اليسار السوري بين الماضي وازمات الحاضر

اليسار السوري بين الماضي وازمات الحاضر

راغدة ابراهيم

عضو المكتب السياسي لحزب اليسار الديموقراطي السوري


يسار سوريا بين إرث الماضي وأزمات الحاضر: قراءة في المآلات ومخارج الطوارئ
لم يكن اليسار السوري، وفي مقدمته الحركة الشيوعية، مجرد عابر سبيل في التاريخ السياسي والاجتماعي للبلاد خلال القرن العشرين، بل شكّل ظاهرة فكرية وازنة تركت أثراً عميقاً في وجدان المجتمع السوري. ورغم أن هذا التيار لم يتسلم مقاليد السلطة بشكل مباشر أبداً، إلا أنه نجح في فترات صعوده في تسييس الطبقات الكادحة، وقيادة الحراكات النقابية والعمالية، وطرح مشروع علماني جاذب للنخب الثقافية والشبابية، مقتحماً به فضاءً سياسياً كان حكراً على أعيان المدن والوجهاء التقليديين. إلا أن المشهد الراهن يضعنا اليوم أمام مفارقة صادمة تثير الكثير من الشجن والأسئلة؛ فالحركة التي ملأت الدنيا وشغلت الناس لعقود، تعيش اليوم حالة من الثبات السريري والغياب التام عن التأثير، في وقت تمر فيه البلاد بأعقد وأقسى مراحل تاريخها المعاصر. هذه العزلة تفرض علينا قراءة نقدية شجاعة تفصل بين رصيد هذا التيار وأخطائه البنيوية، وتكشف الظروف التي أدت إلى أفوله الخانق.إن إنصاف هذه التجربة تاريخياً، وتحديداً في مرحلة ما قبل أحداث عام 2011، يتطلب منا عدم إطلاق أحكام شمولية تدمج اليسار السوري في سلة واحدة، إذ انقسم هذا التيار بنيوياً وأخلاقياً إلى مسارين متناقضين تماماً. على ضفة المعارضة، برز تيار تضحوي قاده “الحزب الشيوعي السوري – المكتب السياسي” بقيادة رياض الترك، ومعه “حزب العمل الشيوعي”، وهو فصيل يُحسب له تاريخياً الحفاظ على نقاء اليد من السلاح؛ إذ رفض هؤلاء الانجرار لدوامات العنف الداخلي في ثمانينيات القرن الماضي، وتمسكوا بالنضال المدني السلمي كحامل لمشروع الدولة المدنية، ودفعوا مقابل ذلك أثماناً باهظة من حريتهم وسنوات عمرهم داخل المعتقلات دون مساومة وعلى المقلب الآخر، تربع “النهج البكداشي” على رأس الحركة الرسمية، مبرزاً أسلوباً مغايراً ركض وراء الأمان التنظيمي والمناصب الشرفية تحت مظلة السلطة عبر الانخراط في “الجبهة الوطنية التقدمية” منذ عام 1972 هذا الخيار حوّل الفكر الشيوعي الرسمي إلى مجرد شعارات أيديولوجية باهتة ومنفصلة عن واقع الشارع، واستخدم إرث الحزب التاريخي كغطاء لشرعنة سياسات النظام مقابل الحفاظ على المكتسبات والمقرات والمقاعد البرلمانية، وهي التبعية التي تعمقت بعد عام 2011 لتسقط معها آخر قشور المصداقية المعاصرة لهذا الجناح
لكن، وبعيداً عن هذا الانقسام الأخلاقي بين تيار ضحى وتيار تدجن، فإن اليسار السوري ككل حَمِل في أحشائه خطايا بنيوية ذاتية قادته إلى مأزقه الحالي، وهي أزمات تتحملها الأحزاب نفسها قبل الحديث عن قيود الدولة الأمنية. لقد عانت البنية الهيكلية لهذه الأحزاب — موالية ومعارضة — من تشوه قاتل في مفهوم “المركزية الديمقراطية”، فتحولت الآلية التنظيمية إلى سوط لترسيخ حكم الأفراد والقيادات التاريخية المؤبدة التي رفضت تدوير السلطة ونَحّت الكوادر الشابة. وترافق هذا الاستبداد الداخلي مع نرجسية انشقاقات تفتت بسببها اليسار إلى شظايا مجهرية نتيجة صراعات شخصية على الزعامة بين النخب القيادية، صراعات تسترّت غالباً وراء جدالات واهية حول صياغة جملة في بيان أو تفسير نص جامد، بينما كانت اللغة الحزبية تغرق في قوالبها الخشبية ومصطلحاتها الماركسية القديمة، معلنة عجزها الكامل عن مخاطبة الأجيال الجديدة واستيعاب هواجسها المعيشية والتقنية الحديثة.