عرض سياسي لحزب اليسار الديمقراطي السوري

عرض سياسي لحزب اليسار الديمقراطي السوري

قراءة في التطورات السياسية الداخلية والإقليمية والدولية وموقف الحزب منها

تمر سورية بمرحلة مفصلية شديدة التعقيد، تتداخل فيها التحولات الداخلية مع الصراعات والتفاهمات الإقليمية والدولية، في ظل استمرار المرحلة الانتقالية وعدم اكتمال بناء مؤسسات الدولة وتحديد شكلها السياسي والدستوري بصورة نهائية.

ويرى حزب اليسار الديمقراطي السوري أن هذه المرحلة لا تحتمل الاكتفاء بمتابعة الأحداث وردود الفعل عليها، وإنما تتطلب امتلاك رؤية سياسية واضحة، تنطلق من مصالح الشعب السوري، وتضع بناء الدولة الديمقراطية وسيادة القانون وحقوق الإنسان والمواطنة المتساوية في مقدمة أولوياتها.

أولاً: الانتقال السياسي ومستقبل الدولة

يرى الحزب أن جوهر المرحلة الانتقالية لا يكمن فقط في إدارة مؤسسات الدولة أو معالجة الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، على أهميتها، وإنما في تأسيس نظام سياسي جديد يقطع بصورة نهائية مع الاستبداد والإقصاء واحتكار السلطة.

إن جذب الاستثمارات وتحسين الوضع الاقتصادي لا يمكن أن يكونا بديلاً عن الإصلاح السياسي وبناء المؤسسات الديمقراطية. فالاستقرار الاقتصادي والاجتماعي يحتاج إلى دولة قانون، ومؤسسات شرعية وشفافة، وقضاء مستقل، وحريات عامة، ومشاركة سياسية حقيقية.

ومن هنا يؤكد الحزب أن المرحلة الانتقالية يجب أن تكون جسراً نحو دولة مدنية ديمقراطية، لا وسيلة لإعادة إنتاج سلطة مركزية جديدة تحت مسميات مختلفة.

ويولي الحزب أهمية خاصة لمستقبل مجلس الشعب، باعتباره مؤسسة أساسية في النظام السياسي، بحيث يمتلك صلاحيات تشريعية ورقابية حقيقية، ولا يتحول إلى مؤسسة شكلية تتركز مقابلها الصلاحيات في يد السلطة التنفيذية.

ثانياً: الانتهاكات والاعتقالات وضرورة بناء دولة القانون

يرى الحزب أن أي حديث عن بناء دولة القانون والمؤسسات يبقى منقوصاً وعبثياً إذا لم يبدأ بالاعتراف الفوري بالانتهاكات الجسيمة التي كشفت عنها الأحداث الأخيرة في بعض أجهزة ومراكز التوقيف التابعة لوزارة الداخلية، بما في ذلك الاعتقالات التعسفية، وحالات الوفاة تحت التعذيب، والتعدي على الكرامة الإنسانية.

ويؤكد الحزب أن دماء السوريين وحرياتهم وكرامتهم خط أحمر، وأن الانتقال السياسي لا يمكن أن يقوم على إعادة إنتاج ممارسات الاستبداد، أياً كانت الجهة التي ترتكبها أو الذرائع التي تقدم لتبريرها.

وعليه، يؤكد الحزب على:

الرفض القاطع لأي محاولة لطمس هذه الجرائم أو تمييعها أو التعامل معها باعتبارها حوادث فردية معزولة.

تشكيل لجان تحقيق مستقلة وشفافة للتحقيق في جميع الانتهاكات والجرائم المرتكبة في مراكز التوقيف والتحقيق، وإعلان نتائج التحقيق للرأي العام.

محاسبة جميع المتورطين في الانتهاكات، سواء كانوا منفذين مباشرين أو محرضين أو متسترين أو مبررين لها، ورفع أي غطاء سياسي أو أمني عنهم.

الإقالة الفورية للمسؤولين الأمنيين والمباشرين الذين يثبت تورطهم في التعسف أو سوء المعاملة أو انتهاك حقوق المعتقلين.

إطلاق سراح جميع المعتقلين تعسفياً، وضمان حق كل شخص في الدفاع والمحاكمة العادلة.

إخضاع مراكز التوقيف والتحقيق للرقابة القضائية والحقوقية المستقلة، بما يمنع تكرار ممارسات الاستبداد السابق.

