية، بل يعني الإيمان بأن الوطن أوسع من الأحزاب، وأن المجتمع أكبر من الأفراد، وأن المستقبل لا يُبنى بإلغاء المختلف، بل بالبحث عن المشتركات التي تجمع الجميع. فالسياسة في جوهرها ليست فن الانتصار على الخصوم، وإنما فن إدارة الاختلاف بما يحفظ كرامة الجميع ويحقق الصالح العام.
ولعل ما تحتاجه مجتمعاتنا اليوم هو الانتقال من ثقافة “أنا أملك الحقيقة” إلى ثقافة “قد أمتلك جزءًا منها”. فهذه النقلة الفكرية وحدها قادرة على إنتاج قيادات أكثر تواضعًا، ومؤسسات أكثر رسوخًا، وحياة سياسية أكثر نضجًا. فالتواضع الفكري ليس ضعفًا، بل هو أعلى درجات القوة؛ لأنه يمنح صاحبه القدرة على التعلم، والمراجعة، وتصحيح المسار.
إن الأوطان لا تُبنى بالذوات المتعالية، وإنما بالعقول المتحاورة، ولا تزدهر بالزعيم الذي يحتكر المشهد، بل بالمواطن الذي يشعر أن صوته مسموع، وأن اختلافه محترم، وأن مشاركته مؤثرة. وعندما تنتصر ثقافة الشراكة على نزعة الأنا، يصبح العمل السياسي والمدني مشروعًا لبناء الإنسان قبل أن يكون مشروعًا للوصول إلى السلطة أو تحقيق النفوذ.
إن المستقبل لن يكون لمن يرفع صوته أكثر، بل لمن يتقن فن الإصغاء. ولن يكون لمن يربح كل معركة، بل لمن يحافظ على المجتمع شريكًا في انتصار. فقبول الآخر ليس تنازلًا عن الذات، بل ارتقاء بها، وهو الطريق الأقصر نحو دولة المؤسسات، ومجتمع المواطنة، وسياسة تُدار بالعقل قبل الانفعال، وبالحكمة قبل الغلبة.

Social Links: