حين تصبح السياسة معرفةً مبكرة

حين تصبح السياسة معرفةً مبكرة

نوار نورة البحرة

الأطفال السوريون بين الحرب والنزوح والقدرة على قراءة العالم

هل يمكن لطفل أن يكتسب وعيًا سياسيًا مبكرًا لأن السياسة أصبحت جزءًا من حياته اليومية؟

هذا السؤال نشأ من ملاحظة ميدانية امتدت سنوات، لا من رغبة في إثبات أن السوريين «أذكى» من غيرهم. المقصود هو فهم ظاهرة محددة: القدرة اللافتة التي أظهرها بعض الأطفال السوريين، حتى في سن مبكرة، على فهم الأحداث السياسية وربطها بأسبابها ونتائجها.

تجربة كوتبوس

خلال سنوات من العمل المباشر مع نساء سوريات في مراكز للتمكين بمدينة كوتبوس، كان الأطفال يأتون صحبة أمهاتهم بصورة متكررة.

تراوحت أعمارهم بين الخامسة والسابعة عشرة، وكانت الخلفيات التعليمية للأمهات شديدة التفاوت؛ من الأميات إلى عدد محدود من الجامعيات.

ومع ذلك، ظهر لدى عدد من الأطفال مستوى لافت من الاطلاع على الشأن السوري، وقدرة على مناقشة الحرب والنزوح والأوضاع السياسية وإبداء آراء خاصة بهم.

هذه الملاحظة تطرح سؤالًا مهمًا:

كيف يمكن أن تتشكل معرفة سياسية واسعة لدى أطفال لا تأتي بالضرورة من بيئة تعليمية أكاديمية؟

عندما تصبح السياسة تجربة شخصية

بالنسبة إلى الطفل الذي ينشأ في الحرب، السياسة ليست مادة في كتاب.

إنها البيت الذي يُترك، والمدرسة التي تتوقف، والمدينة التي تُهجر، والحدود التي تعبرها الأسرة، والعمل الذي يفقده أحد الوالدين، والخوف الذي يصبح جزءًا من الحياة اليومية.

وكثير من الأطفال السوريين عاشوا، إضافة إلى الحرب، تجربة النزوح والهجرة وما رافقها من مخاطر وعدم استقرار.
لقد قطع معظمهم الطريق بين قارتين، ماراً بالبحر، في قوارب مطاطية معرضة ركابها للغرق في كل لحظة، وعلى الأقدام الحافية، او بأحذية تقطعت، حتى محطة اللجوء الأخيره!

في مثل هذه الظروف، يمكن أن تتحول السياسة إلى معرفة معيشة.
يسمع الطفل أحاديث الكبار، يراقب نتائج الأحداث، ويحاول أن يفهم لماذا تغيرت حياته.

وهذا لا يعني أن الحرب تنتج الذكاء، ولا أنها تجربة إيجابية.

آثار الحرب النفسية والاجتماعية قد تكون عميقة ومدمرة.

لكن من المعقول بحث احتمال أن تؤدي البيئة شديدة التعقيد إلى تطوير بعض مهارات المراقبة والاستدلال والتكيف لدى بعض الأطفال في سن مبكرة.

ماذا حدث عندما وصل السوريون إلى ألمانيا؟

تقدم البيانات الألمانية مؤشرات مهمة، وإن كانت لا تثبت وحدها أي نظرية عن «التميز» أو أسبابه.

وفق معهد أبحاث سوق العمل الألماني IAB، ارتفعت نسبة السوريين العاملين في وظائف مؤهلة مع طول مدة الإقامة، ووصلت إلى 75% بعد سبع سنوات من الوصول.
ويعرّف المعهد هذه الوظائف بأنها أعمال تتطلب عادةً تأهيلًا مهنيًا أو جامعيًا.
وفي المقابل، يشير إلى وجود اتجاه نحو العمل في وظائف أدنى من مستوى التأهيل الذي كان لدى بعض السوريين قبل الهجرة، أي ظاهرة
«خفض الاستفادة من المؤهلات» (Dequalifizierung). [1] (IAB Berufsforschung)