حصر الاعتقال والتوقيف بالضوابط القانونية والقضائية الصارمة، ومنع استخدام الصلاحيات الأمنية بصورة تعسفية ضد المواطنين وأصحاب الرأي المنتقد للسلطة.

وضع ضوابط زمنية وقانونية واضحة لأي إجراءات استثنائية أو توقيفات احترازية، وإنهاء أي حالة طوارئ مقنعة يمكن أن تعيد إنتاج الاستبداد تحت عناوين جديدة.

ويؤكد الحزب أن الأصل هو حرية الإنسان، وأن التوقيف إجراء استثنائي يجب أن يخضع للقانون والقضاء، لا أن يتحول إلى وسيلة لمعاقبة المواطنين أو إسكات الأصوات المعارضة والمنتقدة.

ثالثاً: تفعيل الحياة السياسية وحرية الأحزاب

إن عقود الاستبداد حرمت السوريين من الحياة السياسية الطبيعية ومن حقهم في التنظيم والتعبير والمشاركة في صناعة القرار.

لذلك يرى الحزب أن إعادة بناء الحياة السياسية يجب أن تكون إحدى المهام المركزية للمرحلة الانتقالية، من خلال ضمان حرية تشكيل الأحزاب والعمل السياسي، وحرية الرأي والتعبير والاجتماع والتنظيم والإعلام.

ويحذر الحزب من أي توجه لتحويل السلطة الانتقالية إلى سلطة دائمة أو احتكار المجال السياسي من قبل جهة واحدة.

كما يؤكد أهمية استمرار الندوات والحوارات السياسية العامة، وإشراك القوى السياسية والمدنية والمجتمعية في النقاش حول مستقبل سورية، وعدم حصر عملية بناء الدولة في السلطة التنفيذية وحدها.

رابعاً: سورية بين التجاذبات الدولية والإقليمية

ما تزال سورية ساحة لتقاطع مصالح دولية وإقليمية متعددة، وتتداخل فيها المصالح الأمريكية والأوروبية والتركية والروسية والإسرائيلية والإيرانية.

ويرى الحزب أن إدارة هذه التوازنات يجب ألا تتحول إلى بديل عن بناء القرار الوطني السوري المستقل.

إن العلاقات مع مختلف الدول والقوى الدولية يجب أن تقوم على أساس المصالح الوطنية السورية، وليس على الارتهان لأي محور أو قوة خارجية.

ويؤكد الحزب ضرورة اعتماد سياسة خارجية متوازنة ومستقلة، تحافظ على سيادة سورية ووحدة أراضيها، وترفض تحويل البلاد إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.

خامساً: الوجود العسكري الأجنبي والعلاقات مع روسيا

يتابع الحزب التطورات المتعلقة بالعلاقات السورية الروسية، ولا سيما ما يرتبط بقاعدتي حميميم وطرطوس.

ويرى الحزب أن أي ترتيبات تتعلق بالوجود العسكري الأجنبي على الأراضي السورية يجب أن تخضع للمصلحة الوطنية السورية والسيادة الوطنية، وأن تكون واضحة وشفافة أمام الشعب السوري.

كما يرفض الحزب تحويل الأراضي السورية إلى مناطق نفوذ للقوى الدولية والإقليمية، أياً كانت هذه القوى.

وفي الوقت نفسه، فإن معالجة ملف الوجود الروسي أو غيره لا ينبغي أن تقوم على استبدال نفوذ أجنبي بنفوذ أجنبي آخر، وإنما على بناء سياسة وطنية مستقلة تنهي تدريجياً حالة الارتهان والتدخل الخارجي في القرار السوري.

سادساً: القضية الكردية ووحدة سورية

يؤكد الحزب أن القضية الكردية جزء أصيل من القضية الوطنية السورية، وأن الشعب الكردي مكوّن أساسي من مكونات المجتمع السوري، ويتمتع بكامل حقوقه الثقافية والمدنية والسياسية ضمن دولة المواطنة المتساوية.

ويرفض الحزب بصورة قاطعة استخدام أي مكون إثني أو قومي أداة في الصراعات الإقليمية والدولية، كما يرفض تحويل القضية الكردية إلى مدخل لمشاريع تهدد وحدة سورية.

وفي هذا السياق يؤكد الحزب:

رفض أي إدارة ذاتية مسلحة أو تشكيلات أمر واقع خارج سيادة الدولة وسلطة مؤسساتها الدستورية.