هذا التناقض البنيوي الحاد استنزف الحركة اليسارية برمتها، وجرّدها من فاعليتها الجماهيرية لتفقد القدرة على قيادة الشارع، مما مهد الطريق لبروز قوى بديلة اكتسحت الفضاء العام وفق ما يُعرف في علم الاجتماع السياسي بـ “قانون إزاحة الفراغ” غير أن صعود التيارات الإسلامية لم يكن نتاجاً تلقائياً لغياب اليسار فحسب، بل كان ثمرة التقاء بين تراجع البديل المدني و”الهندسة السياسية” التي اتبعتها السلطة؛ فبعد أن سحقت الأجهزة الأمنية الحركات اليسارية المستقلة ودجنت الحركة الرسمية، أصيبت البلاد بتصحير سياسي كامل وفي المقابل، غضت السلطة الطرف عن تمدد شبكات الإسلام التقليدي والصوفي والمؤسساتي كمتنفس اجتماعي يضمن الولاء، مما أدى بالتدريج إلى تديين المجتمع على حساب الفضاء المدني والسياسي. وعندما غاب اليسار عن دوره التاريخي كناطق باسم الفلاحين والعمال في الأرياف وأطراف المدن، تقدمت الشبكات الإغاثية والخيرية الدينية لملء هذا الفراغ الخدمي والروحي هذا التموضع، مترافقاً مع ارتماء اليسار الرسمي في حضن السلطة، جعل الشارع يربط بين الأيديولوجيا العلمانية وأزمات النظام مما سمح للتيارات الإسلامية باحتكار راية المظلومية والتغيير في وعي الناس، مستفيدة من إحباط عام دفع بالمجتمع للانكفاء نحو الهوية الدينية كملاذ آمن وأخير.ولم تتوقف حدود الأزمة عند الداخل المعقد، بل اصطدمت محاولات إحياء الفضاء المدني بجدار التدويل الخانق للقضية السورية بعد عام 2011 ومع تحول الملف السوري إلى ساحة صراع وتفاهمات بين القوى الإقليمية والدولية، عانى اليسار من قلة حيلة عسكرية واضحة وضَعف بنيوي تشتيتي جعله بلا مخالب ميدانية تفرض وجوده كقوة أمر واقع على الأرض نتيجة خياره المبدئي برفض السلاح وفي الوقت ذاته، تلاقى هذا الضعف الذاتي مع عداء مضمر وبنيوي من القوى الخارجية ضد أي مشروع مدني أو يساري يحمل أطروحات وطنية مستقلة تطالب بالسيادة والعدالة الاجتماعية العابرة للطوائف والمناطق. وبناءً على ذلك، تعمدت الدول المتدخلة رعاية وتضخيم الفصائل ذات الصبغة الإسلامية والمحلية الراديكالية عبر ضخ أموال طائلة ودعم عسكري مباشر، رغبة منها في التعامل مع “أمراء حرب” وكيانات مرتهنة يسهل التحكم بقرارها، مما أدى في النهاية إلى صياغة التسويات الدولية على مقاس حملة البنادق حصراً ، وتراجع بند التعددية السياسية الحقيقية إلى أدنى سلم الأولويات الدولية
.إن الخروج من هذا الثبات السريري الطويل ليس ترفاً فكرياً أو رفاهية سياسية، بل هو ضرورة وطنية ملحة لإيجاد رئة مدنية عادلة تعيد التوازن المفقود للمجتمع السوري. ولتحقيق هذه العودة الفاعلة، يبرز تبني مشروع وطني سوري متكامل كنواة صلبة لا غنى عنها؛ مشروع ينعتق من الأيديولوجيات العابرة للحدود ليركز على الهوية الوطنية الجامعة، ممتلكاً استراتيجيات قريبة المدى تستهدف كسر الركود الراهن وبناء تحالفات عريضة مع القوى الديمقراطية المستقلة لتوسيع هامش الحريات، بالتوازي مع استراتيجيات بعيدة المدى ترسم ملامح دولة المستقبل القائمة على العقد الاجتماعي العادل وفصل السلطات والدمج بين التنمية والعدالة الاجتماعية.هذا المشروع الطموح يستدعي بالضرورة قطعاً كاملاً مع الهياكل الحزبية التقليدية الهرمة التي لم تعد قابلة للإصلاح، والذهاب نحو تأسيس حركات وتجمعات يسارية ديمقراطية جديدة يقودها جيل الشباب في الداخل والخارج، متحررة من إرث التبعية والنرجسيات والزعامات القديمة. كما يتوجب على هذا اليسار المتجدد أن يتخلى عن نقاشاته النظرية المعزولة داخل الغرف المغلقة، وينزل إلى الميدان ليتبنى هموم المواطن المعيشية المباشرة والمحقة، من تدني الأجور ومحاربة الفقر إلى الدفاع عن مجانية وجودة التعليم والرعاية الصحية فربط النظرية بلقمة عيش الطبقات الكادحة هو السبيل الوحيد لإعادة بناء حاضنة شعبية حقيقية وفي ظل التضييق الأمني والتشظي الجغرافي القسري، يظل الفضاء الرقمي وأدوات العصر فرصة ذهبية لبناء شبكات فكرية وتنظيمية عابرة للحدود، تربط طاقات الشباب السوري المغترب بالكوادر الصامدة على الأرض السورية لتوحيد الرؤى والجهود.في الختام، تبدو أزمة اليسار السوري أزمة مركبة ومزمنة تداخلت فيها خطايا البنية الذاتية وغياب الرؤية الوطنية مع قمع السلطة وتواطؤ التدويل الخارجي. ورغم قتامة الواقع الراهن وعزلة القوى المدنية، فإن التاريخ يعلمنا أن الاستقرار المستدام لا يمكن أن يُبنى بمعازل السلاح والبنادق المرتهنة للمشاريع الخارجية، بل يحتاج دائماً إلى رئة مدنية عادلة وتيار يساري ديمقراطي متجدد يعيد صياغة المواطنة ويحمي العدالة الاجتماعية؛ فإحياء هذا التيار ليس مجرد رغبة حزبية، بل هو خطوة أولى وأساسية نحو تعافي الهوية السورية وإنقاذ ما يمكن إنقاذه للمستقبل.

  • Social Links:

Leave a Reply