ويظهر التوزيع المهني للرجال السوريين حضورًا قويًا في:

  • النقل واللوجستيات: 22%
  • التصنيع والمهن التقنية: 21%
  • الغذاء والضيافة: 14%
  • الصحة: 11%
  • البناء والتشطيبات: 9%

أما السوريات العاملات، فيتركزن خصوصًا في الخدمات الاجتماعية والثقافية (28%)، والصحة (18%)، والغذاء والضيافة (17%)، والتجارة (11%). [1] (IAB Berufsforschung)

والأكثر دلالة أن 62% من السوريين والسوريات العاملين الخاضعين للتأمينات الاجتماعية يعملون في مهن يصنفها IAB ذات أهمية نظامية (systemrelevant)، مقابل 48% من العاملين الألمان.

وتشمل هذه المجالات الصحة والنقل واللوجستيات وإنتاج الغذاء وغيرها. [1] (IAB Berufsforschung)

وهنا ينبغي الانتباه إلى اتجاه النسب: 22% تعني أن 22% من الرجال السوريين العاملين يوجدون في النقل واللوجستيات، وليس أن 22% من العاملين في اللوجستيات بألمانيا سوريون.

الأطباء السوريون:

رقم حقيقي أقوى من الرقم المتداول

تداولت بعض النقاشات رقمًا يقول إن السوريين يشكلون نصف الأطباء بين اللاجئين في ألمانيا.
لا تثبت البيانات الرسمية هذا الرقم بهذه الصياغة.

لكن الأرقام الرسمية تظل لافتة.

بحسب Bundesärztekammer، بلغ عدد الأطباء ذوي الجنسية السورية في ألمانيا في نهاية عام 2025 7,959 طبيبًا وطبيبة، كان منهم 7,330 يمارسون العمل الطبي.

وكانت سوريا بذلك أكبر دولة من حيث الجنسية بين الأطباء الأجانب في ألمانيا، تليها رومانيا وتركيا وروسيا والنمسا واليونان. 2

كما تشير بيانات Bundesärztekammer، استنادًا إلى تقديرات Destatis، إلى أن الأطباء القادمين من الخارج يشكلون نحو 24% من مجموع الأطباء في ألمانيا. 2

هذه الأرقام لا تثبت أن السوريين «أكثر ذكاءً» من غيرهم.
لكنها تؤكد أن الحضور السوري في بعض القطاعات المهنية الألمانية أصبح كبيرًا وملحوظًا، وأن السوريين يمثلون أكبر مجموعة من الأطباء الأجانب من حيث الجنسية.

من البالغين إلى الأطفال: السؤال الذي لم يُحسم بعد

كل هذه البيانات تتعلق أساسًا بالبالغين وسوق العمل.

ولذلك لا يجوز استخدامها لإثبات أن التميز المهني بدأ في مرحلة الطفولة.

لكنها تجعل السؤال أكثر أهمية:

هل كانت بعض القدرات التي ظهرت لاحقًا في التعليم والعمل قد بدأت في مرحلة مبكرة، على شكل قدرة على الملاحظة والتحليل وفهم العلاقات بين الأحداث؟

الملاحظة الميدانية لأطفال سوريين في كوتبوس تطرح هذا السؤال، لكنها لا تجيب عنه وحدها.

الإجابة تحتاج إلى أبحاث كمية تقارن الأطفال السوريين بأقرانهم في ألمانيا، مع ضبط عوامل مثل العمر، واللغة، والوضع الاجتماعي، ونوع المدرسة، ومستوى تعليم الوالدين، ومدة الإقامة.

بين التجربة والبيانات

ربما يكون من الخطأ اختزال هذه الظاهرة في عبارة «السوريون أذكى».

والأدق أن نسأل عما فعلته البيئة التاريخية والاجتماعية بجيل كامل.

جيل نشأ وسط حرب طويلة، وتعرض مبكرًا للأحاديث السياسية، وشاهد نتائج القرارات السياسية على أسرته، ثم اضطر كثير من أفراده إلى النزوح والهجرة والتكيف مع م

  • Social Links:

Leave a Reply