ضمان الحقوق الثقافية والمدنية والسياسية الكاملة لجميع المكونات السورية.

اعتماد صيغة حكم ديمقراطي تقوم على اللامركزية الإدارية، بما يتيح إدارة محلية فاعلة ويصون وحدة سورية أرضاً وشعباً.

رفض أي هيمنة حزبية أو عسكرية على المناطق والمجتمعات المحلية.

معالجة القضية الكردية من خلال الحوار الوطني والدستوري، بعيداً عن منطق التخوين والإقصاء والتدخلات الخارجية.

ويرى الحزب أن الدولة الديمقراطية اللامركزية، القائمة على المواطنة المتساوية، هي الإطار الأنسب لحل القضايا الوطنية والقومية في سورية.

سابعاً: تعدد مراكز القوة والسلاح والفصائل المسلحة

يرى الحزب أن استمرار تعدد مراكز القوة وبقاء قوات مسلحة خارج إطار مؤسسات الدولة الشرعية يشكل أحد أكبر التهديدات للاستقرار وسيادة القانون.

وعليه، يؤكد الحزب موقفه الواضح من ضرورة:

الرفض القاطع لأي تشكيلات مسلحة رديفة أو ميليشياوية خارج مؤسسات الدولة.

القطع مع منطق المحاصصة الفصائلية والولاءات الشخصية والارتباطات الخارجية التي تقوض هيبة الدولة.

حصر السلاح بصورة كاملة ونهائية بيد مؤسسات الدولة الشرعية، وفي مقدمتها الجيش والشرطة.

إخضاع جميع الأجهزة العسكرية والأمنية لسلطة القانون والرقابة القضائية دون استثناء.

عدم الاكتفاء بتغيير القيادات أو تبديل الواجهات في معالجة واقع الفصائل المسلحة.

تفكيك بنية الفصائلية العسكرية بصورة جذرية، ودمج العناصر المؤهلة ضمن مؤسسة عسكرية وطنية مهنية وموحدة.

بناء جيش وطني يحمي المواطنين والدولة، ولا يتحول إلى أداة لقمعهم أو انتهاك حقوقهم.

ويرى الحزب أن بناء مؤسسة عسكرية وطنية موحدة لا يعني مجرد جمع الفصائل تحت مسمى واحد، وإنما يعني إنهاء الولاءات الفصائلية والحزبية والمناطقية والخارجية، وإخضاع المؤسسة العسكرية بصورة كاملة للقانون والسلطة المدنية المنتخبة.

ثامناً: النفوذ الإقليمي وإعادة تشكيل القوى العسكرية

ينظر الحزب بقلق إلى استمرار التدخلات الإقليمية في بنية القوى العسكرية والسياسية داخل سورية.

ويرى أن إعادة ترتيب الفصائل أو تغيير قياداتها لا تكفي لإنهاء النفوذ الخارجي، ما لم تترافق مع عملية سياسية وعسكرية شاملة تنهي تعدد مراكز القوة وتضع جميع القوى المسلحة تحت سلطة الدولة.

كما يؤكد الحزب أن الجيش الوطني لا يمكن أن يكون تابعاً لأي دولة أو قوة سياسية أو فصيل، وإنما يجب أن يكون مؤسسة وطنية جامعة لجميع السوريين.

تاسعاً: حق النازحين والمهجرين في العودة

يؤكد الحزب أن حق السوري في العودة إلى منزله ومنطقته حق أساسي لا يجوز استخدامه كورقة سياسية أو إخضاعه للتوازنات الإقليمية.

ويجب أن تكون عودة النازحين والمهجرين طوعية وآمنة وكريمة، مع ضمان حقوقهم في ممتلكاتهم ومنازلهم، وعدم فرض واقع ديموغرافي جديد على المناطق التي هُجّر منها سكانها.

كما تتحمل السلطة الانتقالية مسؤولية أساسية في توفير الأمن والحماية للعائدين، ومعالجة أسباب التوتر والكراهية التي تحول دون العودة.

ويرفض الحزب أي سياسة تؤدي بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى تثبيت نتائج التهجير القسري أو حرمان أصحاب الحقوق من العودة إلى مناطقهم.

عاشراً: مواجهة الطائفية وخطاب الكراهية

يحذر الحزب من استمرار مظاهر التحريض الطائفي والقومي والمناطقي، ومن خطورة تحويل الخلافات السياسية إلى صراعات مجتمعية.

