الحرية والتاريخ

الحرية والتاريخ

د. منذر ابومروان اسبر


عنوان الحرية اليوم، المواطنة الواحدة

الاخ الكريم معتز فخر الدين

تطرح في منشورك السؤال التالي :
هل يمكن الحديث عن الحرية في مجتمع يرزخ تحت الاستعمار والاقطاع والجهل والأمية ؟

وتضيف أيضا ” كثيرا ماتحاكم تجارب عبد الناصر والحركات القومية العربية من خارج زمنها، وكأن الحرية منفصلة عن شروط المجتمع والتاريخ!.”

الجواب نعم يمكن للمجتمع أن يتحدث عن الحرية ولكن بتحديد ماهي هذه الحرية ؟

فالحرية من الاستعمار المباشر هي اخراج له ولهذا كانت الحرية، الاستقلال السوري عام ١٩٤٦.
.
وهذا ما ينطبق أيضا على مسألة التابعية لأنها استعمار لامباشر وبالتالي فإن الانتهاء منها بعد الاستقلال تمت بتوفير شروط بناء ذاتي اقتصادي واجتماعي ، طوال أواخر الخمسينات والستينيات ، لماذا ؟

لانك على صواب في أنه لا يمكن للحرية أن تفصل عن الشروط التي يعانيها اي مجتمع ويتطلع إلى الخروج منها ، إلا إذا وضعناها – أي الحرية في فراغ المجردات .

صحيح أن الإنسان يتم تعريفه بالحرية ككائن اجتماعي مختلف عن كافة الكائنات الأخرى . وفي رد الخليفة الثاني عمر ابن الخطاب على حادثة القبطي المضطهد يبرز مبدأ الحرية عندما قال :
متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا .

الحرية في هذا مفهوم ملموس في حياة وتاريخ اي بلد ومواطنيه ، فالحرية مثلا في التاريخ الفرنسي ارتبطت بمظالم الشعب الفرنسي الملكية منها و الإقطاعية والدينية الكاتوليكية ، لتصبح سيادة شعب المواطنين تقدما واختيارا لحكامهم .

بتعبير آخر فإن السياقات التاريخية منها والاجتماعية هي التي حددت مفهوم الحريةلتغدو ايضا الحريات الفردية والجماعية لكافة الأفراد ؛ وباعتراف السلطات الدينية بها وبحقوق الانسان ؛ استدلالا عليها ودلالة لها.

الإشكالية التي حدثت في مجتمعاتنا هو تخطي المواطنة الواحدة للجميع حقوقا وواجبات واحدة

ذلك أن التحولات الهامة كاولويات في الكفاية الانتاجية والعدالة الاجتماعية وسيادة الدولة في علاقاتها الخارجية، تجاوزت أرضية المواطنة المشاركة في البناء العام للبلاد ، ليصبح هذا البناء في قراراته وتنفيذه مرتبطا بالسلطة الحاكمة في سورية ومعظم البلدان العربية . ولهذا فإن حركة التقدم العربية ليست فوق النقد .

ومن البدهي اليوم القول اننا لم نصل في المشرق بل وفي المجتمعات الشرقية عموما إلى النظرة التاريخانية (الظروف التي يعيشها مجتمع ما ) ، مما يجعل الأحكام جاهزة ومطلقة لالغاء ماتم بقضه وقضيضه على طريقة ” كلما أتت أمة لعنت اختها” .

وفي حين تبنى فيه حياة الشعوب تقدما وحرية كمنجزات تراكم تاريخي جيلابعد جيل فإن الدوغمائيات الايديولوجية( العقائد المغلقة ) تعتبر أن التاريخ ببدأ وينتهي معها ، أو انه عودة دائمة إلى ما كانت عليه الاجيال السالفة .

والواقع ان واحدة من ازمات مجتمعاتنا الحادة تطرح أزمة الاجيال العربية الصاعدة في سد الطريق أمامها بانكارحقها هي ،في بناء مسار التقدم والحرية .

وفي الوقت الذي وصلت فيه الشعوب الأخرى إلى رؤية مشتركة لتاريخها ،وحققت مصالحة تاريخية تعايشا بناء فيما بينها( الكاثوليك و البروتستانت في فرنسا ) على قاعدة المواطنة الواحدة المتساوية ، فإن الجهادية السلفية ترفض هذه المصالحة لأنها ترفض المواطنة الواحدة ، علما ان اللغة العربية تقول بها ، بلادا وحقا ( وطن – مواطنة ) لجميع من يولدون فيه وينتمون إليه .

هكذا فإن عنوان الحرية اليوم لأي فرد في سورية وفي اي بلد عربي هو المواطنة الواحدة ، بناء مشتركا للشأن العام السوري ، دستورا ودولة واقتصادا وثقافة ، لماذا ؟

لأن حقوق المواطنة الواحدة هي التي تحرر الشعب من الاضطهاد ، والأحزاب من الدوغمائية ، والدولة من الطائفية .

  • Social Links:

Leave a Reply