إن سورية الخارجة من حرب طويلة تحتاج إلى مشروع للمصالحة الوطنية، وليس إلى إعادة إنتاج مشاعر الانتقام والثأر.

ويؤكد الحزب رفضه لأي إساءة أو تحريض ضد أي مكون من مكونات الشعب السوري، واحترام الرموز الوطنية والقومية، ورفض استخدام العلم السوري أو العلم الكردي أو أي رمز آخر للتحريض والانقسام.

كما يحمل الحزب السلطة مسؤولية أساسية في مواجهة خطاب الكراهية والتحريض، وضبط السلاح المنفلت، ومعالجة أسباب التوتر بدلاً من تركها تتراكم وتتحول إلى صراعات مجتمعية.

الحادي عشر: الاقتصاد والاستثمار وتحسين الوضع المعيشي

يرى الحزب أن معالجة الأزمة الاقتصادية والمعيشية تمثل أولوية وطنية، وأن سورية تحتاج إلى استثمارات وإعادة إعمار وتنشيط قطاعات الإنتاج والعمل.

لكن التنمية الاقتصادية لا يمكن فصلها عن الإصلاح السياسي والمؤسساتي.

فجذب الاستثمار يحتاج إلى دولة مستقرة، وقضاء مستقل، وقوانين واضحة، ومؤسسات شفافة، ومحاربة الفساد والاحتكار، وحماية المال العام.

لذلك يرفض الحزب اختزال المرحلة الانتقالية في البعد الاقتصادي، ويؤكد أن التنمية الحقيقية يجب أن تسير بالتوازي مع بناء الدولة الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

رؤية الحزب للمرحلة المقبلة

يرى حزب اليسار الديمقراطي السوري أن سورية أمام فرصة تاريخية، لكنها في الوقت ذاته أمام مخاطر كبيرة يمكن أن تعيد إنتاج الاستبداد أو تحول البلاد إلى ساحة نفوذ وصراع بين القوى الإقليمية والدولية.

ومن هنا فإن المطلوب ليس مجرد تغيير في موازين القوى أو تبديل الأشخاص والمؤسسات، وإنما بناء دولة جديدة تقوم على:

المواطنة المتساوية، والديمقراطية، وسيادة القانون، واستقلال القضاء، وحرية الأحزاب، وحرية الرأي والتعبير، والعدالة الاجتماعية، ووحدة سورية، واللامركزية الإدارية، واحتكار الدولة للسلاح، واحترام حقوق الإنسان.

ويؤكد الحزب أن الانتقال السياسي الحقيقي يبدأ من حماية الإنسان وكرامته، ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات، ومنع عودة أجهزة القمع، وإطلاق الحياة السياسية، وبناء مؤسسات دولة خاضعة للقانون والرقابة.

كما يؤكد أن معالجة القضية الكردية وسائر القضايا الوطنية يجب أن تتم ضمن عقد وطني ديمقراطي جديد، يحفظ حقوق جميع السوريين ويصون وحدة البلاد.

ويرى الحزب أن إنهاء الفصائلية المسلحة وتوحيد المؤسسة العسكرية والأمنية تحت سلطة الدولة والقانون يمثلان شرطاً أساسياً للاستقرار، كما أن ضمان عودة المهجرين والنازحين إلى مناطقهم وممتلكاتهم يمثل جزءاً لا يتجزأ من العدالة الوطنية والمصالحة السورية.

وفي مواجهة التدخلات الإقليمية والدولية، يتمسك الحزب باستقلال القرار الوطني السوري، ويرفض تحويل سورية إلى ساحة نفوذ أو صراع بالوكالة.

إن المهمة الأساسية أمام القوى الديمقراطية السورية اليوم هي الانتقال من مراقبة الأحداث إلى التأثير فيها، ومن ردود الفعل إلى امتلاك مشروع سياسي واضح، ومن التشتت إلى بناء أوسع جبهة وطنية ديمقراطية قادرة على الدفاع عن سورية الدولة والمجتمع والمواطنة والحرية والعدالة الاجتماعية.

سورية التي نريدها ليست مجرد سورية بلا حرب، وإنما سورية بلا استبداد، بلا طائفية، بلا ميليشيات، وبلا ارتهان للخارج؛ سورية دولة مدنية ديمقراطية، يكون فيها القانون فوق الجميع، والإنسان وكرامته في مركز الدولة والمجتمع.

  • Social Links:

Leave a Reply